(صَحَّ وَقْفُ مَمْلُوَكٍ) الوقف والحبس واحد، قاله في المقدمات 1. وهذا الذي ذكره هو مذهب الجمهور، وهو ظاهر.
انظر الدليل عليه في الكبير 2.
قوله: (وَإِنْ بِأُجْرَةٍ) يريد: أن الموقوف ليس من شرطه أن تكون رقبته مملوكة للواقف؛ بل يجوز وقف الرقبة، ووقف المنفعة، مثل أن يكتري أرضًا سنينَ؛ ليتخذها 3 مسجدًا يوقفه في تلك المدة.
قوله: (وَلَوْ حَيَوَانًا وَرَقِيقًا) هو مذهب المدونة 4 وغيرها.
وحكى ابن القصار قولًا بمنع ذلك 5. وقيل: يكره ذلك في الرقيق دون الدواب.
وقيل: يجوز في الخيل، ويكره فيما عداها.
قوله: (كَعَبْدٍ عَلَى مَرْضَى لَمْ يَقْصِدْ ضَرَرَهُ) أي: وكذا يصح وقف العبد على المرضى إذا لم يقصد بذلك ضرر العبد 6، وأما إن قصد ذلك فلا يصح.
قوله: (وَفِي وَقْفِ كَطَعَامٍ تَرَدُّدٌ) يريد: أنه اختلف هل يجوز وقف الطعام أم لا؟
الجزء: 4 - الصفحة: 641
والذي في الجواهر: المنع 7. قال: لأن منفعته في استهلاكه 8، وإنما يكون الوقف مع بقاء الذوات؛ لينتفع بها مع بقاء عينها، ولعله يريد 9 أن الواقف اشترط بقاء عينها 10؛ وإلا ففي البيان أنَّ وقف الدراهم والدنانير وما لا يعرف بعينه إذا غيب عليه مكروه، فإن وقع كان لآخر العقب إن كان معينًا 11. وفي المدونة: جواز وقف الدنانير والدراهم للسلف.
والطعام مثله 12؛ ولهذا قال: كطعام.
أي: من المثليات التي لا تعرف بعينها.
قوله: (علَى أَهْلِ التمليك 13) يريد: أن من شرط الموقوف عليه أن يكون أهلًا للتمليك، فإن لم يكن مما يقبل الملكية لم يصح الوقف عليه 14.
قوله: (كَمَنْ سَيُوَلَدْ) أي: سواء كان جنينًا أو غيره.
وحكى ابن العطار 15، وابن زرب، والباجي صحة الوقف على الجنين.
ابن العطار: وزعم بعضهم أن الوقف على الحمل لا يجوز، وهو جائز بدليل جوازه على الأعقاب 16.
قوله: (وَذِمِّيٍّ) يريد: لأن الوقف عليه صدقة، وقد جاء جواز ملك الصدقة 17 له، فالوقف كذلك.
قوله: (وَإنْ لَمْ تظهَر قُرْبَةٌ) يريد: أن الوقف لا يشترط فيه ظهور القربة؛ لأنه من باب
الجزء: 4 - الصفحة: 642
الهبات 18؛ ولهذا يصح الوقف على الغنى.
قوله: (أَوْ يَشْتَرْط تَسليم غَلَّتِهِ مِنْ نَاظِرِهِ ليَصْرِفَهَا) يشير إلى أن من وقف وقفًا وجعل له ناظرًا، وشرط مع ذلك أن يسلم غلته من الناظر المذكور ليصرفها في مصرفها؛ فإن الوقف يصح، وهو قول مالك، وابن عبد الحكم، واختاره اللخمي 19، وقال ابن القاسم وأشهب: لا يصح 20. والأول هو الصحيح، وفي كلامه إشارة إلى أن الجواز 21 لا يبطل بتسليم الغلة؛ لأن من 22 شرط صحة الوقف خروجه عن يد واقفه، وتركه الانتفاع به قبل فلسه وموته ومرض موته 23؛ وذلك حاصل هنا، فإن لم يُحَزْ 24 عنه حتى فلس أو مات بطل الوقف.
واختلف إذا كان يصرفه في مصرفه، فقيل: يبطل.
وقيل: يصح.
وهما روايتان 25، وفرق في المدونة بين أن تكون له غلة؛ كالدور والحوانيت
ونحوهما فيبطل، وإن كان سلاحًا أو فرسًا فيوقف في السبيل، أو كتابًا لمن ينظر فيه أو يقرأ أو ينسخ منه ونحو ذلك ثم يعيده؛ فيصح؛ لأن خروج ذلك من يده حوزٌ له، وعوده إلى يده إنما كان بعد صحة الحوز 26، وإلى هذا أشار بقوله: (أَوْ كَكِتَابٍ عَادَ إلَيْهِ بَعْدَ صَرْفِهِ في مَصْرِفِهِ.
وجرَّد) اللخمي هذا القسم عن الخلاف؛ قال: ويختلف إذا لم يأت وقت إنفاذ السلاح 27 للجهاد، وما طلب الآخر الكتاب للقراءة حتى مات المحبس، هل يبطل الحبس أم لا؟ 28
قوله: (وَبَطَل عَلى مَعْصِيَةٍ) أي: وبطل الوقف على معصية، كما إذا اشترط أن
الجزء: 4 - الصفحة: 643
يصرف في شرب الخمر، أو يعطي لأهل الفساد والفسق، ونحو ذلك.
قوله: (وَحَرْبِيٍّ) قال أصبغ: ولا تجوز الوصية للحربي؛ لأن ذلك قوة لهم على حربهم 29، الوقف كالوصية.
قوله: (وَكَافِرٍ لِكَمَسْجِدٍ) أي: وكذلك يبطل وقف الكافر على مسجد ونحوه، وقد قال مالك في نصرانية بعثت بدينار 30 إلى الكعبة: يرد إليها 31.
قوله: (أَوْ عَلَى بَنِيه دُوَنَ بَنَاتِهِ) أي: وكذلك يبطل وقفه إذا جعل على ذكور بنيه دون بناته، ورواه 32 ابن القاسم عن مالك 33. وفي رواية ابن زياد كراهة إخراجهن من الحبس إذا تزوجن 34.
قوله: (أَوْ عَادَ لسُكْنَى مَسْكَنِهِ قَبْلَ عَامٍ) يريد: أن من حبس دار سكناه على صغير ونحوه فحيزت عنه مدة، ثم عاد إليها قبل عام فسكنها، فإن الحبس يبطل، لبطلان حوزه.
وحكاه ابن يونس وغيره.
وحد الحيازة: سنة عند ابن عبدالحكم 35. فلو عاد إلى سكناها بعد سنة لم يبطل الوقف بذلك 36.
قوله: (أَوْ جُهِلَ سَبْقُهُ لِدَيْنٍ إنْ كَانَ عَلَى مَحْجُورِهِ) يريد: أن من حبس شيئًا ثم طرأ 37 عليه دين ولم يعلم سبقية التحبيس للدين ولا الدين له؛ فإنه يبطل، ويباع في الدين إن أراد الغريم ذلك.
قوله: (إنْ كَانَ عَلَى مَحْجُورِهِ) هو قيد في المسألة الأولى، ويحتمل أن يكون قيدًا فيها وفي هذه أيضًا.
قوله: (أَوْ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ بِشَرِيكٍ) إنما يبطل على نفسه لأن فيه تحجيرًا عليه وعلى
الجزء: 4 - الصفحة: 644
وارثه بعد الموت، وسواء كان ذلك على نفسه خاصة أو مع شريك، وهو المشهور.
وقال ابن شعبان: إن حبس على نفسه وعلى غيره صح ودخل معهم (1).
(المتن)
أَوْ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ لَهُ، أَوْ لَمْ يَحُزْهُ كَبِيرٌ وُقِفَ عَلَيْهِ، وَلَوْ سَفِيهًا، أَوْ وَلِيُّ صَغِيرٍ، أَوْ لَمْ يُخَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَ كَمَسْجِدٍ قَبْلَ فَلَسِهِ وَمِوْتِهِ وَمَرَضِهِ، إِلَّا لِمَحْجُورِهِ إِذَا أَشْهَدَ، وَصَرَفَ الْغَلَّةَ لَهُ، أَوْ لَمْ تَكُنْ دَارَ سُكْنَاهُ، اوْ عَلَى وَارِثٍ بِمَرَضِ مَوْتِهِ إِلَّا مُعَقَّبًا خَرَجَ مِنْ ثُلُثِهِ؛ فَكَمِيرَاثٍ لِلْوَارِثِ، كَثَلَاثَةِ أَوْلَادٍ، وَأَرْبَعَةِ أَوْلَادِ أَوْلَادٍ، وَعَقَّبَهُ، وَتَرَكَ أُمًّا وَزَوْجَةً، فَيَدْخُلَانِ فِيمَا لِلأَوْلَادِ، وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِهِ لِوَلَدِ الْوَلَدِ: وَقْفٌ، وَانْتَقضَ الْقَسْمُ بِحُدُوثِ وَلَدٍ لَهُمَا، كَمَوْتِهِ عَلَى الأَصَحِّ، لَا الأُمِّ وَالزَّوْجَةِ فَيَدْخُلانِ، وَدَخَلتا فِيمَا زِيدَ لِلْوَلَدِ.