(حَرُمَ بِالإِحْرَامِ عَلى المَرْأَةِ لُبْسُ قُفَّازٍ) هذا هو المشهور، وقوله في المدونة: "يكره لها أن تلبس القفازين" 1 محمول على التحريم لقوله بعده: فإن فعلت افتدت.
وقال ابن حبيب: لا أبلغ بها الفدية لما جاء فيه من الرخصة عن عائشة - رضي الله عنها -، قال: والمنع أحسن للحديث 2.
قوله: (وَسَتْرُ وَجْهٍ إِلا لِسَتْرٍ) أي: وكذلك يحرم عليها أن تستر وجهها في إحرامها 3، فإن فعلت افتدت إلا أن تكون قصدت بذلك الستر عن الناس، فإن فعلت ذلك لحر أو برد افتدت، قال في المدونة: ووسع مالك لها أن تسدل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت سترًا، فإن لم ترد سترًا فلا تسدل 4. قال ابن القاسم: وما علمت أن مالكًا كان يأمرها إذا سدلت 5 رداءها أن تجافيه عن 6 وجهها وما علمت أنه ينهاها أن يصيب الرداء وجهها إذا سدلته 7، وإن رفعته من أسفل وجهها افتدت؛ لأنه لا يثبت حتى تعقده بخلاف السدل 8. وإليه أشار بقوله: (بِلا غَرْزٍ وَرَبْطٍ).
قوله: (وَإِلا فَفِدْيَةٌ) أي: فإن فعلت شيئًا مما حرم عليها أو غرزت ما سدلته على وجهها بإبرة أو ربطته، افتدت.
قوله: (وَعَلى الرَّجُلِ محيط بِعُضْوٍ) أي: ويحرم بالإحرام على الرجل لبس مخيط.
يريد: باعتبار ما خيط له سواء كان مصنوعًا على قدر البدن أو عضو منه، فلو ارتدى
الجزء: 2 - الصفحة: 228
بالقميص جاز؛ لأنه لم يلبسه 9 باعتبار ما خيط له.
قوله: (وَإِنْ بِنَسْجٍ) يريد: أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون مخيطًا أو صنع نسجًا على هيئة ما يخاط، كما يفعل في بعض البلاد البرانس من غير خياطة، وكما يصنع القميص من اللبد بغير خياطة.
قوله: (أَوْ زِرٍّ أَوْ عَقْدٍ) أي: فإذا عمل للثوب الذي يحرم فيه زرًّا وأقفله عليه أو عقده أو خلله بخلال، كان في معنى المخيط وعليه الفدية.
قوله: (كَخَاتَمٍ) أي: وكذلك يحرم عليه أيضًا لبس الخاتم.
اللخمي: ويجوز الخاتم والسوار والعصائب للمرأة؛ لأن لباس المخيط يجوز لها 10، وفي مختصر ما ليس في المختصر: لا بأس أن يلبس المحرم الخاتم 11.
قوله: (وَقَبَاءٍ، وَإنْ لَمْ يُدْخِلْ كُمًّا) أي: وكذلك يحرم عليه لبس القباء، فإن فعل وإن لم يدخل يديه في كميه افتدى؛ لأنه في معنى اللباس، وقاله في المدونة 12، وإن لم يزره عليه.
قوله: (وَسَتْرُ وَجْهٍ أَوْ رَأْسٍ بِما يُعَدُّ سَتْرًا 13 كَطِينٍ 14) أي: ويحرم على الرجل بالإحرام ستر وجهه ورأسه؛ لأن إحرامه فيهما، قاله في المدونة 15 والجواهر 16، إلا أنه لا خلاف في منع تغطية الرأس، والمشهور في الوجه المنع، وإليه ذهب مالك 17، وحكي عن بعض 18 المتأخرين الكراهة، واقتصر عليها ابن القصار 19.
الجزء: 2 - الصفحة: 229
قوله: (بِما يُعَدُّ سَتْرًا 20 كَطِينٍ) قال سند: وإذا لطخ رأسه بالطين افتدى كالعمامة، وسواء غطى جميع رأسه أو بعضه 21.
قوله: (وَلا فِدْيَةَ في سَيْفٍ، وَلَوْ بِلا عُذْرٍ) أي: لا فدية في تقليده به ولو كان ذلك لغير عذر.
ابن المواز: وهو قول مالك وزاد: ولينزعه مكانه 22. ابن يونس: وقاله أصبغ، وقال ابن وهب 23: عليه الفدية 24. ابن رشد 25: والأول أصح.
قوله: (وَاحْتِزَامٍ، وَاسْتِثفَارٍ) أي: وكذلك لا تجب عليه 26 الفدية في الاحتزام ولا في الاستثفار.
قوله: (لِعَمَلٍ فَقَطْ) هو قيد في قوله: (واحتزام)، وهكذا قال في المدونة 27؛ أي: فإن لم يكن لعمل افتدى.
ابن الجلاب: وقد اختلف قوله في الاستثفار عند الركوب والنزول 28، فكره ذلك مرة وأجازه 29 مرة 30 أخرى 31.
قوله: (وَجَازَ خُفٌّ قُطِعَ أَسْفَلَ مِنْ كَعْبٍ لِفَقْدِ نَعْلٍ) لقوله عليه الصلاة والسلام: "إلا ألا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما من أسفل من الكعبين" 32.
الجزء: 2 - الصفحة: 230
قوله: (أَوْ غُلُوِّهِ فَاحِشًا) نحوه في ابن يونس 33.
قوله: (وَاتِّقَاءُ شَمْسٍ أَوْ رِيحٍ بِيَدٍ) أي: وكذلك يجوز الاتقاء من 34 الشمس والريح باليد؛ لأن مثل هذا لا يعد ساترًا.
قوله: (أَوْ مَطَرٍ بِمُرْتَفِعٍ) يريد: أنه يجوز له أن يتقي المطر بشيءٍ مرتفع كالخيمة ونحوها.
ابن الحاجب: ويجوز له أن يرفع شيئًا فوق رأسه ليقيه المطر 35.
قوله: (وَتَقْلِيمُ ظُفُرٍ انْكَسَرَ) هو معطوف على فاعل جاز، وهو كقوله في المدونة: وإن انكسر له ظفر 36 فليقلمه ولا شيء عليه 37. ابن يونس: كاكتحاله أو ادِّهانه لضرورة.
أبو إسحاق: وكذا لو انكسر له ظفران أو ثلاثة فقلمهما فلا شيء عليه 38.
قوله: (وَارْتِدَاءٌ بِقَمِيصٍ) أي: وجاز أيضًا ارتداء بقميص بأن يضعه على ظهره أو يتَّزر 39 به؛ لأن مثله 40 لا يعد لبسًا 41 باعتبار ما خيط له، والجبة ونحوها كالقميص.
قوله: (وَفي كَرَاهَةِ السَّرَاوِيلِ رِوَايَتَانِ) يريد: أنه اختلف في السراويل هل يكره لبسها للمحرم أو لا؟ على روايتين.
الباجي: ووجه الكراهة عندي قبح الزي، كما كره لغير المحرم لبسه مع الرداء 42.
قوله: (وَتَظَلُّلٍ بِخِبَاءٍ أَوْ بِنَاءٍ 43) ابن عبد البر: أجمعوا على ذلك 44. وفي الذخيرة: = كتاب الحج، برقم: 707. بلفظ: "إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين".
الجزء: 2 - الصفحة: 231
لا خلاف في جواز دخوله تحت السقف والخيمة (1).
قوله: (وَمَحَارَةٍ لا فِيهَا كَثَوْبٍ بِعَصًا) أي: وجاز الاستظلال بالمحارة وما في معناها إن لم يكن داخلًا فيها، وهو قول مالك والجمهور خلافًا لسحنون (2)، فإن كان فيها فظاهر المذهب المنع (3). ابن عبد البر: وهو قول مالك (4)، وظاهر كلام ابن القاسم وأشهب، وعن مالك قول بالتوسعة فيه، وأجازه عبد الملك للنازل بالأرض؛ لأنه يشبه الخباء المضروب ومنعه للمسافر، ونحوه ليحيى بن عمر (5)، وأما الثوب المجعول (6) على عصا أو أعواد فلا يجوز الاستظلال به للراكب قولًا واحدًا، واختلف في النازل فمنعه أيضًا مالك لما فيه من الترفه، وجوزه عبد الملك قياسًا على الخيمة.
قوله: (فَفِي وَجُوبِ الْفِدْيَةِ خِلافٌ) أي: فإن استظل داخل المحارة أو تحت ثوب موضوع على أعواد ونحوها فإنه يفتدي به (7) وجوبًا، وقيل: لا، وحكى ابن يونس (8) وأبو إسحاق وابن عبد البر الأول عن مالك، وكذا نقله اللخمي في المحارة (9).
(المتن)
وَحَمْلٌ لِحَاجَةٍ أَوْ فَقْرٍ بِلَا تَجْرٍ، وَإبْدَالُ ثَوْبِهِ أَوْ بَيْعهُ بِخِلَافِ غَسْلِهِ إِلَّا لِنَجِسٍ فَبِالْمَاءِ فَقَطْ، وَبَطُّ جُرْحِهِ، وَحَكُّ مَا خَفِيَ بِرِفْقٍ، وَفَصْدٌ إِنْ لَمْ يَعْصِبْهُ، وَشَدُّ مِنْطَقَةٍ لِنَفَقَتِهِ عَلَى جِلْدِهِ، وَإضَافَةُ نَفَقَةِ غَيْرِهِ، وَإلَّا فَفِدْيَةٌ، كَعَصْبِ جُرْحِهِ أَوْ رَأْسِهِ، أَوْ لَصْقِ خِرْقَةٍ كَدِرْهَمٍ أَوْ لَفِّهَا عَلَى ذَكَرٍ، أَوْ قُطْنَةٍ بِأُذُنَيْهِ، أَوْ قِرْطَاسٍ بِصُدْغَيْهِ، أَوْ تَرْكِ ذِي نَفَقَةٍ ذَهَبَ أَوْ رَدِّهَا لَهُ.
وَلِمَرْأَةِ خَزٌّ وَحَلِيٌّ وَكُرِهَ شَدُّ نَفَقَتِهِ بِعَضُدِهِ أَوْ فَخِذِهِ، وَكَبُّ رَأْسٍ عَلَى وِسَادٍ، وَمَصْبُوغٌ لِمُقْتَدًى بِهِ وَشَمُّ كَرَيْحَانٍ،454647484950515253
الجزء: 2 - الصفحة: 232
وَمُكْثٌ بِمَكَانٍ بِهِ طِيبٌ، وَاسْتِصْحَابُهُ وَحِجَامَةٌ بِلَا عُذْرٍ، وَغَمْسُ رَأْسِه أَوْ تَجْفِيفُهُ بِشِدَّةٍ، وَنَظَرٌ بِمِرْآةٍ وَلُبْسُ مَرْأَةٍ قَبَاءً مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِمَا دَهْنُ اللِّحْيَةِ وَالرَّأْسِ وَإِنْ صَلَعًا وَإِبَانَةُ ظُفُرٍ أَوْ شَعَرٍ.