(حُصُولُ لَبَنِ امْرَأَةٍ ... إلى آخره) يريد أن حصول لبن المرأة في جوف الرضيع بوجور أو سعوط أو نحوهما ينشر الحرمة بين الرضيع وغيره، كما ينشرها النسب؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23]، وقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" 2 واحترز باللبن من غيره.
قال سحنون: فلو حلب منها ماء أصفر فشربه الصبي 3 لَمْ يحرم 4، واحترز بقوله: (امْرَأَة) من البهيمة، فإن لبنها لا ينشر الحرمة بين شاربيه بلا خلاف، ومثله لبن الذكر على المشهور.
وحكى ابن شعبان عن مالك أنه كره لمن أرضع صبية من ثدييه 5 أن يتزوجها 6، وفي المقدمات عن مالك أنه أنكر أن يكون للذكر لبن 7.
قوله: (وَإِنْ مَيِّتَةً) يريد أنه لا فرق في انتشار الحرمة بالرضاع بين الميتة وغيرها، فلو دب الصغير فشرب من لبنها وهي ميتة، وعلم أن فيها لبنًا نشر الحرمة، وكذلك لو1
الجزء: 3 - الصفحة: 388
حلب منها بعد موتها فوجر به الصبي فإنه ينشر الحرمة على المشهور، وهو مذهب المدونة 8، وقيل: لا ينشر الحرمة 9. ابن بشير: لأن الحرمة لا تقع بغير المباح 10. قوله: (وَصَغِيرَةً) لا خلاف أن التحريم يقع بلبنها إذا كانت في سن من تحيض قاله ابن بشير، وحكى في التي نقصت عن سن المحيض هو وابن شاس 11 وغيرهما قولين، وهو ظاهر كلام اللخمي؛ لأنه حمل قوله في المدونة 12: وإذا درت بكر لا زوج لها لبنًا فأرضعت به صبيًّا فهي له أم على الخلاف لقول ابن الجلاب: وإذا حدث للصبية الصغيرة 13 التي لا يوطأ مثلها لبن فرضعها 14 صبي لَمْ يقع به حرمة 15. وظاهر كلام ابن يونس 16 أيضًا حملها على الخلاف، ولا يبعد حملها على الوفاق، ويكون معنى ما في المدونة: إذا كانت في سن من توطأ 17. قوله: (بِوَجُورٍ أَوْ سَعُوطٍ أَوْ حُقْنَةٍ) يكون عمد 18 الوجور بفتح الواو ما يدخل في 19 وسط الفم، وقيل: ما صب في 20 وسط الحلق، والسعوط بالفتح أيضًا 21 هو ما صب في 22 الأنف، ومعنى كلامه أنه لا فرق في انتشار الحرمة بين الرضاع وبين أحد هذه الأمور الثلاثة، ولا إشكال في الوجور أنه ينشر الحرمة، وسواء كان قليلًا أو كثيرًا
الجزء: 3 - الصفحة: 389
كالرضاع، وأما السعوط فمذهب المدونة أنه يحرم إن وصل إلى الجوف 23. ولمالك في الواضحة أنه 24 يحرم مطلقًا، وفي المدونة عن عطاء: 25 لا يحرم مطلقًا 26. اللخمي: وقول مالك أحسن؛ لأنه 27 منفذ متسع يصل منه قدر المصة 28. وقال ابن يونس: قول ابن القاسم أصح؛ لأن الاعتبار في الرضاع بما 29 يقع به الاغتذاء وهو إذا لَمْ يصل إلى 30 الجوف كان وصوله 31 إلى الدماغ كجريانه 32 على ظاهر الجسد 33. قال: وكذا أطلق ابن حبيب التحريم بالحقنة، وعلق ابن القاسم الجواب فيها بوصول اللبن إلى الجوف حتى يكون غذاء له 34، وقول ابن القاسم أصح لما قدمناه، وإلى قول ابن القاسم في الحقنة وما قبلها أشار بقوله: (تَكُونُ غِذَاءً)، وفي الحقنة قولان آخران 35 بالتحريم وعدمه.
قوله: (أَوْ خُلِطَ لا غُلِبَ) أي: أنه لا فرق في التحريم بين كون اللبن مخلوطًا أو صرفًا 36، اللَّهم إلَّا أن يكون مغلوبًا، فلا يحرم قاله ابن القاسم، وقال مطرف وأشهب وعبد الملك: يحرم 37، واختاره 38 اللخمي 39.
الجزء: 3 - الصفحة: 390
قوله: (وَلَا كَماءٍ أَصْفَرَ وَبَهِيمَةٍ) هو واضح مما تقدم.
قوله: (وَاكْتِحَالِ بِهِ مُحَرِّم 40) أي: باللبن، وهذا مذهب ابن القاسم؛ لأنه لا يكون منه غذاء، وقد دخل من غير مدخل الطعام والشراب، فلا ينشر الحرمة حتى يكون عنه 41 غذاء.
قوله: (محرم) هو خبر عن قوله: (حصول 42 لبن امرأة) أي: في جوف رضيع كما سبق.
قوله: (إِنْ حَصَلَ فِي الحَوْلَيْنِ أَوْ 43 بِزَيادَةِ الشَّهْرَيْنِ) يعني أن 44 الرضاع المحرَّم شرطه أن يكون قد حصل في الحولين أو ما 45 قرب منهما بكالشهر والشهرين 46، وهو مستمر الرضاع أو بعد يومين من فصاله، وهذا هو المشهور، وبه قال في المدونة 47. وعن مالك اعتبار الحولين من غير زيادة عليهما، وذهب سحنون إلى أن 48 ما قرب من 49 الحولن كنقصان الشهر 50 حكمه حكمهما، وفي المختصر الأيام اليسيرة 51.
وقال ابن القصار: يحرم بمثل الشهر 52.
وعن مالك: لا يزاد على الشهر ونحوه 53، وعنه: ثلاثة أشهر 54.
الجزء: 3 - الصفحة: 391
قوله: (إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ وَلَوْ فِيهِمَا 55) أي: 56 فلا ينشر الحرمة بعد ذلك ما رضع، ولا إشكال فيه إذا فصل بعد الحولين واستغنى 57، وكذا 58 إن استغنى في الحولين بمدة بعيدة؛ فإن كانت مدة قريبة فالمشهور وهو مذهب المدونة 59 أنه لا يحرم.
وقال مطرف وعبد الملك وأصبغ: يحرم إلى تمام الحولين 60، وإلى المشهور أشار بقوله: (ولو فيهما) أي: في الحولين.
قوله: (مَا حَرَّمَهُ النَّسَبُ) أي أن الرضاع يحرم ما حرمه النسب؛ لقوله - عَلَيْهِ السَّلَام -: "يحرم من الرضاع ما يحرم من 61 النسب" 62. والرضاعة تحرم ما تحرم الولادة، فكما تحرم بالنسب الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الإخوة وبنات 63 الأخوات، كذلك يحرم بالرضاع؛ لكن استثنى العلماء من عموم قوله - عَلَيْهِ السَّلَام -: "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" ست مسائل أشار إليها 64 بقوله: (إِلَّا أُمَّ أَخِيكَ أَوْ أُخْتِكَ) أي: لأنَّها إما أمك نسبًا، أو زوجة أبيك، وكلاهما حرام عليك، ولو أرضعت أجنبية أخاك أو أختك لَمْ تحرم عليك.
قوله: (وَأُمَّ وَلَدِ وَلَدِكَ 65) أي: لأنَّها إما بنتك نسبًا، أو زوجة ابنك، وكلاهما حرام عليك، ولو أرضعت امرأةٌ ولد 66 ولدك لَمْ تحرم عليك.
قوله: (وَجَدَّة وَلَدِكَ) أي: لأنَّها إما أمك نسبًا أو أم زوجتك، وكلاهما حرامٌ عليك،
الجزء: 3 - الصفحة: 392
وفي الرضاع قد لا يكون أمًّا ولا أم (1) زوجة، كما إذا أرضعت أجنبية ولدك.
قوله: (وَأُخْتَ وَلَدِكَ) يريد لأنَّها إما بنتك نسبًا وإما ربيبتك، وكلاهما حرامٌ عليك، ولو أرضعت أجنبية ولدك فبنتها أخت ولدك، وهي لا تحرم عليك.
قوله: (وَأُمَّ عَمِّكَ وَعَمَّتِكَ) يريد لأنَّها (2) إما جدتك نسبًا أو (3) زوجة جدك، وكلاهما حرام عليك، ومن الرضاع لا يحرمان عليك.
قوله: (وَأُمَّ خَالِكَ وَخَالَتِكَ) هي كالتي فوقها (4)، وانظر قوله: (فَقَدْ لا يَحْرُمْنَ مِنَ الرِّضَاعِ) لَمْ أدخل قد هنا ولم يحرم (5) بقوله (فلا يحرمن (6) من الرضاع)، ولعله يشير به (7) إلى قول بعض الأشياخ: إن الحديث باق على عمومه، ولا يخص بالمسائل المذكورة، وبيانه أن كلّ مسألة منها مقدرة بتقديرين من جهة النسب ومن جهة الصهر؛ فجهة النسب مساوية لجهة الرضاع في الحرمة، وإنما حلت فيها (8) المرأة نظرًا إلى الجهة الأخرى، فاعلمه.
(المتن)
وَقُدِّرَ الطِّفْلُ خَاصَّةً وَلَدًا لِصَاحِبَةِ اللَّبَنِ، وَلِصَاحِبِهِ مِنْ وَطْئِهِ لاِنْقِطَاعِهِ وَلَوْ بَعْدَ سِنِينَ، وَاشْتَرَكَ مَعَ الْقَدِيمِ، وَلَوْ بِحَرَامٍ لَا يَلْحَقَ الْوَلَدُ بِهِ، وَحَرُمَتْ عَلَيْهِ إِنْ أَرْضَعَتْ مَنْ كَانَ زَوْجًا لَهَا لِأَنَّهَا زَوْجَةُ ابْنِهِ كَمُرْضِعَةِ مُبَانَتِهِ، أَوْ مُرْتَضِعٍ مِنْهَا، وَإِنْ أَرْضَعَتْ زَوْجَتَيْهِ اخْتَارَ، وَإِنْ الأَخِيرَةَ، وإنْ كَانَ قَدْ بَنَى بِهَا حَرُمَ الْجَمِيعُ، وَأُدِّبَتِ الْمُتَعَمِّدَةُ لِلإِفْسَادِ.
وَفُسِخَ نِكَاحُ الْمُتَصَادِقَيْنِ عَلَيْهِ، كَقِيَامِ بَيِّنَةٍ عَلَى إِقْرَارِ أَحَدِهِمَا قَبْلَ الْعَقْدِ، وَلَهَا الْمُسَمَّى بِالدُّخُولِ، إِلَّا أنْ تَعْلَمَ فَقَطْ، فَكَالْغَارَّةِ.
وَإِنِ ادَّعَاهُ فَأَنْكَرَتْ: أُخِذَ بِإِقْرَارِهِ، وَلَهَا النِّصْفُ، وَإِنِ ادَّعَتْهُ فَأَنْكَرَ لَمْ يَنْدَفِعْ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى طَلَبِ الْمَهْرِ قَبْلَهُ.