قوله: (الصُّلْحُ عَلَى غيرِ المُدَّعَى فيه 6 بَيعٌ، أَو إِجَارَةٌ 7 وَعَلَى بَعْضِهِ هِبَةٌ) يريد: أن12345
الجزء: 4 - الصفحة: 179
الصلح على ضربين تارة يكون على غير المدعى فيه 8، وتارة يكون على بعضه، فأما الأول فمثل أن يدعي عرضًا أو طعامًا فيصالحه على نقد يدفعه له من الدنانير أو الدراهم 9 أو على عرض أو طعام مخالف لما ادعى، ولا خلاف في جواز كون هذا معاوضة؛ لأنه صار بمنزلة من باع عرضًا بنقد أو بعرض يخالفه، وكذلك في الطعام فيشترط في الصلح حينئذ ما يشترط في بيعه كما سيذكر 10، وأما الوجه الثاني مثل أن يدعي عليه شيئًا فيصالحه على بعضه ويسقط عنه بعضه فلا شك 11 أن ذلك القدر 12 الذي أسقط عنه هبة، وذلك لازم للواهب إذ هي مقبوضة فيشترط فيها 13 قبول الموهوب له 14 في حياة الواهب، وقيل: يكفي قبوله بعد موته وإلى هذا القسم أشار بقوله: (وعلى بعضه هبة) 15. قوله: (وَجَازَ عَنْ دَيْنٍ بِما يُبَاعُ بِهِ) أي: وجاز الصلح عن دين له عليه بما يصلح بيعه به، فإذا صالحه عنه بعرض، فإن جاز بيعه 16 جاز وإلا فلا، ابن يونس: فيمتنع في الصلح ما يمتنع في البيع كمصالحة منكر المال على سكنى أو خدمة، لأنه فسخ دين في دين أو قمح عن شعير مؤجل لأنه نَسَاء في الطعام، فإذا فات فالقيمة أو المثل كالبيع، وينفذ إن وقع بالمكروه 17، ولو أدرك بحدثانه، قاله مطرف، وقال عبد الملك: يفسخ في الحدثان، وينفذ مع الطول 18. قوله: (وَعَنْ ذَهَبٍ بِوَرِقٍ وَعَكْسِهِ إِنْ حَلّا وَعُجِّلَ) أي: وجاز الصلح عن
الجزء: 4 - الصفحة: 180
ذهب بفضة وعن فضة بذهب بشرطين: أن يعجل ذلك وأن يحل المدعى 19، فإن لم يعجله فسد الصلح لأنه صرف مستأخر 20، وأما اعتبار الحلول فهو جار على المشهور من جواز صرف ما في الذمة بشرط الحلول، ويسقط اعتبار ذلك على قول القاضي إسماعيل 21 لبراءة الذمة، ويمتنع ذلك على قول أشهب 22، وإن حل لمنعه صرف ما في الذمة مطلقًا، ونبه بقوله: (كَمائَةِ دِينَارٍ وَدِرْهَمٍ عَنْ مِائَتَيْهِما 23) على أن الحكم المذكور ليس خاصا بما إذا كانت الدنانير في طرف والدراهم في الطرف الآخر، بل الحكم شامل له، ولما إذا كان كل طرف مشتملًا على النوعين معا، وهذا مثل قوله في المدونة: ومن لك عليه مائة دينار ومائة درهم حالة فصالحته من ذلك على مائة دينار ودرهم جاز، لأنك أخذت الدنانير قضاء عن 24 دنانيرك، وأخذت درهمًا من دراهمك وهضمت باقيها، بخلاف التبادل 25 بها 26 نقدًا 27.
قوله: (وَعَلَى الافْتِدَاءِ مِنْ يَمِينٍ) أي: وكذلك يجوز الصلح على الافتداء بمال عن يمين توجهت عليه، وهذا إذا لم يعلم براءته من تلك اليمين، وأما إذا علم براءته منها فلا يفتدي، وليحلف لأنه إن افتدى منها كان آثمًا من أوجه أربعة، منها: أنه أذل بنفسه، ومنها أنه أطعمه 28 ما لا يحل له، ومنها أنه أضاع ماله، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، ومنها أنه جرأه على غيره كما جرأه على نفسه.
قوله: (أَوِ السُّكُوتِ) أي: وهكذا يجوز الصلح على السكوت من غير إقرار ولا
الجزء: 4 - الصفحة: 181
إنكار، ابن محرز: ويعتبر فيه حكم المعاوضة في الإقرار، ويعتبر 29 على مذهب مالك الوجوه الثلاثة الآتية في الإنكار، أي: وعلى مذهب ابن القاسم يعتبر الوجهين، وعلى مذهب أصبغ وجه واحد 30 كما سنذكره بعد هذا في قوله: (والإِنْكَارِ 31 إِن جَازَ علَى دَعْوَى كُلٍّ، وَظَاهِرِ الحكمِ، وَلَا يحلُّ لِظَالمٍ) ومعنى ذلك أنه يجوز أيضًا الصلح على الإنكار وهو المذهب وبه قال أبو حنيفة وأحمد لعموم الحديث وقال ابن الجهم لا يجوز الصلح على الإنكار وهو مذهب الشافعي ومعنى كلامه هنا أنه يجوز الصلح أيضا عن الإنكار 32 كما إذا ادعى عليه دارًا أو عبدًا أو غيره على رجل 33 فأنكره ثم صالحه على أن يدفع له عن ذلك شيئًا من ماله، وأشار إلى أن ذلك مشروط بثلاثة شروط 34: أن يكون ذلك جائزًا على دعوى المدعي وعك إنكار المنكر، وعلى ظاهر الحكم، وهذا على مذهب مالك 35، وعند ابن القاسم: لا 36 يشترط إلا الأولين، ولم يعتبر جوازه على ظاهر الحكم، واشترط أصبغ شرطًا واحدًا، وهو ألا يتفق دعواهما على فساد 37، فإذا ادعى على رجل بطعام من بيع ودراهم فاعترف بالطعام فقط فصالحه على طعام مؤجل أكثر من طعامه أو اعترف بالدراهم فقط، فصالحه على دنانير مؤجلة أو دراهم أكثر من دراهمه، فلا خلاف في فساده وفسخه 38، قاله ابن رشد، يريد: لما في ذلك من السلف بزيادة، والصرف المستأخر، قال: ويختلف إذا توقع الفساد في حق أحدهما خاصة كما لو ادعى عليه بعشرة دنانير فأنكره، ثم اصطلحا على مائة درهم إلى أجل فإنه ممتنع على
الجزء: 4 - الصفحة: 182
قول المدعي وحده إذ لا يجوز له أن يأخذ دراهم إلى أجل عن دنانير، ويجوز ذلك على قول المدعى عليه لأنه افتدى من اليمين التي توجهت عليه بالدراهم المؤجلة فيمتنع ذلك على مذهب مالك وابن القاسم، لأن من شرط جواز المصالحة عندهما أن يجوز ذلك على دعواهما معا، وقد علمت أنه لا يجوز على دعوى المدعي، ويجوز عند أصبغ لأن دعواهما لم تتفق على فساد (1)، قال (2) واختلف فيما إذا كان (3) ظاهره الفساد وهو صحيح على دعوى كل واحد من المدعي والمدعى عليه كما لو ادعى عليه مائة درهم حالة فأنكرها واصطلحا على أخرى بها إلى شهر أو على خمسين يدفعها له عند حلول الشهر، فقد علمت أن الصلح صحيح على دعواهما معًا، لأن المدعي أخر صاحبه أو أسقط عنه بعض حقه وأخره، والمدعى عليه قد افتدى من اليمين بما التزم أداءه، وذلك جائز عند ابن القاسم، لأنه لم يعتبر غير ذلك، وأما عند مالك الذي يعتبر مع ذلك جوازه على ظاهر الحكم فلا يجوز، لأن ظاهر الحال أن في ذلك سلفًا جر منفعة، فالسلف هو التأخير، والمنفعة سقوط اليمين المنقلبة على المدعي بتقدير نكول المدعى عليه أو حلفه، فيسقط جميع ما ادعى عليه به (4)، ولا خلاف (5) في جوازه على مذهب أصبغ، ومعنى قوله: (لا يحل للِظالم) أن الصلح على الإنكار، وإن قلنا بجوازه فإنما نقول بذلك في الظاهر من الأمر، وأما الباطن فيبقى الحكم فيه على ما هو عليه، ولا يحل لظالم من المصطلحين فيما بينه وبين الله تعالى أن يأخذ ما لا يحل له.
(المتن)
فَلَو أَقرَّ بَعْدَهُ أَوْ شَهِدَتْ بيِّنَةٌ لَم يَعْلَمْهَا أَوْ أَشَهَدَ وَأَعلَنَ أنَّهُ يَقُومُ بِهَا, أَوْ وَجَدَ وَثِيقَةً بَعْدَهُ فَلَه نَقْضهُ، كَمَن لَم يُعْلِنْ، أَوْ يُقِرُّ سِرًّا، على الأَحْسنِ فِيهِمَا؛ لا إِنْ عَلِمَ بِبَينَةٍ وَلَمْ يُشْهِدْ، أَوِ ادَّعَى ضَيَاعَ الصَّكِّ، فَقِيلَ لَهُ حَقكَ ثَابِتٌ فأت بِهِ، فَصَالَحَ ثُمَّ وَجَدَه، وَعَنْ إِرْثِ زَوْجَةٍ مِنْ عَرْضٍ وَوَرِقٍ وَذَهَبٍ بِذَهَب مِنَ التَّرِكَةِ3940414243
الجزء: 4 - الصفحة: 183
قَدْرَ مَوْرِثِهَا مِنْهُ بأَقَل أَوْ أَكْثَرَ؛ إِنْ قَلَّتِ الدَّرَاهِمُ، لا مِنْ غَيرِهَا مُطْلَقًا؛ إلَّا بِعَرْضٍ إِنْ عَرَفَا جَمِيعَهَا وَحَضَرَ، وَأَقَرَّ الْمَدِينُ وَحَضَرَ،