قوله: (إِلا لجوْدَةٍ أو رَدَاءَةٍ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ قِيمَتُهُمَا): لما كان قوله (أَوْ سِلْعَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ) يوهم عموم الاختلاف كيف كان أخرج هذه الصورة من ذلك؛ فإنها جائزة.
قال في المدونة: وذلك ممنوع فيما عدا الجودة والرداءة من صثفية 9 أو صفة أو ركوم 10، وأما إن اختلفا في 11 الجودة والرداءة فقط، فيجوز إن اختلفت القيمة،12345678
الجزء: 3 - الصفحة: 540
وليس من بيعتين في بيعة 12، وذهب ابن حبيب إلى عدم الجواز إلا أن يكونا صنفًا واحدًا أو صفة واحدة وقيمتها متحدة 13، وقال ابن المواز: وإن اختلفا في الصنفية أو الصفة 14 اختلافًا يبيح سلم أحدهما في الأخرى 15 لم يجز وإلا جاز، وقال أشهب وعبد الملك: يجوز مطلقًا 16.
قوله: (لا طَعَامٍ وَإِنْ مَعَ غَيْرِهِ) لما ذكر أن السلعتين إذا اختلفتا في الجودة والرداءة يجوز بيع واحدة منهما على اللزوم بخياره، سواء كانتا ثوبين أو غيرهما من العبيد والبقر والغنم والشجر التي لا ثمر فيها، نبه على أن ذلك يختص بغير الطعام، وأما إذا كانا طعامين فلا يجوز ولو مع عرض، ومثله بقوله (كنَخْلَةٍ مُثْمِرَةٍ مِنْ نَخَلاتٍ) أي: مثمرات 17، وأجاز ذلك اللخمي للمشتري، ويحال في ذلك على دَيْنِه ويؤمر أنه إذا اختار شيئًا فلا ينتقل عنه.
قوله: (إِلا الْبَائِعَ يَسْتَثْنَي خمسًا من جِنَانِهِ) يريد: أن البائع بخلاف المشتري في المسألة السابقة إذا كان الخيار له 18، فأجازه مالك بعد أن وقف فيه أربعين ليلة، وقال ابن القاسم: لا يعجبني، فإن وقع أمضيته، وعزا له الباجي المنع، ونقل عنه ابن محرز 19 أنه قال: لاخير 20 فيه.
قوله (وَكَبَيْعِ حَامِلٍ بِشَرْطِ الْحَمْلِ) أي: ومن المبيعات المنهي عنها بيع الحامل بشرط الحمل، وفي المذهب في ذلك ثلاثة أقوال: المنع وهو مذهب المدونة 21، وقيل: يصح، وقيل: إن قصد البراءة صح، وإن قصد استزادة الثمن بالحمل لم يصح، ومنهم من
الجزء: 3 - الصفحة: 541
جعل محل 22 الخلاف إذا قصد بذلك 23 استزادة الثمن، وإن 24 المشهور 25 المنع، وأما إذا قصد بذلك البراءة من الحمل 26؛ فلا خلاف في الصحة، وهي طريقة ابن زرقون 27. قوله: (وَاغْتُفِرَ غَرَرٌ يَسِيرٌ لِلْحَاجَةِ لَمْ يُقْصَدْ) هذا مما لا خلاف فيه؛ بل حكى فيه بعض أصحابنا الإجماع، فقال: الغرر ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يمتنع إجماعًا كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، وقسم يجوز إجماعًا كأساس الدار المبيعة 28، وكبيع الجبة المغيبة 29 الحشو 30 ودخول الحمام مع اختلاف الاستعمال، أو الشرب من السقاء مع اختلاف ذلك، وقسم اختلف فيه على ما تقدم، وقيد 31 اليسارة 32 نص عليه الباجي 33، وزاد المازري القيدين الأخيرين 34، وهما كونه للحاجة وغير مقصود فلو قصد منع 35. قوله: (وَكَمُزَابَنَة مَجْهُولٍ بِمَعْلُومٍ أَوْ مَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ) أي: ومما نهى عنه المزابنة وهي بيع مجهول بمجهول، أو معلوم بمجهول بشرط كونهما من جنس واحد، وبهذا 36 فسرها أهل المذهب، وفي الصحيح عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن
الجزء: 3 - الصفحة: 542
المزابنة، والمزابنة بيع تمر النخل بالتمر 37 كيلًا، وبيع الزبيب بالعنب كيلا 38، وعن كل ثمر بخرصه، وفي رواية: وعن بيع الزرع بالحنطة.
قوله: (وَجَازَ إِنْ كَثُرَ أَحَدُهُمَا فِي غَيْرِ رِبَوِيٍّ) لأن الفضل لما تبين 39 من أحد الجانبين انتفى الغرر، ولا فرق في ذلك بين 40 المطعومين وغيرهما، وهو مذهب ابن القاسم، وقيل بعدم الجواز في المطعومين، ولو تبين 41 الفضل 42، وقيل: يجوز بشرط تحري المساواة.
قوله: (وَنُحَاسٌ بِتَوْرٍ) أي: وكذلك يجوز بيع النحاس بالتور وتور 43 النحاس، وهو إناء يشرب فيه، والتور 44 وهو بالتاء المثناة من فوق، وقد نص على الجواز في المدونة 45، وهو المشهور، وحكى ابن رشد فيها ثلاثة أقوال: الجواز إن كان نقدًا أو لأجل، والجواز إن كان نقدًا أو إن لم يتبين 46 الفضل، وعدم الجواز إن كان 47 لأجل؛ وهما روايتان لابن وهب 48 عن مالك، الثالث: المنع إلى أجل 49، والجواز نقدًا 50 إن تبين الفضل، وهو لمالك في العتبية.
الجزء: 3 - الصفحة: 543
ابن رشد: ولا أعلم خلافًا في منع 51 بيع الفلوس بالنحاس للمزابنة 52.
قلت: وإليه أشار بقوله (لا فُلُوسٌ) أي: لا بيع فلوس بالنحاس 53، أي: فإنه لا يجوز، واستشكله الأشياخ وقالوا: القياس جوازه، لأن الصنعة نقلته كما في التور 54، وفرق ابن بشير بقلة الصنعة في الفلوس وكثرتها في التور.
قوله: (وَكَكَالئٍ بِمِثْلِهِ) هذا لما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - (نهى عن بيع 55 الكالئ بالكالئ 56، وهو الدين بالدين، ولما كانت حقيقة ذلك محتوية على ثلاثة أقسام، إما فسخ الدين بالدين 57، أو بيع دين بدين، أو ابتداء دَيْن بدَيْن وهو المعبر 58 عنه بتأخير رأس مال 59 السَّلَم في كلامه كما سيأتي، وقد أشار إلى الأول منهما بقوله: (فَسْخُ مَا في الذِّمَّةِ في مؤَخَّرٍ، وَلَوْ مُعَيَّنًا يَتَأَخَّر قَبْضه كَغَائِبٍ، أَوْ مُواضَعَةٍ 60، أَوْ مَنَافِعَ عَيْنٍ) وهو وما بعده من القسمين إما عطف بيان أو بدل، أو جواب عن سؤال مقدر، كأن قائلًا قال له، وما بيع الكالئ بمثله 61، فقال: (هو فَسْخُ مَا فِي الذِّمَّةِ من مُؤَخَّرٍ.
. . إلى آخره)، ومعنى ذلك أن يكون لشخص عند آخر دين 62، فيطالبه به فلا يجد معه شيئًا، أو يجد معه ولكن يبيعه به شيئًا يتأخر قبضه كما لو باعه دارًا غائبة ونحوها، أو أمة متوا ضعة، أو آجره به داره المعينة أو عبده 63 أو نحوهما، وسواء كان ذلك من غير جنس الدين أو جنسه، يريد:
الجزء: 3 - الصفحة: 544
والمؤخر أكثر مما في الذمة، وهذا القسم (1) أشد من القسمين الآتيين بعده، لأنه من باب ربا الجاهلية، فهو محرم بالكتاب وهما (2) بالسُّنَّة، واغتفر في مثل (3) ذلك الذهاب إلى مثل السوق (4)، وما لا يمكن القبض إلا فيه أو قدر ما يأتي بمن يحمله، إن كان يسيرًا، وإن كان الطعام كثيرًا فيجوز مع اتصال العمل، ولو بشهر، قاله أشهب (5)، وما ذكره (6) في المعين يتأخر قبضه هو المشهور، وهو مذهب المدونة (7). وقال أشهب: يجوز، ومذهب ابن القاسم منع (8) فسخ الدَّين في منافع المعين (9) كما هنا، خلافًا لأشهب، وصحح قوله المتأخرون، ولا خلاف بينهما في المنع إذا كانت المنافع غير معينة؛ كفسخ الدَّين في ركوب الدابة غير معينة (10)، أو سكنى دار كذلك، أو خياطة ثوب (11).
(المتن)
وَبَيْعُهُ بِدَيْنٍ، وَتَأْخِيرُ رَأْسِ مَالِ السَلَمِ، وَمُنِعَ بَيْعُ دَيْنِ مَيِّتٍ، وَغَائِب وَلَوْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ، وَحَاضِرٍ إِلَّا أَنْ يُقِرَّ، وَكَبَيْعِ الْعُرْبَانِ وهو أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَرِهَ الْبَيْعَ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ؛ وَكَتَفْرِيقِ أُمٍّ فَقَطْ مِنْ وَلَدِهَا، وَإِنْ بِقِسْمَةٍ؛ أَوْ بَيْعِ أَحَدِهِمَا لِعَبْدِ سَيِّدِ الآخَرِ مَا لَمْ يُثْغِرْ مُعْتَادًا، وَصُدِّقَتِ الْمَسْبِيَّةُ، وَلَا تَوَارُثَ مَا لَمْ تَرْضَ، وَفُسِخَ إِنْ لَمْ يَجْمَعَاهُمَا فِي مِلْكٍ.