12345678 الجزء: 5 - الصفحة: 71
قوله: (وَعَزَّرَ شَاهِدا بِزُورِ فِي الْمَلأِ بِنِدِاءٍ، وَلَا يَحْلِقْ رَأْسَهُ، أَوْ لِحْيَتَهُ، أَوْ يُسَخِّمَهُ) يريد: أنه إذا ثبت عنده أن أحدًا من الشهود شهد بالزور فإنه يعزره على رؤوس الأشهاد بنداءٍ.
قال 9 ابن عبد الحكم 10: أرى أن يطاف به، ويشهر في المسجد وفي الحلق؛ وحيث ما يعرف به جماعات الناس، ويضرب ضربًا موجعًا، ولا يحلق رأسه ولا لحيته 11. مالك ويطاف به 12 في الأسواق والجماعات ويسجن، ولا أرى الحلق والتسخيم 13. ورأى ابن العربي أن يسود وجهه 14.
قوله: (ثُمَّ فِي قَبُولِهِ تَرَدُّدٌ) أي: ثم في قبول شهادة الشاهد الذي عزره القاضي بعد ذلك تردد وظاهره سواء كان ظاهر العدالة، أم لا، وفي ذلك طريقان، الأولى 15: أن من كان ظاهر العدالة حين شهد بالزور فيقبل 16 اتفاقًا وإلا فقولان: القبول، وهو قول ابن القاسم.
أبو محمد 17: أظنه لمالك.
وعدمه، وهو ظاهر المدونة 18، ونقله في النوادر عن ابن القاسم 19، وعكس ابن رشد فقال: إن كان ظاهر العدالة، فقولان وإلا لم يقبل اتفاقًا 20.
قوله: (وَإِنْ أَدَّبَ التَّائِبَ فَأَهْلٌ) أي: اختلف إذا جاء شاهد الزور تائبًا معتذرًا، هل يؤدب أم لا؟ فقال اللخمي عن ابن القاسم: لو أدب لكان أهلًا لذلك 21. وقال
الجزء: 5 - الصفحة: 72
سحنون: لا يعاقب 22. وإلى الأول أشار بما ذكر هنا.
قوله: (وَمَنْ أَسَاءَ عَلَى خَصْمِهِ) هو معطوف على قوله: (وعزر شاهدًا بزور) والمعنى: أن القاضي يعزر أحد الخصمين إذا أساء على الآخر الأدب، ابن حبيب عن مطرف، وابن الماجشون: وإذا قال أحدهما لخصمه يا فاجر، يا ظالم زجره القاضي وضربه على مثل هذا، إلا أن تكون فلتة 23 من ذي مروءة فليتجاف عن ضربه 24.
قوله: (أَوْ مُفْتٍ، أَوْ شَاهِدٍ) أي: وكذا يعزر من أساء على مفتي أو شاهد يريد كقوله لهما: تفتون أو تشهدون علي، لا أدري من أكلم، يريد بذلك التوبيخ.
وقاله ابن كنانة، وابن غالب 25. وقال سحنون: إذا تناول الخصم الشاهد بما لا يصلح، كقوله شهدت علي بزور أو بما يسألك الله عنه، أوْ ما أنت من أهل العدل، ولا من أهل الدين فلا يمكن من أهل الفضل، والقدر، والعدل، ويؤدب بالإجتهاد على قدر القائل والمقول له.
وعن ابن كنانة: إذا قال الخصم للشاهد: شهدت على بالزور 26، فإن عني إنما شهدت به على باطل، فلا يعاقب، وإن كان إنما قصده أذاه الشهرة به، نكله الإمام 27 بقدر حال الشاهد، والمشهود عليه 28، وإلى هذا أشار بقوله: (لَا بِشَهِدْتَ بِبَاطِلٍ) أي: فإنه لا يؤدب، وانظر ما قال سحنون، هل يخالف قول ابن كنانة هذا.
أو يحمل قول سحنون على أنه أراد بذلك أذى الشاهد، وشهرته، وأما إن قصد أنه شهد عليه بباطل فلا، ويتفق القولان 29.
قوله: (كَلِخَصْمِهِ كَذَبْتَ) أي فإنه لا أدب عليه في ذلك.
ابن عبد السلام: ولا يعد الفقهاء تكذيب أحد الخصمين فيما ادعى عليه، وشبه ذلك من السباب، ولو كان
الجزء: 5 - الصفحة: 73
بصيغة كذبت وشبهها من التصريح 30.
قوله: (وَلْيُسَوِّ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَإِنْ مُسْلِمًا وَكَافِرًا وذميًّا) أي: وإن مسلمًا وكافرًا، والمراد المساواة في الجلوس والقيام، والنظر لهما والكلام معهما 31، ورفع الصوت عليهما.
أشهب وسحنون: ولا ينظر إلى أحدهما بوجه أطلق مما يلقى به الآخر 32.
ولمالك قول آخر برفع المسلم على الكافر.
والأول ظاهر المذهب 33.
قوله: (وَقَدَّمَ الْمُسَافِرُ، وَمَا يَخْشَى فَوَاتُهُ) يريد: إذا تزاحم المدّعون في التقدم قدم المسافر؛ لضرره 34 بفوات الرفقة، وكذلك ما يخشى عليه الفساد والتغيير لو قدم غيره 35 عليه، وقيد المازري ذلك بما إذا لم يكثروا جدًّا؛ قال: وأما إن كثروا كثرة يحصل للمقيمين بسببهم الضرر فيصار إلى القرعة 36.
قوله: (ثُمَّ السَّابِقُ، قَالَ: وَإِنْ بِحَقَّيْنِ بِلَا طُولٍ، ثُم أُقْرِعَ) أي: ثم يلي المسافرين، وما يخشى فواته السابق، لتقدم حقه على غيره، قيل: وينبغي أن يوكل من يعرف له الأول فالأول.
بعض الشافعية: وإنما يبدأ 37 بالأول 38 في حق واحد.
واختار المازري تقديمه ولو في حقين إذا كان لا يطول ولا يضر بالجماعة، وإليه أشار بقوله قال يعني المازري 39 وإن بحقين بلا طول 40.
الجزء: 5 - الصفحة: 74
وقوله (ثُمَّ أُقْرِعَ) أي: فإن 41 لم يعرف الأول أقرع بين المدعين.
قوله: (وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْرِدَ وَقْتًا، أَوْ يَوْمًا لِلنِّسَاءِ) أي: وينبغي للحاكم أن يفرد للنساء وقتًا مخصوصًا بهن، أو يومًا؛ لأن ذلك أستر لهن.
قوله 42 (كَالْمُفْتِي، والْمُدَرِّسِ) أي في تقديم السابق، فإن لم يعرف فالقرعة بينهم 43.
قوله: (وَأَمَرَ مُدَّعٍ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ عَنْ مُصَدِّقٍ بِالْكَلَامِ) أي: فإذا وقف الخصمان بين يديه، وعرف المدعي وهو من تجرد قوله عن مصدق، أمره بالكلام أولًا، ويأمر الآخر بالسكوت حتى ينتهي المدعي، ثم يأمره بالسكوت، ويستنطق المدعى عليه، 44.
قوله: (وَإِلَّا فَالْجَالِبْ) أي: فإن لم يتبين له المدعي من غيره، ولم يتفقا على المدعي منهما فالجالب منهما 45 يقدم؛ لأن 46 قرينة الحال تدل على صدقه.
قوله (وَإِلَّا أُقْرِعَ) أي: فإن لم يعلم الجالب من غيره، ولم يصطلحا على تقديم أحدهما أقرع بينهما، وقاله ابن شعبان 47. وقال ابن عبد الحكم: إذا لم يعرف الجالب، بدأ بأيهما شاء 48.
وفي الجواهر: إذا لم يعرف المدعي من غيره أمرهما 49 بالانصراف فمن أبى إلا المحاكمة فهو المدعي 50، وقاله أصبغ 51.
قوله (فَيَدَّعِي بِمَعْلُوَمٍ مُحَقَّقٍ، قَالَ: وَكَذَا وله شَيْءٌ، وَإِلَّا لَمْ يُسْمَعْ كَأَظُنُّ) احترز
الجزء: 5 - الصفحة: 75
بالمعلوم من المجهول وبالمحقق من المظنون كأظن، وأنا ظان، وفي ظني ونحوه، فإن ذلك لا يسمع كما قال وأحرى إذا شك.
المازري: وعندي أنه لو قال: لي عليه شيء وصورنا أن الطالب أيقن بعمارة ذمة المطلوب بشيء وجهل مبلغه، وأراد أن يجاوبه المطلوب عن ذلك؛ إما بإقرار بما ادعى به عليه من التفصيل، وذكر المبلغ، وإما بالإنكار له (1) من أصله ألزم الجواب (2). وإليه أشار بقوله: قَالَ (3) (وَكَذَا وله شَيْء) (4).
(المتن)
وَكَفَاهُ بِعْتُ، وَتَزَوَّجْتُ، وَحُمِلَ عَلَى الصَّحِيحِ؛ وَإِلَّا فَلْيَسْأَلْهُ الْحَاكِمُ عَنِ السَّبَبِ، ثُمَّ مُدَّعَى عَلَيْهِ تَرَجَّحَ قَوْلُهُ بِمَعْهُودٍ، أَوْ أَصْلٍ بِجَوَابِهِ؛ إِنْ خَالَطَهُ بِدَيْنٍ، أَوْ تَكَرُّرِ بَيْعٍ، وَإِنْ بِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ؛ لَا بِبَيّنَةٍ جُرِّحَتْ إِلَّا الصَّانِعَ، وَالْمُتَّهَمَ، والضَّيْفَ وَفِي مُعَيَّنٍ، وَالْوَدِيعَةَ عَلَى أَهْلِهَا، وَالْمُسَافِرَ عَلَى رُفْقَتِهِ، وَدَعْوَى مِرِيضٍ أَوْ بَائِعٍ عَلَى حَاضِرِ الْمُزَايَدَةِ، فَإِنْ أَقَرَّ فَلَهُ الإِشْهَادُ عَلَيهِ، وَلِلْحَاكِمِ تَنْبِيهُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَنْكَرَ قَالَ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ، فَإِنْ نَفَاهَا وَاسْتَحْلَفَهُ فَلا بَيِّنَةَ، إِلَّا لِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ، أَوْ وَجَدَ ثَانِيًا، أَوْ مَعَ يَمِينٍ لَمْ يَرَهُ الأَوَّلُ، وَلَهُ يَمِينُهُ أَنَّهُ لَمْ يُحَلِّفْهُ أَوَّلًا، قَالَ وَكَذَا أَنَّهُ عَالِمٌ بِفِسْقِ شُهُودِهِ، وَأَعْذَرَ إِلَيْهِ بِأَبَقِيَتْ لَك حُجَّةٌ؟