قوله: (وإنْ قَدَرَ عَلَى شَيْئهِ أَخَذَهُ) هذه مسألة الظفر، ومعناها: أن من توجه له قبل رجل حق 1 وقدر على استرجاعه، فإن له ذلك بشرطين: الأول: أن لا يكون حقه ذلك عقوبة، وإليه أشار بقوله: (إِنْ لم يَكُنْ عُقُوبَةً) أي: وأما العقوبة فلا بد فيها من الرفع للحاكم، ومثلها الحدود، ونحوها، والثاني: أن يأمن فتنة أو نسبة إلى رذيلة، وهي السرقة والغصب ونحوهما، وهو معنى قوله: (وأَمِنَ فِتْنةً وَرَذِيلَةً).
قوله: (وإنْ قَالَ أَبْرأَنِي مُوَكِّلُكَ الْغَائِبُ أُنْظِرَ في الْقَرِيبَةِ وفي الْبَعِيدَةِ يَحْلِفُ الْوَكِيلُ مَا عَلِمَ بقَبْضِ مُوَكِّلِهِ ويُقْضَى لَهُ، فَإنْ حَضَرَ الْمُوَكِّلُ حَلَفَ واسْتَمَرَّ الْقَبْضُ، وإلَّا حَلَفَ الْمَطْلُوَبُ واسْتُرْجعَ مَا أُخِذَ مِنْهُ) 2، أي: فإن ادعى وكيل رجل غائب على شخص بما لموكله 3 قبله، فقال له: قد أبرأني موكلك الغائب من ذلك، فإنه ينظر حتى يقدم الغائب.
ابن القاسم: ولا يحلف الوكيل.
ولابن كنانة: إن كان الغائب 4 قريبًا كاليومين، كتب 5 إلى الحاكم فيحلفه، وإن بعد حلف الوكيل 6 أنه لم يعلم بقبض موكله، ويقضى له، وحمل على الوفاق لابن القاسم، ولهذا قال في البيان: لا خلاف في
الجزء: 5 - الصفحة: 206
الغيبة القريبة أنه لا يقضي للوكيل إلا بعد يمين الموكل.
وقال محمد: يقضي على المطلوب وترجى له اليمين على الموكل، فإذا لقيه حلف، وإن نكل حلف المطلوب، واسترجع ما دفع.
قلت: وهو 7 قول محمد في الغيبة البعيدة، وإلا فالاتفاق منقوض، أو يكون قوله: لا خلاف بين ابن القاسم وابن كنانة.
قوله: (ومَنِ اسْتَمْهَلَ لِدَفْعِ بَيِّنةٍ، أُمهل) استمهل 8 أي: طلب المهلة حتى يأتي بما يدفع به بينة قامت عليه وطلب المدعي التنجيز 9 فإنه يمهل حتى لا تبقي له حجة، وكذلك يمهل له أيضًا 10 لإقامة البينة وشبهها مما 11 سيذكره.
قوله: (بِالاجْتِهَادِ) كذا قال غير واحد، وأنه ليس فيه حد محدود لا يتجاوز 12، وإنما هو بحسب ما يقتضيه الحال، وفي المدونة: إن ادعي شهودًا حضورًا على حقه وقف الخمسة الأيام والجمعة.
ابن عبد السلام: والمذهب عدم التحديد، وقد تقدم في الأقضية قدر مدة الإعذار والخلاف فيه 13.
قوله: (كَحِسَابٍ وشِبْهِهِ) أي: طلب التأخير لحاسب 14 بينه وبين الطالب أو غيره أو شبه ذلك مما يؤدي إلى تحقيق ما يجب عليه كالإقرار والإنكار 15.
قوله: (بِكَفِيلٍ بِالمَالِ) أي: إنما يمهل المطلوب بكفيل بما عليه من المال.
المازري: وكذا لو أقام الطالب شاهدًا وطلب المهلة 16 ليقيم عليه شاهدًا آخر، وهو معنى قوله: (كأَنْ أَرَادَ إِقَامَةَ ثَانٍ) أي: شاهد ثان.
الجزء: 5 - الصفحة: 207
قوله: (أَوْ لإِقَامَةِ بَيِّنةٍ) أي: وكذا يمهل إذا طلب ذلك لإقامة بينة 17 يدعيها أو ما أشبه ذلك، وقد تقدم 18.
قوله: (فَبِحَمِيلٍ بِالْوَجْهِ) أي: فإذا طلب المدعي من 19 غريم 20 كفيلًا حتى يقيم البينة فلا يلزمه حميل بالمال اتفاقًا، ويلزمه الحميل 21 بالوجه، وفي المدونة خلاف في ذلك؛ ففيها هذا، وفيها نفيه، واختلف هل ذلك اختلاف من القول 22 أو وفاق، وقد أشار إلى ذلك بقوله 23، (وفيها أيضًا: نفيه، وهل خلاف أو المراد وكيل يلازمه، وإن لم يعرف عينه تأويلات) 24، أي: وفي المدونة أيضًا: أنه لا يلزمه حميل، وقاله في كتاب الحمالة منها، وفي الشهادة أن ذلك يلزمه، وقال بعض الأشياخ ما في الموضعين خلاف، وقال أبو عمران: المراد بالكفيل في الشهادة الوكيل، بمعنى أنه يوكل من يلازمه ويحرسه، لأن الوكيل قد يطلق عليه كفيل، وقال ابن يونس في الحمالة، يعني: عن ابن القاسم 25 إذا لم يكن المدعَى عليه معروفًا مشهورًا فللطالب عليه كفيل بوجهه ليوقع البينة على عينه.
وأما لو كان معروفا فلا يلزمه كفيل، لأنا نسمع البينة عليه في غيبته.
قوله: (ويُجِيبُ عَنِ القُصَاصِ الْعَبْد وعن الأَرْشِ السيِدُ) أي: ويجيب العبد عن دعوى القصاص، والسيد عن دعوى الأرش، وإنما كان ذلك كذلك، لأن الذي يتكلف الجواب هو من توجهت عليه الحق، ويقع الحكم عليه، وقد علمت أن الطالب بالقصاص العبد، وما في معناه حد القذف، والمطالب بالأرش السيد، وهو واضح.
قوله: (والْيَمِينُ فِي كُلِّ الحُقوق بِاللهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُو) انظر هذا مع ما تقدم في اللعان أن اليمين فيه: أشهد بالله فقط على مذهب المدونة، وقد تقدم هناك في صفة
الجزء: 5 - الصفحة: 208
اليمين نحو من ستة أقوال، واختلف أيضا في صفتها في الأموال ونحوها، فقيل: بالله الذي لا إله إلا هو، وقيل: يزاد عالم الغيب والشهادة.
ابن رشد 26: وهو الذي جرى به العمل عندهم، وقيل: يزاد على ذلك الرحمن الرحيم، وقيل: يزاد الذي أمات وأحيا.
قوله: (وَلَوْ كِتَابِيًّا) يريد: أن الكتابي أيضا يمينه بالله الذي لا إله إلا هو، وظاهر كلام مالك 27 أن المجوسي كذلك، وقيل: لا يلزمه إلا بالله، وفي المدونة: لا يحلف الكتابي إلا بالله، فحمله ابن شبلون على ظاهرها وأنهم لا يلزمهم تمام الشهادة إذ لا يعتقدونها فلا يتكلفون إلا ما 28 يتدينون به، وقال غيره: أن اليهود يلزمهم ذلك لقولهم بالتوحيد، بخلاف النصراني، وإلى هذا أشار بقوله: (وتُؤُولَتْ أَيْضًا عَلَى أَنَّ النَّصْرَانِيَّ يَقُولُ بِاللهِ فَقَطْ) وألزمهم بعض الأشياخ جميع ذلك، سواء اعتقدوه أم لا، رضوا به أو كرهوا ذلك، ولا يعد ذلك منهم إسلاما، بعض الأشياخ: لأن ذلك حكم يجري عليهم الإمام كالحكم بينهم وبين المسلمين 29، عياض: وإليه ذهب المتقدمون من الأصحاب، والمشهور أنه لا يزاد على اليهودي الذي أنزل التوراة على موسى، ولا على النصراني الذي أنزل 30 الإنجيل على عيسى، وروى الواقدي عن مالك زيادة ذلك عليهم.
قوله: (وغُلِّظَتْ فِي رُبُعِ دِينَارٍ بِجَامِعٍ) أي: وغلظت اليمين في ربع دينار فصاعدا لا أقل من ذلك بجامع، أي: في حق المسلم، المازري: والمعروف أنه لا ينوب مناب الجامع الأعظم مسجد آخر، ولو كان مسجد جماعة وقبائل، واستقرأ 31 الباجي التحليف في سائر المساجد لما رواه سحنون 32 أن المرأة تحلف في أقرب مسجد إليها.
قوله: (كَالْكَنيسَةِ) في حق النصراني، ومثله البيعة في حق اليهودي.
الجزء: 5 - الصفحة: 209
قوله: (وبَيْتِ النَّارِ) أي: في حق المجوسي، وقاله في المدونة.
قوله: (وبِالْقِيَامِ) أي: ومما تغلظ به اليمين أيضا القيام وهو قوله في الرسالة: ويحلف قائما، وروي عن مالك مثله في كتاب محمد (1)، ابن سحنون: وسماع ابن القاسم، وعن مالك أنه يحلف جالسا.
قوله: (لا بِالاسْتِقْبَالِ) أي: فلا تغلظ به، وهو مذهب المدونة، وقال مطرف وابن الماجشون: يحلف قائما مستقبلا، وبه قال أشهب في القسامة واللعان دون غيرهما.
قوله: (وبِمِنْبَرِهِ عليه السلام) أي: وهكذا تغلظ اليمين بكونها عند منبر النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحوه في المدونة، وظاهرها أنه لا (2) يحلف في غير مسجده -صلى الله عليه وسلم- عند المنبر، وإليه أشار بقوله (فقط)، وروى ابن وهب مثله (3)، وقال مطرف وعبد الملك: يحلف أيضا في غيره عند المنبر، انظر الكبير.
(المتن)
وَخَرَجَتِ الْمُخَدَّرَةُ فِيمَا ادَّعَتْ، أَوِ ادُّعِيَ عَلَيهَا، إِلَّا الَّتِي لا تَخْرُجُ نَهَارًا، وَإِنْ مُسْتَوْلَدَةً فَلَيْلًا، وَتُحَلَّفُ فِي أَقَلَّ بِبَيتهَا وَإِنِ ادَّعَى قَضَاءً على مَيِّتٍ لَمْ يَحْلِفْ إِلَّا مَنْ يُظَنُّ بِهِ الْعِلْمُ مِنْ وَرَثَتِهِ، وَحَلَفَ فِي نَقْصٍ بَتًّا، وَغِشٍّ عِلْمًا، وَاعْتَمَدَ الْبَاتُّ على ظَنٍّ قَوِيٍّ كَخَطِّ أَبِيهِ، أَوْ قَرِينَةٍ، ويمِينُ الْمَطْلُوبِ مَا لَهُ عِنْدِي كَذَا، وَلا شَيء مِنْهُ.
وَنَفَى سَبَبًا إِنْ عُيِّنَ وَغَيْرَهُ، فَإِنْ قَضَى نَوَى سَلَفًا يَجِبُ رَدُّهُ، وَإِنْ قَالَ وَقْفٌ، أَوْ لِوَلَدِي لَمْ يُمْنَعْ مُدَّعٍ مِنْ بَيِّنَتِهِ.
وَإنْ قَالَ لِفُلانٍ، فَإِنْ حَضَرَ ادُّعِيَ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ فَلِلْمُدَّعِي تَحْلِيفُ الْمُقِرِّ، وَإنْ نكَلَ حَلَفَ المدعَي عليه وَغَرِمَ المقر قيمة مَا فَوَّتَهُ عليه، أَوْ غَابَ لَزِمَتهُ اليَمِينُ أَوْ بَيِّنَة، وَانْتَقَلَتِ الْحُكُومَةُ لَهُ، فَإِنْ نكَلَ أَخَذَهُ بِلا يَمِينٍ، وَإنْ جَاءَ الْمُقَرُّ لَهُ فَصَدَّقَ الْمُقِرَّ أَخَذَهُ وَإنِ اسْتَحْلَفَ وَلَهُ بَيِّنَةٌ حَاضِرَةٌ أَوْ كَالْجُمُعَةِ يَعْلَمُهَا لَمْ تُسْمَعْ.