قوله: (وَحَرُمَ بِهِ) أي: بالحرم قطع ما ينبت بنفسه؛ أي: ما عادته أن يطلع من غير صنع أدمي ولا معالجة.
قوله: (إِلا الإِذْخِرَ وَالسَّنَا) أي: فلا يحرم قطعهما، معناه ولا يكره لما جاء في الحديث 2.
قوله: (كَمَا يُسْتَنْبَتُ) أي: فلا يحرم قطعه أيضًا كشجر الرمان والخوخ ونحوهما1
الجزء: 2 - الصفحة: 267
والبقول والسلق والخس 3 وغير ذلك مما ينبت بالعلاج والصنعة، وأشار بقوله: (وَإِنْ لَمْ يُعَالَجْ) إلى أن ما كان عادته أن يستنبت فاتفق أنه طلع بنفسه من غير علاج فإن حكمه حكم غالبه ويجوز قطعه نظرًا إلى الجنس، وحكم العكس على العكس من ذلك.
قوله: (وَلا جَزَاءَ) أي: ويستغفر الله، قاله في المدونة 4.
قوله: (كَصَيْدِ المَدِينَةِ بَيْنَ الحِرَارِ، وَشَجَرِهَا بَرِيدًا فِي بَرِيدٍ) يعني أن صيد المدينة يحرم في حرمها كما يحرم قطع شجر حرم مكة ولا جزاء فيه، كما أنه لا جزاء في الشجر ونحوها على ما سبق، والتشبيه بين صيد 5 حرم المدينة وقطع شجر حرم مكة في تحريم الصيد وعدم الجزاء، وكذلك حكم شجر المدينة، وهو مراده 6 بقوله: (وشجرها)، والأصل في تحريم صيد المدينة وشجرها ما في الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال: "إني لأحرم ما بين لابَتَي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها" 7؛ أي: بين الحِرَار الأربع، وإليه أشار بقوله: (بين الحرار).
ابن حبيب: إنما هذا في الصيد وأما في قطع الشجر فبريد في بريد 8، وقاله غيره ونص عليه مالك أيضًا 9، وإليه أشار بقوله 10: (وَشَجَرِهَا بَرِيدًا فِي بَرِيدٍ) والمشهور ما قدمناه أن لا جزاء في صيد المدينة خلافًا لابن نافع، وعليه فيحرم أكله، وروى أشهب فيه الكراهة 11.
الجزء: 2 - الصفحة: 268
قوله: (وَالجَزَاءُ بِحُكْمِ عَدْلَيْنِ فَقِيهَيْنِ بذَلِكَ) الأصل فيه قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95].
وقوله: (فقيهين) أَي: بذلك؛ إذ 12 لا يشترط أن يكونا فقيهين بجميع أبواب الفقه.
قوله: (مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ) الضمير عائد على الصيد؛ أي: والجزاء مثل الصيد، والمراد ما قاربه في الصورة والقدر، ولهذا كان في النعامة بدنة 13 لقربها منها صورة وقدرًا، فإن لم يوجد مثله في القدر والصورة فالقدر كافٍ.
قوله: (أَوْ إِطعَامٌ) يشير إلى أن ذلك على التخيير، وهو قوله 14 تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 95].
قوله: (بقِيمَةِ الصَّيْدِ) أي أن المقوَّم هو الصيد المقتول لا عدله، فيقال: كم يساوي هذا الظبي 15 الذي وجب فيه الجزاء؟ فإذا قيل عشرة أمداد من الحنطة أعطي ذلك للفقراء.
قوله: (يَوْمَ التَّلَفِ) أي: أن القيمة إنما تعتبر يوم التلف وهو الأصح، وقيل: يوم القضاء، وقيل: الأكثر من القيمتين 16 من يوم القضاء إلى يوم الإتلاف.
قوله: (بِمَحَلِّهِ) أي: محل الإتلاف؛ يريد: إذا كان له هناك قيمة، فإن لم يكن له 17 قيمة فالمعتبر أقرب الأماكن إلى محل الإتلاف، وإليه أشار بقوله: (وَإلا فَبِقُرْبِهِ) كسائر المتلفات.
قوله: (وَلا يُجْزِئُ بِغَيْرِهِ) يعني: أنه مطلوب ابتداء بأن يخرج بمحل التقويم، فإن أخرجه في غيره فمذهب المدونة عدم الإجزاء، ومذهب الموطأ الإجزاء.
قوله: (وَلا زَائِدٌ عَلَى مُدٍّ لِمِسْكِينٍ 18) أي: لا يجزئ ذلك، وهو ظاهر الموطأ 19
الجزء: 2 - الصفحة: 269
والمدونة 20.
قوله: (قَالَ 21 إِلا أَنْ يُسَاوِيَ سِعْرَهُ فتَأْوِيلانِ) 22 قال محمد: إن أصاب الصيد بمصر فأطعم في المدينة أجزأه بخلاف العكس 23، واختلف هل هو تفسير أو خلاف؛ وإليه أشار بقوله: (إِلا أَنْ يُسَاوِيَ سِعْرَهُ فتَأْوِيلانِ) وقال أصبغ: يجزئ حيث شاء إذا أخرج 24 على سعر البلد المحكوم فيه 25.
قوله: (أوْ لِكُلِّ مُدٍّ صَوْمُ يَوْمٍ وَكَمَّلَ لِكَسْرِهِ) هكذا قال في المدونة: وإنما وجب في كسر المد يوم 26؛ لأنه لا يمكن إلغاؤه، ولا يتبعض الصوم فلم يبقَ إلا جبره بالإكمال كالأيمان في القسامة.
قوله: (فَالنَّعَامَةُ بَدَنَةٌ) هذا مما لا إشكال فيه؛ لأن البدنة تقارب النعامة في القدر والصورة، وتقدير كلامه فالنعامة فيها 27 بدنة أو نظيرتها بدنة، أو ففي النعامة بدنة.
قوله: (وَالْفِيلُ بِذَاتِ سَنَامَيْنِ) أي: وكذلك في الفيل بدنة ذات سنامين وهي البدنة الخراسانية، وقيل: قيمته طعامًا لغلاء عظامه ولا ينظر إلى شبع لحمه.
قوله: (وَحِمَارُ الْوَحْشِ وَبَقَرُهُ بَقَرَةٌ) أي: وفي كل من حمار الوحش وبقرة الوحش بقرة.
ابن شاس: وكذلك في الإبل بقرة 28.
قوله: (وَالضَّبُعُ وَالثَّعْلَبُ شَاةٌ) أي: وفي الضبع شاة، وكذلك في الثعلب شاة، ولم يذكر ابن شاس في الضبع 29 خلافًا في ذلك 30، وحكى في الثعلب قولين أحدهما: أن
الجزء: 2 - الصفحة: 270
فيه شاة، والآخر: قيمته طعامًا أو يصوم (1). قوله: (كَحَمَامِ مَكَّةَ) أي: فإن فيه شاة لقضاء عثمان - رضي الله عنه - (2) بذلك، فإن لم توجد الشاة فقال مالك وعبد الملك: لا يخرج طعامًا بل يصوم عشرة أيام، وقال أصبغ: إن شاء صام أو أطعم قدر ما تُشْبع الشاة من الطعام، وإن أحب صام لكلِّ مدٍّ يومًا (3). قوله: (وَالْحَرَمِ) أي: وكذلك في حمام الحرم شاة وهو المشهور، وقاله مالك وابن الماجشون وأصبغ وهو مذهب المدونة (4)، وقال ابن القاسم: فيه حكومة (5). قوله: (وَيَمَامِهِ) أي: في يمام مكة والحرم شاة، وفي المدونة: واليمام مثل الحمام (6). قوله: (بِلا حُكْمٍ) أي: فلا يحتاج في حمام مكة والحرم ولا في يمامهما (7) إلى حُكْمِ حَكَمَيْن كغيرهما؛ لأن ذلك من باب الديات التي تَقَرَّرَ (8) حكمها فلا يحتاج إلى إنشاء حكم في كل واقعة بل يقتصر فيه على ما ورد.
(المتن)
وَلِلْحِلِّ وَضَبٍّ وَأَرْنَبٍ وَيَرْبُوعٍ وَجَمِيعِ الطَّيرِ الْقِيمَةُ طَعَامًا، وَالصَّغِيرُ وَالْمَرِيضُ وَالْجَمِيلُ كَغَيْرِهِ، وَقُوِّمَ لِرَبِّهِ بِذَلِكَ مَعَهَا، وَاجْتَهَدَا، وَإنْ رُوِيَ فِيهِ، وَلَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ فَتَأْوِيلانِ.
وَإِنِ اخْتَلَفَا ابْتُدِئَ، وَالأَوْلَى كَوْنُهُمَا بِمَجْلِسٍ، وَنُقِضَ إِنْ3132333435363738
الجزء: 2 - الصفحة: 271
تَبَيَّنَ الْخَطَأُ.
وَفِي الْجَنِينِ وَالْبَيْضِ عُشْرُ دِيَةِ الأُمِّ وَلَوْ تَحَرَّكَ، وَدِيَتُهَا إِنِ اسْتَهَلَّ، وَغَيْرُ الْفِدْيَةِ وَالصَّيْدِ مُرَتَّبٌ هَدْيٌ، وَنُدِبَ إِبِلٌ فَبَقَرٌ، ثُمَّ صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ إِحْرَامِهِ، وَصِيَامُ أَيَّامِ مِنًى بِنَقْصٍ بِحَجٍّ إِنْ تَقَدَّمَ عَلَى الْوُقُوفِ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ مِنْ مِنًى وَلَمْ تُجْزِئْ إِنْ قُدِّمَتْ عَلَى وُقُوفِهِ، كَصَوْمٍ أَيْسَرَ قَبْلَهُ، أَوْ وَجَدَ مُسَلِّفًا لِمَالٍ بِبَلَدِهِ،