قوله: (بِخِلافِ اشْتَرِهَا بِعَشَرَةِ نَقْدًا أو آخُذُهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ إلى أَجَلٍ)؛ أي: فإنه ممنوع، ويفسخ، وقد قسم ابن رشد الممنوع على ستة أقسام: ثلاثة في قوله: (اشْتَرِ لي) وثلاثة في قوله: (اشتر دون لي) 1 وقد أشار إلى الأول من الثلاثة الأول، بما ذكر 2 وهو واضح، لأنه سلف جر منفعة 3.
قوله: (وَلَزِمَتِ الآمِرَ إِنْ قَالَ لِي)؛ أي: إن قال اشترها لي؛ لأن الشراء له، وإنما أسلفه المأمور ثمنها ليأخذ أكثر منه إلى أجَل فيعطيه العشرة معجلة ويسقط عنه ما أربى.
قوله: (وَفِي الْفَسْخِ إِنْ لَمْ يَقُلْ لِي إِلا أَنْ تَفُوتَ فَالْقِيمَةُ أَوْ إِمْضَائِه 4 وَلُزُومِهِ الاثْنَا عَشَرَ قَوْلانِ) أي: اختلف في الفسخ والإمضاء إذا لم يقل في الفرض المذكور لي، وإنما قال: اشتر 5 بعشرة إلى آخره، على قولين، والأول منهما لابن حبيب، والثاني رواه سحنون عن ابن القاسم 6.
قوله: (إِلا أَنْ يفُوتَ فَالْقِيمَةُ) من تمام الأول.
قوله: (وَلُزوُمهِ الاثْنَي عَشَرَ) من تمام الثاني، ولو عطفه بـ "الفاء" لكان أحسن، ويستحب للمأمور على هذا القول ألا يأخذ من الآمر شيئا إلا ما نقد، وهو العشرة.
قوله: (وَبِخِلافِ اشْتَرِهَا لِي بِعَشَرَةِ نَقْدًا، وَآخُذُهَا بَاثْنَيْ عَشَرَ نَقْدًا) أي: ومما يمنع أيضا أن يقول اشترها لي بعشرة نقدا 7، وأنا اشتريها منك باثني عشر نقدًا ومثله أو أربحك فيه كذا نقدا 8، وإنما 9 فسد هذا إذا كان النقد من المأمور بشرط، لأنها إجارة
الجزء: 3 - الصفحة: 576
فاسدة؛ لأنه أعطاه الجعل على أن يسلفه فهي إجارة فاسدة، ولهذا قال: (إِنْ نَقَدَ الْمَأمُورُ بِشَرْطٍ).
قوله: (وَلَهُ الأقَلُّ مِنْ جُعْلِ مثله أَوِ 10 الدِّرْهَمَيْنِ فِيهِمَا) أي: في القسمين وهما اشترها لي بعشرة نقدًا وأنا أشتريها منك باثني عشر إلى أجل، أو اشترها بعشرة نقدًا وأشتريها منك باثني عشر نقدًا، وهذا 11 على مذهب ابن القاسم في منع البيع والسلف يكون له الأقل من الدرهمين أو جعل مثله، وهو الذي صدر به، وعلى قول ابن حبيب أنه قبض السلف يكون 12 له أجر مثله بالغًا ما بلغ 13، وقال ابن المسيب: لا أجر له 14.
ابن رشد وابن زرقون: وهو الأصح 15، وإليه أشار بقوله: (وَالأَظْهَرُ وَالأَصَحُّ لا جُعْلَ لَهُ).
أي لئلا يكون.
. . للفساد 16 يكون قوله: (وَجَازَ بغَيره كَنَقْدِ الآمِرِ) أي: وجاز ذلك إذا كان النقد من عند المأمور بلا شرط كما إذا نقد الآمَر ذلك من عنده إذا كان 17 لا محذور فيه.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِي، فَفِي الْجَوَازِ وَالْكَرَاهَةِ قَوْلانِ) أي: فإن قال: اشترها بعشرة نقدا وأنا آخذها باثني عشر نقدًا أو لم 18 يقل اشترها لي، والقولان لمالك، مرة قال في الجواز إذا انتقد، وأخرى قال بالكراهة للمراوضة التي وقعت بينهما في السلعة قبل صيرورتها في ملك المأمور 19.
قوله: (وَبِخِلافِ اشْتَرِهَا لِي بِاثْنَيْ عَشَرَ لأَجَلٍ وَأَشْتَريهَا بِعَشَرَةِ نَقْدًا) يريد: أن الآمر إذا قال للمأمور: اشتر لي سلعة كذا باثني عشر لأجل، وأنا أشتريها منك بعشرة نقدًا،
الجزء: 3 - الصفحة: 577
فإن ذلك يمنع ولا إشكال فيه، لأن الآمر استأجر المأمور على أن يبتاع له السلعة بعشرة يدفعها له ينتفع بها إلى أجل، ثم يقتضي منه 20 اثني عشر عند الأجل.
قوله: (فَيُلْزَمُ بالْمُسَمَّى): فليزم بالمسمى (ولا يعجل العشرة) 21 أي فيلزم الآمر السلعة بالمسمى وهو اثنا 22 عشر إلى أجل ولا يتعجل المأمور منه العشرة النقد، فإن دفعها إليه صوفها عنه ولم تترك عنده إلى الأجل وهو معنى قوله: 23 وَإِنْ عُجِّلَتْ أُخِذَتْ)، وقوله 24: (وَلَهُ جُعْلُ مِثْلِهِ) يعني: وللمأمور جعل مثله في شراء السلعة بالغًا مَا بلغ هكذا قال ابن رشد 25.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لِي فَهَلْ لا يُرَدُّ 26 الْبَيع إلا إِذَا فَات وَلَيْسَ عَلَى الآمِرِ إلا الْعَشَرَةُ 27؟ أَوْ يُفْسَخُ الثَّانِي مُطْلَقًا إِلا أَنْ يَفُوتَ فَالْقِيمَةُ؟ قَوْلانِ) يريد: أن الآمر إذا قال له: اشترها باثني عشر إلى أجل؛ وأنا أشتريها منك بعشرة نقدًا اختلف في ذلك على قولين كما قال، فروى سحنون عن ابن القاسم أن البيع لا 28 يرد إذا فات، ولا يكون على الآمر إلا العشرة.
ابن رشد: وهو ظاهر الروايات 29 أن البيع الثاني يفسخ ما لم تفت السلعة 30. وقال ابن حبيب: يفسخ على كل حال، وهو مراده هنا بالإطلاق، فإن فاتت ردت إلى قيمتها يوم قبضها 31.
الجزء: 3 - الصفحة: 578
الثاني: وهو معنى قوله: (إِلا أَنْ يَفُوتَ فَالْقِيمَةُ؟ قَوْلانِ) وبالله تعالى التوفيق (1).
فصل [في خيار البيع]
(المتن)
فَصْلٌ إِنَّمَا الْخِيَارُ بِشَرْطٍ، كَشَهْرٍ فِي دَارٍ، وَلَا تسكن؛ وَكَجُمُعَةٍ فِي رَقِيقٍ، وَاسْتَخدَمَهُ، وَكَثَلَاثَةٍ فِي دَابَّةٍ، وَكَيَوْمٍ لِرُكُوبِهَا وَلَا بَأسَ بِشَرْطِ الْبَرِيدِ، أَشْهَبُ: وَالْبَرِيدَيْنِ.
وَفِي كَوْنِهِ خِلَافًا تَرَدُّدٌ.
وَكَثَلَاثَةٍ فِي ثَوْبٍ.
وَصَحَّ بَعْدَ بَتٍّ، وَهَلْ إِنْ نَقَدَ؟ تَأوِيلَانِ.
وَضَمِنَهُ حِينَئِذٍ الْمُشتَرِي، وَفَسَدَ بِشَرْطِ مُشَاوَرَةِ بَعِيدٍ، أَوْ مُدَّةٍ زَائِدَةٍ، أَوْ مَجْهُولَةٍ أَوْ غَيْبَةٍ عَلَى مَا لَا يُعْرَف بِعَيْنِهِ، أَوْ لُبْسِ ثَوْبٍ وَرَدَّ أُجْرَتَهُ.