قوله: (وقُوِّمَ بِمَالِهِ فإن لم يحمل الثلث إلا بعضه عتق وأقر ماله بيده)، يريد: أن السيد إذا مات وأردنا تقويم المدبر لننظر هل يحمله الثلث أم لا، فإنا نقومه على ما بيده من المال فإن حمله الثلث خرج حُرًّا، وإن لم يحمل منه إلا بعضه عتق 1 وأقر ماله بيده، قال في الموازية 2: وإنما ينظر إلى قيمته يوم النظر فيه لا يوم مات السيد، ثم قال: ويعتق في الثلث أو ما حمل منه، فإن لم يدع غيره عتق ثلثه ورق ثلثاه، وما هلك من التركة قبل تقويم المدبر لم يحسب، وكأنه لم يكن فيها بعد هذا 3، فإن لم ينتزع السيد ماله حتى مات قوم في الثلث بماله؛ يقال: ما يساوي هذا العبد وله من المال كذا كذا ومن العروض كذا؟ فإن حمله الثلث عتق وتبعه ماله، وإن لم يحمل إلا نصفه عتق نصفه 4 وبقي المال كله بيده.
قوله: (وَإِنْ كَانَ لِسَيِّدِهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ عَلَى حَاضِرٍ مُوسِرٍ بِيعَ بِالنَّقْدِ) يريد: أن ثلث السيد إذا ضاق عن حمل المدبر وكان للسيد دين مؤجل على حاضر موسر فهو 5 يباع بالتعجيل، وهو مراده بالنقد لا الذهب والفضة؛ لأن الدين إذا كان عينًا إنما يقوم
الجزء: 5 - الصفحة: 465
بالعروض، فإذا كان المدبر 6 يساوي عشرين وترك السيد مثلها عينًا، وبيع الدين بعرض يساوي عشرين فإن المدبر يعتق كله لخروجه من الثلث.
قوله: (وإِنْ قَرُبَتْ غَيْبَتُهُ اسْتُؤْنِيَ قَبْضُهُ) أي: فإن كان الدين على غائب 7 يريد: وكان حالًّا أو قريب الحلول وقربت غيبة من هو عليه 8 فإنه لا يباع ولكن يُستأنى بالعتق حتى يقبض 9 ذلك الدين ممن هو عليه.
قوله: (وَإِلَّا بِيعَ) أي: فإن لم يكن الدين على حاضر موسو ولا على قريب الغيبة، بل على حاضر معسر أو بعيد الغيبة ولو كان مليًّا، فإن المدبر يباع للغرماء أو ما جاوز الثلث منه.
قوله: (فَإِنْ حَضَرَ الْغَائِبُ أَوْ أَيْسَرَ الْمُعْدِمُ بَعْدَ بَيْعِهِ عَتَقَ مِنْهُ حَيْثُ كَانَ) أي: سواء كان في يد وارث أو مشترٍ وهو ظاهر المدونة، قال اللخمي: وهو مذهب عيسى وأصبغ 10. أبو محمد 11: وهو المعروف عن مالك وأصحابه، ولابن القاسم في العتبية أنه يكون للورثة دون المدبر 12. ابن عبد السلام: والنفس أميل 13 إليه، وليس كمال 14 طرأ للورثة لم يتقدم علمهم 15 به؛ لأن هذا قد علموا به، وأبطل الشرع حق المدبر فيه، وهذا الخلاف إنما هو إذا كان المدبر في يد الورثة 16، وأما إذا كان بيده 17 فلا خلاف أنه يعتق من ذلك، وقد أشار إليه اللخمي 18.
الجزء: 5 - الصفحة: 466
قوله: (وَأَنْتَ حُرٌّ قَبْلَ مَوْتِي بِسَنَةٍ إِنْ كَانَ السَّيِّدُ مَلِيًّا لَمْ يُوقَفْ فَإِذَا مَاتَ نُظِرَ، فَإِنْ صَحَّ أُتْبِعَ بِالْخِدْمَةِ وَعَتَقَ مِنْ رَأْسِ المَالِ، وإِلا فَمِنَ الثُّلُثِ ولَمْ يُتْبَعْ، وإِنْ كَانَ غَيْرَ مَلِيٍّ وُقِفَ خَرَاجُ سَنَةٍ، ثُمَّ يُعْطَى السَّيِّدُ مِمَّا وُقِفَ مَا خَدَمَ 19 نَظِيرَهُ) يريد: ان من قال لعبده: أنت حُرٌّ قبل موتي بسنة، يريد: أو بشهر أو بسنتين 20 أو شبه ذلك 21، فإن كان السيد مليًّا لم يوقف؛ أي: من خراج خدمة العبد شيء 22 و 23 يترك بيد سيده ويستخدمه 24، فإذا مات السيد نظر؛ فإن كان صحيحًا وقت الأجل 25 عتق من رأس المال؛ لأنه تبين أنه كان أعتقه في صحته، ويرجع 26 بكراء خدمته سنة 27 لأنه قد تبين أنه كان مالكها في نفس الأمر ولهذا لا يضره 28 ما استدان السيد بعد السنة وغيرها 29، وإن كان مريضًا عتق من ثلثه، ولا رجوع له بخدمته في تركة سيده؛ لأن كل من خرج من الثلث فغلته لسيده، لأن النظر فيه إنما يكون بعد الموت.
وإن كان السيد غير مليٍّ وقف خراج العبد سنة، ثم يعطى السيد بعد كل شهر بعد السنة خراج كل 30 شهر قبلها، ومعنى ذلك أنه لا يُمَكَّن من خراج العبد 31 حتى تنقضي ثلاثة عشر شهرًا، فإذا مضى ذلك أعطى السيد خراج الشهر الأول من السنة الماضية 32، ثم كل ما مضى شهر
الجزء: 5 - الصفحة: 467
من الثانية 33 أعطي شهرًا 34 من الأول نظيره مما وقف 35، وقاله أيضًا بن القاسم 36، وهو معنى ما أراد هنا، ولم يفصل سحنون بين كون السيد مليًّا أو معدمًا 37.
وحكى في البيان ثلاثة أقوال أُخَر: الأول: أنه يعجل عتقه الآن، ولا ينتظر به موت 38 سيده؛ لاحتمال أن يكون لم يبق بينه وبين موته إلا مثل الأجل الذي يسمى 39 أو أقل الذي ضرب 40، فلا يسترقه بالشك، وهو أحد قولي ابن القاسم.
والثاني: أنه كالمدبر يعتق بعد موته 41 من الثلث، وله أن يطأها إن كانت أمة؛ لأنه عتق لا يكشفه إلا الموت 42، وهو قول أشهب.
والثالث: أنه لا يعتق من رأس المال، ولا من الثلث 43؛ للشك 44، وقاله أيضًا أشهب 45.
قوله: (وَبَطَلَ التَّدْبِيرُ بِقَتْلِ سَيِّدِهِ عَمْدًا) يريد: أن المدبَّر إذا قتل سيده عمدًا 46 فإن حكم تدبيره يبطل 47 كَما إذا قتل الوارث موروثه عمدًا؛ لأن كلًّا منهما استعجل الشيء قبل أوانه، فيعاقب بحرمانه، واحترز بالعمد مما إذا قتله خطأ فإنه يعتق في المال لا في الدية التي تؤخذ من عاقلته.
قوله: (وَبِاسْتِغْرَاقِ الدَّيْنِ لَهُ والتَّرِكَةِ) أي: وكذا يبطل حكم التدبير بالدين
الجزء: 5 - الصفحة: 468
المستغرق لرقبة المدبَّر 48 ولتركة سيده 49، وهو ظاهر على 50 قول الجمهور أن المدبَّر يخرج من الثلث؛ لأن المدبَّر مقدم على ما يخرج من الثلث، وقيل: هو من رأس المال، فعلى الأول إذا كان المدبَّر يساوي عشرين دينارًا وتركة سيده أربعون وعلى السيد ستون فأكثر 51 فلا عتق لاستغراق الدين بجميع 52 ما ترك السيد مع المدبر 53.
قوله: (وبَعْضُهُ بِمُجَاوَزَةِ الثُّلُثِ) أي: وبطل بعضه إذا جاوز 54 ثلث سيده كما إذا كانت تركة سيده تساوي مائة دينار والمدبر أيضًا يساوي قدرها، فقد علمت أن ثلث السيد ستة وستون دينارًا وهو مقدار ثلثي قيمة المدبر فيعتق ثلثاه 55 ويرق ثلثه لمجاوزته ثلث سيده.
قوله: (ولَهُ حُكْمُ الرِّقِّ، وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهُ) يريد: أن المدبر له حكم الرق في خدمته 56 وحدوده، وإن مات سيده حتى يعتق في الثلث، وقاله في المدونة، وزاد: وإنما ينظر إلى قيمته 57 يوم النظر فيه لا يوم الموت 58.
قوله: (حَتَّى يُعْتَقَ فِيمَا وُجِدَ) أي: ولا ينظر إلى ما هلك من التركة قبل التقويم، وقاله في المدونة 59.
قوله: (حِينَئِذٍ) أي: حين التقويم 60.
الجزء: 5 - الصفحة: 469
قوله: (وَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي ومَوْتِ فُلانٍ) 61 عتق من الثلث أيضًا، ولا رجوع، هكذا قال في المدونة، وزاد وكأنه قال: إن مات فلان فأنت حر بعد موتي، وإن مت أنا فأنت حر بعد موت فلان، وقاله أشهب 62، وزاد ابن يونس بعد قوله: (عتق من الثلث أَيْضًا) فقال: يريد (وَلَا رُجُوعَ لَهُ) فيه لذكره الأجنبي في ذلك، وقال بعضهم: إلا أنه له الرجوع 63 كما لو أعتقه بعد موته بشهر.
قوله: (وَإِنْ قَالَ حُرٌّ 64 بَعْدَ مَوْتِ فُلانٍ بِشَهْرِ فَمُعْتَقٌ 65 مِنْ رَأْسِ الْمَالِ) يريد 66 إذا قاله في صحته، وأما إذا قاله في المرض فإنما 67 يعتق بعد موت فلان من الثلث، ولهذا قال في المدونة: ومن قال في صحته لعبده: أنت حر بعد موت فلان أو قال بعد موته بشهر فهو من رأس المال معتق إلى أجل 68، ولا يلحقه دين، وإن مات السيد قبل 69 فلان خدم العبدُ ورثَةَ السيد إلى موت فلان أو إلى 70 بعد موته بشهر، وخرج حرًّا من رأس المال، ولو قال ذلك في مرضه عتق العبد في الثلث إلى أجله، وخدم الورثة حتى يتم الأجل ثم هو حُرٌّ، وإن لم يحمله الثلث خير الورثة في إنفاذ الوصية أو يُعتِقوا من العبد محل 71 الثلث 72.
الجزء: 5 - الصفحة: 470