(الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ لِلظُّهْرِ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ لآخِرِ الْقَامَةِ) الوقت: مأخوذ من التوقيت 1 وهو التحديد، ويسمى 2 الزمان وقتًا لتحديده.
وزوال الشمس: ميلها.
ولما كان الوقت ينقسم إلى: اختياري، وضروري، ومضاء شرع في بيانها.
وبدأ منها بالمختار وهو: الموسع 3، فقال: إنه للظهر من زوال الشمس إلى آخر 4 القامة، ويعرف الزوال بأن يقام عود مستقيم، فإذا تناهى 5 الظل في النقصان وأخذ في الازدياد 6 فهو وقت الزوال، فإذا تمادى ذلك إلى أن صار ظل القائم مثله فهو آخر الوقت.
قوله: (بِغَيْرِ ظِلِّ الزَّوَالِ) يريد أن الظل الذي زالت عليه الشممس لا اعتداد 7 به في القامة، بل يعتبر ظله مفردًا عن الزيادة.
قوله: (وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ لِلاصْفِرَارِ 8) يريد ان آخر وقت الظهر بعينه هو أول
الجزء: 1 - الصفحة: 218
وقت العصر، ولا يزال ممتدًا إلى اصفرار الشمس، وهو مذهب المدونة 9، وروي إلى قامتين.
قوله: (وَاشْتَرَكَا بِقَدْرِ إحْدَاهُمَا) يريد أن الظهر والعصر يشتركان في القدر الذي تؤدى فيه أحدهما 10 لأنه لما كان آخر هذه بعينه هو أول هذه، لزم اشتراكهما في ذلك القدر وهو المشهور.
وقال ابن حبيب: لا اشتراك.
ورأى أن العصر لا يدخل وقتها حتى يخرج وقت الظهر، وإليه 11 ذهب أبو محمد 12 واختاره اللخمي 13، وهو خلاف قول 14 مالك 15، وإذا فرعنا على الأول، فهل يقع الاشتراك في آخر القامة الأولى بما يسع إحداهما، وشهره سند وغيره واختاره التونسي 16، أو في أول القامة الثانية، وشهره ابن عطاء الله وابن راشد 17. وإلى هذا أشار بقوله: (وَهَلْ فِي آخِرِ الْقَامَةِ الأُولَى، أَوْ أَوَّلِ 18 الثانِيَةِ؟ خِلافٌ) ورأى 19 ابن القصار اختصاص الظهر بمقدار أربع ركعات بعد الزوال، واختصاص العصر بمقدار ذلك قبل الغروب 20، وبشتركان فيما بين ذلك 21.
الجزء: 1 - الصفحة: 219
قوله: (وَللْمَغْرِبِ 22 غُرُوبُ الشَّمْسِ): يقدر بفعلها 23 بعد 24 شر وقها 25؛ يعني 26: والمختار للمغرب يدخل بغروب الشمس، وليس لها إلا وقت واحد كما 27 قال في الاستذكار وهو المشهور 28.
وفي التلقين: يقدر آخره 29 بالفراغ منها 30 في حق كل مكلف 31، وكذا 32 قال ابن رشد: ظاهر المذهب أنه قدر ما توقع 33 فيه بعد الأذان والإقامة.
وقال صاحب الإرشاد: يراعى مقدار فعلها بعد تحصيل شروطها 34.
وقال ابن عطاء الله: معنى الاتحاد -والله أعلم- بعد قدر ما يتوضأ فيه ويؤذن ويقيم 35 والله أعلم 36، وإليه أشار بقوله: (يُقَدَّرُ بِفِعْلِهَا 37 بَعْدَ شُرُوطِها) وروي عن مالك أنه ممتد إلى مغيب الشفق 38؛ وهو أول 39 زوال الحمرة الباقية من
الجزء: 1 - الصفحة: 220
بقايا شعاع الشمس.
قوله: (وَللْعِشَاءِ مِنْ غُرُوبِ حُمْرَةِ الشَّفَقِ لِلثُّلثِ الأَولِ) أي: والمختار للعشاء من غروب الحمرة 40 الباقية بعد الشمس ممتدًا إلى ثلث الليل الأول وهو المشهور.
وقال ابن حبيب: النصف 41، وحكى صاحب المختار 42 عن ابن وهب أن وقتها من حين يغيب الشفق إلى طلوع الفجر.
وروي عن مالك أنه ممتد إلى مغيب الشفق؛ وهو زوال الحمرة الباقية من بقايا شعاع الشمس 43.
قوله: (وَلِلصُّبْحِ مِنْ الْفَجْرِ الصَّادِقِ لِلإِسْفَار الأَعْلَى) يريد: والمختار 44 للصبح من حين يطلع الفجر الصادق ممتدًا إلى الإسفار الأعلى، وهذا هو المشهور وهو مذهب المدونة 45. وقال ابن حبيب: هو 46 ممتد إلى طلوع الشمس ولا ضروري لها 47، وهو الذي صدر به ابن الحاجب 48، وهو الصحيح عند القاضي أبي بكر 49.
واحترز بالصادق وهو المنتشر 50 من الكاذب الذي يطلع كذنب السرحان، فإنه لا يترتب 51 عليه شيء من الأحكام، واحترز بالأعك، أي: البين مما قبل ذلك.
قوله: (وَهِيَ الْوُسْطَى) أي: الصحيح 52 هذا هو المذهب.
وقيل: هي العصر، وهو الصحيح للأحاديث، وما من صلاة من الخمس إلا وقيل: هي الوسطى، وقيل: هي صلاة
الجزء: 1 - الصفحة: 221
العصر والصبح، وقيل: الجمعة، وقيل: الوتر 53، وقيل: هي الخمس صلوات 54.
قوله: (وَإِنْ مَاتَ وَسَطَ الْوَقْتِ بِلا أَدَاءٍ لَمْ يَعْصِ إلا أَنْ يَظُن الْمَوْتَ 55) يعني: أن المكلف إذا أخر الصلاة مع ظن السلامة فمات فجأة 56 في الوقت الموسع 57 من غير أن يؤدي الصلاة، فإنه لا 58 يعصي وهذا هو التحقيق 59، وأما إذا ظن أنه يموت قبل الفعل لو لم 60 يشتغل به 61 فإنه يعصي بتركه اتفاقًا.
قوله: (وَالأَفْضَلُ لِفَذٍّ تَقدِيمُهَا مُطْلَقًا) يعني: أن تقديم 62 الصلاة في أول وقتها أفضل للفذ على الإطلاق؛ أي 63: ظهرًا كانت أو غيرها؛ لقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: "أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا" 64، وحكى القاضي عبد الوهاب أن حكمه حكم الجماعة 65، وألحق اللخمي بالفذ الجماعة التي لا تنتظر غيرها 66، كأهل
الجزء: 1 - الصفحة: 222
الزوايا والرُبُط والترب 67 ونحوهم.
قوله: (وَعَلَى جَمَاعَةٍ آخِرَهُ) يعني: وصلاته منفردًا أول الوقت تفضل على صلاته في جماعة آخره، لما ورد في أفضلية الصلاة في أول الوقت، وأن أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله.
قوله: (وَللْجَمَاعَةِ تَقْدِيمُ غَيْرِ الظُّهْرِ وَتَأْخِيرُهَا لِرُبْعِ الْقَامَةِ، ويُزَادُ لِشِدَّةِ الحَرِّ، وفيها: نُدِبَ تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ قَلِيلًا) أي 68: والأفضل للجماعة تقديم ما عدا صلاة الظهر من سائر الصلوات كالعصر والمغرب والعشاء والصبح والجمعة، وأما الظهر فتأخيرها إلى ربع القامة أفضل، ولا خلاف فيما ذكر 69 بالنسبة إلى المغرب، وأما العصر فالمذهب فيها ما ذكره الباجي، وهو قول الجمهور من أصحابنا 70. وفي النوادر عن أشهب: أحب إلينا أن يزاد على ذلك ذراع لاسيما في شدة الحر 71. وما ذكره بالنسبة إلى العشاء الآخرة 72 فنحوه عن مالك من رواية ابن القاسم.
وفي المدونة: أحب إلي للقبائل 73 تأخير ها بعد مغيب الشفق قليلًا 74. وروى العراقيون أن تأخيرها أفضل 75، ونقل ذلك عن ابن حبيب في الشتاء وفي رمضان 76. وقال اللخمي: ذلك إن تأخروا 77. ابن عبد السلام 78: وهو أكثر نصوص أهل 79
الجزء: 1 - الصفحة: 223
المذهب، وما (1) ذكره بالنسبة إلى الصبح فهو قول الجمهور.
وقال ابن حبيب: يؤخر إلى نصف الوقت في الصيف لقصر الليل (2). وظاهر كلامه أن الظهر لا تؤخر عن ربع القامة، ولو في شدة الحر وهو مذهب الكتاب (3). وفي الطراز (4) عن أشهب التأخير إلى ذراعين (5).
(المتن)
وَإِنْ شَكَّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ لَمْ تُجْزِ وَلَوْ وَقَعَتْ فِيهِ وَالضَّرُورِيُّ بَعْدَ الْمُخْتَارِ لِلطُّلُوعِ فِي الصُّبْحِ وَلِلْغُرُوب فِي الظُّهْرَيْنِ وَلِلْفَجْرِ فِي الْعِشَائَيْنِ، وَتُدْرَكُ فِيهِ الصُّبْحُ بِرَكْعَةٍ لَا أقَلَّ، وَالْكُلَ أَدَاءٌ وَالظُّهْرَانِ وَالْعِشَاءَانِ بِفَضْلِ رَكْعَةٍ عَنِ الأُولَى، لَا الأخِيرَةِ كَحَاضِرٍ سَافَرَ، وَقَادِمٍ.
وَأَثِمَ إِلَّا لِعُذْرٍ بِكُفْرٍ، وَإِنْ بِرِدَّةٍ، وَصِبًا، وَإِغْمَاءٍ، وَجُنوُنٍ، وَنَوْمٍ، وَغَفْلَةٍ، كَحَيْضٍ، لَا سُكْرٍ.