قوله: (ولَهُ نَقْضُ وَقْفٍ كَهِبَةٍ، وصَدَقَةٍ) يريد: أن من ابتاع شقصًا فوقفه، أو وهبه،1234567891011
الجزء: 4 - الصفحة: 454
أو تصدق به؛ فإن الشفيع لا يسقط حقه منه بسبب ذلك، بل له إذا أراد الأخذ بشفعته أن ينقض جميع ما فعل من ذلك، ولو هدم المشتري الشقص وبناه مسجدًا فله هدمه.
قوله: (والثَّمَنُ لِمُعْطَاهُ، إِنْ عَلِمَ شَفِيعُهُ 12) أي: فإذا أخذ الشفيع الشقص الموهوب ونحوه، فالثمن 13 الذي يدفعه يكون 14 لمعطي الشقص، وهو الموهوب ونحوه 15، بشرط أن يكون الواهب يعلم أن له شفيعًا، وقاله في المدونة 16، زاد ابن يونس: وكأنه وهبه الثمن.
وقال أشهب: الثمن للواهب مطلقًا 17، واختاره محمد 18، ونحوه لسحنون.
فإن لم يعلم الواهب بالشفعة فالثمن له، كمن ابتاع دارًا فوهبها لرجل، ثم استحق رجل نصفها وأخذ النصف الآخر بالشفعة؛ فإن ثمن النصف المستشفع فيه 19 للواهب، وقاله في المدونة 20، يريد: وكذلك ثمن النصف المستحق 21، ولهذا قال هنا: (لا إِنْ وَهَبَ دَارًا فَاسْتُحِقَّ نِصْفُهَا) أي: فإن الموهوب لا شيء له من ثمن النصف المستحق.
قوله: (ومُلِكَ بِحُكْمٍ أَوْ دَفْعِ ثَمَنٍ، أَوْ إِشْهَادٍ) يريد: أن الشفيع يملك الشقص بأحد أمور ثلاثة: إما بحكم حاكم، أو بدفع الثمن للمبتاع وإن لم يرض، أو بالإشهاد أنه أخذ ذلك بالشفعة، ونحوه في الجواهر 22.
قوله: (واسْتُعْجِلَ، إِنْ قَصَدَ ارْتِيَاءً أَوْ نَظَرًا لِلْمُشْتَرَى إِلا كَسَاعَةٍ) يريد: أن الشفيع إذا
الجزء: 4 - الصفحة: 455
طلب تأخير الثمن لقصد الارتياء أو لينظر المشتري فإنه لا يمهل، قال في الموازية 23: ولا يمهل ساعة واحدة، وشهره المتيطي وابن رشد 24. وهو يعكر على 25 قوله هنا: (إلا كساعة).
ولمالك في المختصر أنه يمهل ثلاثة أيام 26. اللخمي: وهو أحسن إذا كان إيقافه بفور 27 الشراء 28. وهذا كله إذا أوقفه الإمام، وأما إن أوقفه غيره؛ فهو على شفعته إلى أن يوفقه الإمام فيأخذ أو يترك 29.
قوله: (وَلَزِمَ إِنْ أَخَذَ وعَرَفَ الثَّمَنَ) يريد: أن الشفيع إذا أخذ بالشفعة وقد عرف الثمن، فإن ذلك يلزمه، قال في المدونة: وإن لم يعرف الثمن 30 فله الرجوع 31. وقال أشهب 32: إذا لم يعلم إلا بعد الأخذ ورضي، لم يجز ويفسخ 33، ثم تكون له الشفعة بعد الأخذ.
وقال المازري: إن أخذ قبل علمه بالثمن ثم علم فقال ظننت الأقل، فإن أراد الرد فله ذلك اتفاقًا، وإن أراد التمسك فله ذلك على المشهور، خلافًا لابن المواز 34.
قوله: (فَبِيعَ لِلثَّمَنِ) أي: فبسبب كون الشفيع يلزمه الأخذ بالشفعة 35، إذا امتنع من دفع الثمن؛ بيع من ماله أو من الشقص حتى يوفى للمبتاع ما دفع.
قوله: (والمشتري إن سلم) هو معطوف على معمول (لزم)، أي: وكذلك يلزم
الجزء: 4 - الصفحة: 456
المشتري 36 دفع الحصة للشفيع إن سلم، أي: إذا قال المشتري 37 عند قول الشفيع (أخذت) وأنا سلمت، فليس له حينئذ رجوع ولا للآخر.
ويحتمل أن يكون فاعل (سلم) هو الشفيع، ويكون المعنى: ولزم المشتري دفع الحصة إن سلم له الشفيع الثمن، والأول أظهر؛ فإن ابن رشد ذكر المسألة كذلك فقال: إن الشفيع إذا قال: أخذت وقال المبتاع: سلمت، فإن الإمام يؤجل الشفيع في دفع الثمن، فإن لم يأت به فليس لأحدهما رجوع، ويباع 38 للمشتري من مال الشفيع 39 حتى يوفى ذلك 40.
قوله: (فإن سكت فله نقضه) أي: فإن قال الشفيع "أخذت"، وسكت المشتري، يريد: ولم يأت الشفيع بالثمن، فله -أي: للمبتاع- نقض ذلك البيع وله إبقاؤه 41، ويباع له من مال الشفيع حتى يوفى له ذلك، وإن شاء أخذ الشقص.
ابن رشد: ولا خيار للشفيع، قال: وهذا الوجه في المدونة.
قوله: (وإن قال: أنا "آخذ"، أُجِّل ثلاثا للنقد) أي: فإن قال الشفيع أنا آخذ بشفعتي، ولم يقل أخذتها، فإن الإمام يؤجله للنقد 42 ثلاث ليال، يريد: إذا طلب ذلك، وقاله في المدونة، وبه العمل والقضاء 43، وقال ابن الماجشون: يؤخر عشرة أيام ونحوها مما يقرب، وليس على المشتري فيه ضرر، وقال أصبغ: يؤخر 44 على قدر المال في القلة والكثرة، وحاله في العسر واليسر، فيؤجل خمسة عشر يومًا، وأقصى ذلك الشهر 45 إن رأى ذلك الحاكم، ولا أدري ما وراء ذلك 46.
الجزء: 4 - الصفحة: 457
قوله: (وإلا سقطت) أي: وإن 47 كان التأخير لغير ارتياء 48 أو نظر 49 أو نحوه، فإن الشفعة تسقط، قاله 50 في البيان، والجواهر وهو ظاهر المدونة.
ويحتمل أن يكون مراده بـ (وإلا)، أي: وإن لم يأت بالثمن في ذلك الأجل سقطت شفعته 51.
قوله: (وإن اتحدت الصفقة، وتعددت الحصص والبائع، لم تبعض) يريد: أن الحصص إذا تعددت في أماكن مختلفة وتعدد البائع، واتحدت الصفقة 52، أي: والشفيع 53 والمشترى، فليس للشفيع أن يبعض الصفقة، بأن يأخذ البعض ويترك البعض، ومثال ذلك: أن يكون الشفيع له ثلاثة شركاء، هذا شاركه في دار، وهذا في حانوت، وهذا في بستان، فباع الثلاثة حصصهم دفعة واحدة لمشتر واحد، فطلب الشفيع أن يشفع في البستان فقط، أو الدار فقط 54، أو الحانوت فقط، أو في اثنين منهما 55 ويترك الباقي، فليس له ذلك على قول ابن القاسم وهو المعروف من المذهب 56، خلافًا لأشهب.
قوله: (كتعدد المشتري على الأصح) أي: فإن كانت المسألة بحالها، إلا أن المشتري تعدد، فإنه اختلف في ذلك على قولين: أحدهما: وهو الأصح، أنه لا يشفع إلا في الجميع، أو يترك الجميع.
وقيل: يأخذ ما يشاء من ذلك ويترك ما يشاء، وإليه ذهب سحنون وأشهب، وهو أحد قولي ابن القاسم، واختاره التونسي واللخمي.
ابن
الجزء: 4 - الصفحة: 458
راشد (1): وهو الأصح؛ لأن المأخوذ من يده لم تتبعض عليه صفقته (2). فانظر هذا مع ما صححه الشيخ، لكن في المدونة ما يوافق القول الذي صححه وهو قوله: وإذا ابتاع ثلاثة (3) ثلاثة أشقاص من واحد، أو ثلاثة صفقة واحدة (4)، والشفيع واحد؛ فليس له أن يأخذ من أحدهم دون الآخر، وليأخذ الجميع أو يدع (5).
قوله: (وكأن أسقط بعضهم، أو غاب، أو أراده المشتري) أي: وهكذا إذا كان للحصة شفعاء، فأسقط بعضهم شفعته وطلبها بعضهم؛ فليس لمن أراد الأخذ أن يترك البعض ويأخذ البعض، بل يأخذ الجميع أو يدع.
وكذا إذا غاب بعضهم، وقام الحاضر يطلب شفعته، فليس له إلا أن يأخذ الجميع أو يترك (6). وكذا لو أراد ذلك المشتري ومكنه من التبعيض (7)، فليس له ذلك، قال في المدونة: وإن شاء الشفيع أخذ الجميع، فليس للمبتاع أن يقول له لا تأخذ إلا بقدر حصتك (8).
قوله: (ولمن حضر حصته) أي: فإن أخذ الشفيع الحاضر جميع الحصة، ثم قدم الغائب، فله أن يدخل (9) معه إن أحب، فيأخذ بقدر ما كان له من شفعته.
(المتن)
وَهَلِ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ، أَؤ عَلَى الْمُشتَرِي، وَلَوْ أَقَالَهُ إِلَّا أَنْ يُسَلَّمَ قَبْلَهَا؟ وَقُدِّمَ مُشَارِكُهُ فِي السَّهمِ، وِإنْ كَأَخْتٍ لِأَبٍ أَخَذَتْ سُدُسًا، وَدَخَلَ عَلَى غَيْرِهِ كَذِي سَهْمٍ عَلَى وَارِثٍ، وَوَارِثٌ عَلَى مُوصًى لَهُمْ، ثُمَّ الْوَارِثُ، ثُمَّ الأَجْنَبِيُّ، وَأَخَذَ بِأَيِّ بَيعٍ شاء، وَعُهْدَتُهُ عَلَيْهِ، وَنُقِضَ مَا بَعْدَهُ، وَلَهُ غَلَّتُهُ، وَفِي فَسْخِ عَقْدِ كِرَائِهِ تَرَدُّدٌ.
وَلَا يَضْمَنُ نَقْصَهُ، فَإِنْ هَدَمَ وَبَنَى فَلَهُ قِيمَتُهُ قَائِمًا، وَلِلشَّفِيعِ النُّقْضُ،