هذا معنى ما قاله صاحب التلقين أن كل حق جازت فيه النيابة جازت فيه الوكالة 1، ونحوها 2 قول اللخمي: الوكالة جائزة في الحقوق التي تصح النيابة فيها كالبيع والشراء والإجارة والجعالة واقتضاء الديون 3 وقضائها وعقد النكاح والطلاق وإقامة الحدود وبعض القرب 4، ومراده أن ما لا يقبل النيابة لا تصح فيه الوكالة كالعبادات البدنية كالصوم والصلاة ونحوهما.
قوله: (مِنْ عَقْدٍ وَفَسْخٍ، وَقَبْضِ حَقٍّ وَعقُوبَةٍ، وَحوَالَةٍ) هذا 5 بيان لما تصح فيه النيابة، وشمل قوله: (مِن عَقْدٍ) عقد البيع والشراء والإجارة والجعالة والنكاح والطلاق، ومراده بالفسخ أنه يجوز له 6 أن يوكل من يفسخ عنه ما يجوز له فسخه من العقود، مثل قبض الحق وقضاؤه 7، ودخل في العقوبة الحدود والتعزيرات،
الجزء: 4 - الصفحة: 278
ويجوز له 8 أن يوكل من يحيل غريمه على مدينه أو يأخذ له حميلًا أو يتحمل عنه في حق وجب عليه.
قوله: (وإبْرَاءٍ وإنْ جَهِلَهُ الثَّلاثَةُ) أي وكذا يجوز أن يوكل في الإبراء عنه من دين له، ولو جهله الثلاثة، الوكيل والموكل، ومن عليه الدين؛ لأنه هبة، وهبة المجهول عندنا جائزة.
قوله: (وَحَجٍّ) أي وكذا تجوز الوكالة في الحج، وفيه خلاف تقدم.
قوله: (وَوَاحِدٍ في خُصُومَةٍ، وَإِنْ كَرِه خَصْمُهُ) أي: فلا يجوز توكيل اثنين فأكثر 9 في خصومة، بلا خلاف، وله أن يوكل قبل الشروع في الخصومة، وإن كره خصمه ذلك، ويدل على هذا قوله: (لا إِنْ قَاعَدَ خَصْمَهُ كَثَلاثٍ، إِلا لِعُذْر) أي: فليس له حينئذ توكيل غيره ولا عزله 10، قال في المقدمات: ليس له عزله إذا قاعد خصمه المرتين والثلاث إلا من عذر، وهذا هو المشهور في المذهب 11، وفي التبصرة والجواهر: إذا شرع في الخصومة ليس له عزله 12.
قوله: (وَحَلَفَ في كَسَفَرٍ) يريد: أن الخصم 13 إذا قاعد خصمه ثلاث مرات ثم أراد أن يسافر فإنه يحلف ما قصد السفر ليوكل 14، وإن نكل فليس له توكيل حينئذ 15 إلا برضى خصمه، وقال ابن الفخار: ليس عليه يمين.
قوله: (وَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ عَزْلُهُ، وَلا لَهُ عزْلَ نَفْسِهِ) أي: وليس للموكل عزل وكيله بعد ثلاث كما تقدم.
ابن رشد: إذا لم يكن له عزله فليس له هو 16 عزل نفسه 17، وهو الأصح، وعلى
الجزء: 4 - الصفحة: 279
قول أصبغ له عزل نفسه 18 ما لم يشرف على الخصومة 19، أو ما 20 لم يشرف على حجته.
قوله: (وَلا الإِقْرَارُ، إِنْ لَمْ يُفوِّضْ لَهُ، أَوْ يَجْعَلْ لَهُ) أي: وليس للوكيل الإقرار على موكله وهو متفق عليه إن نهاه عن ذلك وهذا هو المعروف إن أطلق الوكالة ولم 21 يجعل له ذلك ولا فوض إليه فيه، ولو أقر لم يلزمه، وقيل: يلزمه، وعلى الأول فقال ابن العطار وغيره: إن من حق الخصم ألا يخاصم الوكيل حتى يجعل له الإقرار 22، وإليه أشار بقوله (وَلخصْمِهِ اضْطِرَارُهُ إِلَيْهِ) أي: اضطرار الوكيل إلى الإقرار، واختلف أصحاب الشافعي إذا قال لوكيله: أقر عني لفلان 23 بألف هل يكون إقرارا بالألف لفلان أم لا؟ ، واختار المازري انه اقرار 24، وإليه أشار بقوله: (وَإِنْ قَالَ أَقِرَّ عَنِّي لفلان بِألْفٍ، فَإِقْرَارٌ).
قوله 25: (لا في كَيَمِينٍ) أي: فلا يجوز له أن يوكل على يمينٍ 26 من يحلف عنه؛ لأن اليمين لا تقبل النيابة؛ لأنها من الأعمال البدنية، ومثل ذلك الإيلاء واللعان.
قوله 27: (وَمَعْصِيَةٍ) أي: وكذا لا يجوز أن يوكل في المعصية كالسرقة والغصب والقتل العدوان 28 وغير ذلك.
قوله 29: (كَظِهَارٍ) أي: فلا يجوز له أيضا أن يوكل من يظاهر عنه؛ لأنه يمين منكر من القول وزور، ولهذا جعله من المعاصي، ولم يكتف بذكر اليمين.
الجزء: 4 - الصفحة: 280
(المتن)
بِمَا يَدُلُّ عُرْفًا، لا بِمُجَرَّدِ وَكَّلْتُكَ، بَلْ حَتى يُفَوِّضَ فَيَمْضِي النَّظَرُ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ وَغَيْرُ نَظَرِ، إِلَّا الطَّلاقَ، وِإنْكَاحَ بِكْرِهِ، وَبَيْعَ دَارِ سُكْنَاهُ، وَعَبْدِهِ، أَوْ يُعَيِّنَ بِنَصٍّ، أَوْ قَرِينَةٍ.
وَتَخَصَّصَ وَتَقَيَّدَ بِالْعُرْفِ، فَلا يَعْدُهُ إِلَّا عَلَى بَيْعٍ، فَلَهُ طَلَبُ الثَّمَنِ وَقَبْضُهُ أَوِ اشْتِرَاءٍ فَلَهُ قَبْضُ الْمَبِيعِ وَرَدُّ الْمَعِيبِ، إِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ مُوَكِّلُهُ، وَطُولِبَ بِثَمَنٍ وَمُثْمَنٍ، مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْبَرَاءَةِ كَبَعَثَنِي فُلانٌ لِتَبِيعَهُ، لا لِأَشْتَرِيَ مِنْكَ، وَبِالْعُهْدَةِ مَا لَمْ يَعْلَمْ.
وَتَعَيَّنَ فِي الْمُطْلَقِ نَقْدُ الْبَلَدِ وَلائِقٌ بِهِ، إِلَّا أَنْ يُسَمِّيَ الثَّمَنَ فَتَرَدُّدٌ.