123456 الجزء: 2 - الصفحة: 170
قوله: (وَالْمَارُّ بهِ إن لم يُرِدْ مَكةَ، أَوْ كَعَبْدٍ فَلا إِحْرَامَ عَلَيْهِ، وَلا دَمَ، وَإِنْ أَحْرَمَ إِلا الصَّرُورَةَ الْمُسْتَطِيع فتَأْوِيلانِ) يريد أن المار بالميقات إذا لم يرد مكة، بل جاوزه لحاجة دون مكة، أو كان مريدًا إلا أنه ممن لم يخاطب بفريضة الحج كالعبد والصبي، فلا إحرام على واحد منهما ولا دم؛ لأن الحج غير متوجه على العبد والصبي ونحوهما، فإن أحرموا بعد ذلك فلا دم أيضًا، إلا أن يكون الذي أحرم بعد الميقات صرورة مستطيعًا، فاختلف في وجوب الدم عليه، قال مالك في المدونة: ومن تعدى الميقات وهو صرورة مستطيع ثم أحرم فعليه الدم 7.
عياض: اختلف في تأويله فقيل: معناه إذا جاوزه وهو يريد الحج ثم أحرم بعده، فأما إن جاوزه غير مريد الحج فلا دم عليه 8، وإليه ذهب أبو محمد 9، وقيل: معناه سواء جاوزه وهو مريد 10 الحج أو لا، وإليه ذهب ابن شبلون وزعم أنه ظاهر الكتاب هنا؛ إذا لم يقل وهو مريد 11 الحج أو غيره 12، وإلى هذا الخلاف 13 أشار بقوله: (فتأويلان).
قوله: (وَمُرِيدُهَا إِنْ ترَدَّدَ أَوْ عَادَ لَهَا لأَمْر، فكَذَلِكَ) أي: ومريد مكة إن كان مترددًا لها كالمتسببين 14 في 15 الحطب والفاكهة ونحوهما، أو عاد لأمر عرض له 16 فليس عليه إحرام، وهو معنى قوله: (فكذلك)، وقال اللخمي في المترددين: يستحب لهم أن يحرموا أول مرة ثم إن تكرر ذلك منهم سقط عنهم الإحرام 17.
الجزء: 2 - الصفحة: 171
قوله: (وَإِلا وَجَبَ الإِحْرَامُ، وَأَسَاءَ تَارِكُهُ، وَلا دَمَ) أي: وإن لم يكن من المترددين ولا ممن عرض له أمر عاد لأجله وجب عليه أن يحرم من ميقاته الذي يأتي عليه، فإن ترك الإحرام وجاوز الميقات حلالًا فلا دم عليه، وقد أساء من أي الآفاق كان، قاله في المدونة، ثم قال: إذا لم يرد الحج ولا العمرة 18، وإليه أشار هنا بقوله: (إِنْ لَمْ يَقْصِدْ نُسُكًا)، وقال في 19 الجلاب: إن أحرم فعليه الدم وإلا فلا 20، وقاله في تهذيب الطالب لعبد الحق 21، وفي المدونة 22: وجوب الدم، وظاهره أحرم أم لا 23، وقيل: إن كان صرورة فعليه الدم وإلا فلا 24، وفي الموازية 25: إن أحرم وكان صرورة فعليه الدم وإلا فلا.
قوله: (وَإِلا رَجَعَ، وَإِنْ شَارَفَهَا وَلا دَمَ وَلَوْ عَلِمَ، مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتًا 26، فَالدَّمُ) أي: وإن قصد أحد النسكين الحج 27 أو العمرة رجع للإحرام من ميقاته وإن قرب من مكة ولا دم عليه، قال في المدونة: إلا أن يخاف فوات الحج فليحرم من 28 موضعه ويتمادى وعليه دم 29.
أبو الحسن الصغير: يريد 30 وسواء جاوز 31 جاهلًا أو عامدًا 32، وإليه أشار
الجزء: 2 - الصفحة: 172
بقوله: (ولو علم).
قوله: (كَرَاجِعٍ بَعْدَ إِحْرَامِهِ) أي: وكذلك يجب الدم أيضًا على من رجع بعد أن جاوز 33 الميقات بغير إحرام ثم أحرم وإن قرب، خلافًا لابن حبيب، ولا يسقطه الرجوع لترتبه عليه، وقيل: يسقطه 34 ولذلك نظائر 35.
قوله: (وَلَوْ أَفْسَدَ، لا فَاتَ) يريد: أن الدم لا يسقط عنه بعد ترتبه 36 ولو فسد 37 حجه؛ بخلاف ما إذا فات فإنه يسقط عنه 38، قاله في المدونة 39.
قوله: (وَإِنَّمَا يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ) يريد: أن الإحرام لا ينعقد إلا بنية مقرونة بقول أو فعل متعلقين 40 به كالتلبية والتوجه إلى الطريق، كما أشار إليه بعد هذا 41.
قوله: (وَإِنْ خَالَفَهَا لَفْظُهُ) أي: أن الإحرام ينعقد بما تقدم وإن خالفها لفظه، كما إذا نوى الحج وتلفظ بالعمرة أو العكس، وهو قول صاحب الجواهر 42، وإن اختلف عقده ونطقه فالاعتبار بالعقد.
قوله: (وَلا دَمَ) أي: ولا دم عليه لمخالفته لفظه وعدم مطابقته لنيته.
قوله 43: (وَإِنْ بِجِمَاعٍ) يشير إلى ما حكاه سند أن الإحرام ينعقد وهو يجامع ويلزمه 44 التمادي والقضاءَ، وذكر ما يدل على أن ذلك متفق عليه 45، والباء في (وإن
الجزء: 2 - الصفحة: 173
بجماع) للمعية؛ أي: وإن أحرم مع جماع أو في حال جماع.
قوله: (مَعَ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ تَعَلَّقَا بِهِ) أي: بالإحرام؛ فلا ينعقد بمجرد النية، وقاله اللخمي 46 وابن بشير وابن شاس 47، وقيل: ينعقد بذلك، قاله سند وهو مروي عن مالك 48.
قوله: (بَيَّنَ أَوْ أَبْهَمَ) يريد أن الإحرام ينعقد بالنية مع قول أو فعل سواء بيَّن ما أحرم به أو أبهم، إلا أنه لا يفعل شيئًا إلا بعد التعيين، فإن طاف قبل التعيين فقال في الذخيرة: الصواب أن يجعله حجًّا ويكون هذا طواف القدوم 49، وفي الموازية: أحب إليَّ أن يفرد، والقياس أن يقرن، وقاله أشهب 50، وإليه أشار بقوله: (وَصَرَفَهُ لِحجٍّ وَالْقِيَاسُ لِقِرَانٍ) وقيل: القياس أن يصرفه لعمرة، ورأيُ اللخميِّ التخيير إنما هو في حق المدني ونحوه، وأما أهل المغرب ونحوهم ممن لا يقصد إلا الحج فلا يلزمه غيره 51.
قوله: (وَإِنْ نَسِيَ فَقِرَانٌ، وَنَوَى الْحَجَّ) أي: فإن أحرم بشيء معين ثم نسيه فلم يدرِ أهو حج أو عمرة أو قران فإنه ينوي الحج ويعمل على القران 52 احتياطًا، فيطوف ويسعى ويهدي بناء على القران 53 ويعتمر بعد ذلك؛ لاحتمال أن يكون إنما أفرد أولًا، وإليه أشار بقوله: (وَبَرِئَ مِنْهُ فَقَطْ) أي: من الحج، وأما العمرة فيأتي بها، وفي الموازية: وهو قول أشهب يكون قرانًا 54 وهو وفاق، وأشار بقوله: (كَشَكِّهِ أَفْرَدَ) إلى أن من شك هل أحرم بحج وعمرة 55، وهو معنى قوله: (أَوْ تَمَتَّعَ) فإنه يعمل على الحج، قال في
الجزء: 2 - الصفحة: 174
الجواهر: ولو شك هل أحرم بالحج 56 مفردًا أو بالعمرة؟ طاف وسعى لجواز أن يكون إحرامه بعمرة، ولا يحلق لإمكان أن يكون في حج ويتمادى على عمل الحج ويهدي لتأخير الحلاق لا للقران؛ لأنه لم يحدث 57 نية الحج، بل يتمادى على نيته 58 الأولى وهو كشيء 59 واحد، وأما العمرة فلا يضره تماديه بعد فرا غه من سعيها وأما الحج فيكون مفردًا، وما تقدم من الطواف والسعي يكون 60 له لا للعمرة 61، ونحوه للخمي.
قوله: (وَأَلْغَى عُمْرَةً 62 عَلَيْهِ كَالثَّانِي فِي حَجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ) يريد: أن العمرة الداخلة على الحج تلغى كالحج الداخل على مثله 63 أو العمرة الداخلة على مثلها، والأقسام أربعة لا يصح منها إلا إدخال الحج على العمرة كما سيأتي، ومعنى (ألغى) أن الثاني لا ينعقد ولا يقضى 64.
قوله: (وَرَفْضُهُ) هو معطوف على قوله: (وألغى عمرة عليه) أي: وكذلك يلغى رفض الحج فلا أثر له على المشهور، نص عليه غير واحد من أصحابنا، وقاله ابن القاسم في المدونة 65.
قوله: (وَفي كَإِحْرَامِ زَيْدٍ ترَدُّدٌ) يريد أنه اختلف فيمن أحرم بما أحرم به زيد مثلًا ولم يعلم هل أحرم بحج أو عمرة 66، هل يصح إحرامه أو يبطل لعدم الجزم حين الدخول في العبادة، والمنقول أن إحرامه صحيح عند أشهب؛ لما ورد أن عليًّا أهلَّ بما أهلَّ به
الجزء: 2 - الصفحة: 175
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، نقله سند وصاحب الذخيرة، وحكي عن مالك منع ذلك (1).
(المتن)
وَنُدِبَ إِفْرَادٌ، ثُمَّ قِرَانٌ بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا وَقَدَّمَهَا، أَوْ يُردِفَهُ بِطَوَافِهَا؛ إِنْ صَحَّتْ وَكَمَّلَهُ، وَلا يَسْعَى، وَتَنْدَرِجُ، وَكُرِهَ قَبْلَ الرُّكُوعِ؛ لا بَعْدَهُ، وَصَحَّ بَعْدَ سَعْي، وَحَرُمَ الْحَلْقُ، وَأَهْدَى لِتَأْخِيرِهِ وَلَوْ فَعَلَهُ.
ثُمَّ تَمَتعٌ بِأَنْ يَحُجَّ بَعْدَهَا وَإِنْ بِقِرَانٍ.
وَشَرْطُ دَمِهِمَا عَدَمُ إِقَامَةٍ بِمَكَّةَ أَوْ ذِي طُوًى وَقْتَ فِعْلِهِمَا وَإِنْ بِانْقِطَاع بِهَا أَوْ خَرَجَ لِحَاجَةٍ، لا انْقَطَعَ بِغَيْرِهَا، أَوْ قَدِمَ بِهَا يَنْوِي الإِقَامَةَ.
وَنُدِبَ لِذِي أَهْلَيْنِ، وَهَلْ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ بِأحَدِهِمَا أَكْثَرَ فَيُعْتَبَرُ؟ تَأْوِيلانِ.