قوله: (ومَضَى صَدَاقُهُمُ الْفَاسِدُ، أَوِ الإِسْقَاطُ إِنْ قُبِضَ، ودَخَلَ) نبه -رحمة الله- على أن الكافرين تارة يدخلان على صداق فاسد كالخمر والخنزير ونحوهما، وتارة على إسقاط الصداق، فأما إذا دخلا على الإسقاط فإن النكاح يمضي إذا دخل بها قبل الإسلام، ولها صداق المثل، وهو قول ابن القاسم، واختاره ابن أبي زيد 2، واللخمي 3، وقال ابن المواز: لا شيء لها 4، عياض: وهو الصحيح، وقال ابن يونس: هو ظاهر المدونة 5، وكلام الشيخ محتمل لهما، وإن أسلما قبل الدخول، فلا يدخل بها حتى تقبض مهر مثلها، ولا يجبر عليه الزوج، وبه صرح اللخمي 6، وهو مستفاد من قوله هنا: (وَإِلا فَكَالتَّفْوِيضِ)، وأما إذا دخلا على الصداق الفاسد فإن قبضت المرأة الصداق، ودخل بها الزوج قبل الإسلام مضى النكاح، لأنها مكنت 7 من نفسها، وقبضت العوض في وقت يسوغ لها أخذه، وإن لم تقبض ولم يدخل، فمذهب المدونة: إن شاء دفع صداق1
الجزء: 2 - الصفحة: 641
المثل، أو فارق، وتكون مطلقته 8، ويصير كنكاح التفويض، وإن قبضته ولم يدخل، فالمشهور وهو مذهب المدونة: أنه مخير كالذي 9 قبله 10، ولابن القاسم وابن الماجشون: لا شيء لها، وقاله الغير 11 في المدونة، وقال أشهب: يجب لها ربع دينار، فإن لم يعطها ذلك فسخ، وقال ابن عبد الحكم: القياس أن يكون لها ثمن الخمر والخنزير 12، كمن 13 تزوج بثمرة لم يبد صلاحها، وإن دخل بها ولم تقبضه 14، ففي المدونة لها صداق المثل 15، وإلى الأوجه الثلاثة، والوجه الذي قدمناه آنفًا 16 في مسألة الإسقاط أشار بقوله: (وإِلا فَكَالتَّفْوِيضِ) وقد مر بيانه.
قوله: (وهَلْ إِنِ اسْتَحَلُّوهُ تَأْوِيلانِ) يشير إلى أنه اختلف في قوله في المدونة: وهم يستحلونه 17 في دينهم 18، هل هو 19 وصف طردي لم يذكره على سبيل الشرط؛ لأنه لا يوجد كافر إلا وهو مستحل لذلك، وهو رأي بعضهم، ورأى 20 غيره أنه 21 شرط مقصود من ابن القاسم، فقال 22: يريد أنهم لو دخلوا عليه وهم لا يستحلونه فلم يدخلوا على النكاح، وإنما دخلوا على الزنا، فلا يثبت ذلك العقد بعد الإسلام إلا أن
الجزء: 2 - الصفحة: 642
يكونوا قد تمادوا عليه بعد الإسلام على وجه النكاح، وقيل: إنما ذكره ابن القاسم تنبيهًا بالأخف على الأشد؛ لئلا يتوهم الصحة إذا كانوا يستحلونه فبين أنه لا فرق.
قوله: (واخْتَارَ الَمُسْلِمُ أَرْبَعًا وإِنْ أَوَاخِرَ) يريد: أن المجوسي إذا أسلم، وتحته أكثر من أربع نسوة فأسلمن معه، أو كن كتابيات فإنه يختار منهن أربعًا، وإن كن أواخر، وخرج بعضهم لأشهب مثل قول أبي حنيفة: أن الأوائل تتعين، وليس له أن يختار غيرهن 23.
قوله: (وَإحْدَى 24 أُخْتَيْنِ) أي: فإن أسلم على أختين فإنه يختار منهما واحدة، ويفارق الأخرى، وسواء دخل بهما، أو بإحداهما، أو لم يدخل، وسواء أيضًا جمعهما في عقد، أو في عقدين، وإلى هذا أشار بقوله: (مُطْلَقًا)، وحكي عن 25 ابن الماجشون: أنه إذا أسلم على أختين ينفسخ نكاحهما جميعًا 26، وهو ضعيف؛ لما خرج الترمذي: أن فيروز الديلمي أسلم على أختين، فأمره عليه السلام أن يختار واحدة 27، وحكم المرأة وعمتها وخالتها 28 ونحوهما على المشهور حكم الأختين، فإذا أسلم عليهما اختار منهما واحدة.
قوله: (وَأُمًّا، وابْنَتَهَا لَمْ يَمَسَّهُما) أي: فإن أسلم على أم، وابنتها ولم يمسهما، فإنه يختار منهما 29 واحدة سواء جمعهما في عقدين، أو عقد 30، ولهذا جعل شرط 31 الاختيار عدم المسيس لا غير، وقال أشهب: تتعين البنت 32.
الجزء: 2 - الصفحة: 643
قوله: (وَإِنْ مَسَّهُمَا حَرُمَتَا) أي: فإن دخل بهما معًا حرمتا عليه، وهو ظاهر إن كانتا 33 في عقدين، وقلنا بصحة أنكحتهم، كما لو وقع ذلك من مسلم، وإن لم نقل بصحتهما 34 فهو وطء بشبهة، وقد علمت أنه ينشر الحرمة.
قوله: (وَإِحْدَاهُمَا تَعَيَّنَتْ) أي: فإن دخل بإحداهما تعينت، وهو ظاهر، لكن إن دخل بالبنت تعينت بلا خلاف أعلمه منصوصًا في المذهب، وإن دخل بالأم تعينت على مذهب المدونة 35، ولمالك وأشهب: أنهما يندفعان 36، بمعنى: أن كل واحدة تحرم الأخرى، فبالعقد على البنت تحرم الأم، وبوطء الأم تحرم البنت.
قوله: (ولا يَتَزَوَّجُ ابْنُهُ، أَوْ أَبُوهُ مَنْ فَارَقَهَا) يريد: أنه إذا فارق البنت، أو الأم؛ لاختيار الأخرى، أو لتعيين الأخرى 37، أو فارقهما معًا حيث لا يجوز له اختيار واحدة 38؛ فإن حرمة المصاهرة تنشر بين ابنه وأبيه، وبين من فارقها، فلا يتزوج واحدة منهما، بل تحرم عليه، وهو مذهب المدونة عند ابن يونس 39، وعياض.
وحملها غيرهما على الكراهة؛ لقوله: لا يعجبني 40، وفي كتاب محمد: أنها لا تحرم عليه بعقد الشرك 41.
قوله: (واخْتَارَ بِطَلاقٍ، أَوْ ظِهَارٍ، أَوْ إِيلاءِ، أَوْ وَطْءٍ) يريد: أن المعتبر في خيار 42 من يختارها لا يشترط فيه أن يقول: اخترت فلانة، أو فارقتها بل يكفي في ذلك مطلق الدلالة، ولا شك أن الطلاق، والظهار، والإيلاء من الدلائل القولية، والوطء من الدلائل الفعلية، فإذا طلق واحدة فقد اختارها؛ لأن الطلاق لا يكون إلا في زوجة،
الجزء: 2 - الصفحة: 644
فاختياره للطلاق اختيار للازمه 43، وقريب منه إذا ظاهر منها؛ لأن الظهار تشبيه من يجوز وطؤها بمن تحرم 44، ولا يكون 45 حلالًا بعد إسلامه إلا باختياره 46، وأما الإيلاء فهو وإن كان يصح في الأجنبية، فالعرف أنه لا يكون إلا في زوجة 47، والمعتبر في الدلائل العرف، وأما الوطء فلا شك في دلالته على اختيار الموطوءة.
قوله: (والْغَيْرَ إِنْ فَسَخَ نِكَاحَهَا) أي: واختيار غير من فسخ نكاحها، ومراده: أنه إذا قال: فسخت نكاح فلانة، فليس له اختيارها بعد، وإنما هو مخير فيمن عداها 48.
قوله: (أَوْ ظَهَرَ أَنَّهُنَّ أَخَوَاتٌ مَا لَمْ يَتَزَوَّجْنَ) أي: وكذلك له أن يختار من البواقي إذا طهر أن الأربع اللاتي اختارهن أخوات بشرط عدم تزويج غيرهن 49، فإن تزوجن فات اختياره وهو قول ابن القاسم، وقال ابن عبد الحكم: لا يفوت اختياره 50 بتزويجهن 51.
قوله: (ولا شَيْءَ لِغَيْرِهِنَّ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهِ) الضمير في (غيرهن) عائد على من اختارهن، وفي (به) عائد على الغير، والمعنَى: ولا صداق لغير من اختار إن لم يكن دخل بذلك الغير؛ لأنه مغلوب على الفسخ قبل البناء، وهو ظاهر المدونة.
وقال محمد: يكون لكل واحدةٍ من المتروكات 52 خمس صداقها إذا كن 53 الجميع عشرًا، وقال ابن حبيب: لكل واحدة نصف صداقها 54.
قوله: (كَاخْتِيَارِهِ وَاحِدَةً مِنْ أَرْبَع رَضِيعَاتٍ تَزَوَّجَهُنَّ 55، وأَرْضَعَتْهُنَّ امْرَأَةٌ) يريد:
الجزء: 2 - الصفحة: 645
أن حكم من تزوج أربع رضيعات أرضعتهن امرأة، ثم أسلم حكم من تزوج عشر نسوة، ثم أسلم عليهن، والمشهور: أنه يختار واحدة، ويترك الثلاث البواقي.
وقال ابن الكاتب، وابن بكير: إن أرضعت المرأة واحدة بعد واحدة فليس له أن يختار واحدة (1)، وهو بمنزلة الأختين يتزوجهما في عقد واحد، وإذا فسخ ذلك مع ترتب الرضاع فمن باب الأولى إذا أرضعتهن مجتمعات (2).
(المتن)
وَعَلَيْهِ أَرْبَعُ صَدَقَاتٍ إِنْ مَاتَ وَلَمْ يَخْتَرْ، وَلا إِرْثَ إِنْ تَخَلَّفَ أَرْبَعُ كِتَابِيَّاتٍ عَنِ الإسْلامِ أوِ الْتَبَسَتِ الْمُطَلَّقَةُ مِنْ مُسْلِمَةٍ أَوْ كِتَابِيَّةٍ، لا إِنْ طَلَّقَ إحْدَى زَوْجَتَيهِ وَجُهِلَتْ، وَدَخَلَ بِإِحْدَاهُمَا وَلَمْ تَنْقَضِ الْعِدَّةُ، فَلِلْمَدْخُولِ بِهَا الصَّدَاقُ؛ وَثَلاثَةُ أَرْبَاعِ الْمِيرَاثِ، وَلِغَيْرِهَا رُبُعُهُ وَثَلاثَةُ أَرْبَاعِ الصَّدَاقِ.