قوله: (وإن كَانَ بِعِتْقٍ غَرِمَا قِيمَتَهُ، ووَلاؤُهُ لَهُ) أي: وإن كان الشاهدان شهدا بعتق ناجز لعبد 2 يريد: والسيد منكر لذلك، فقضى عليه بالعتق ثم رجعا فإنهما يغرمان له قيمة عبده ذلك 3، لأنهما منعاه من بيعه والانتفاع به، ويكون ولاؤه لسيده لاعترافهما بصحة ذلك على مقتضى دعواهما في شهادتهما أولًا، وعلى صحة دعوى الزوج فميراثه بالرق 4. قوله: (وهَلْ إِنْ كَانَ لأَجَلٍ يَغْرَمَانِ الْقِيمَةَ وَالمنْفَعَةَ إِلَيْهِ لهَما، أَوْ تُسْقَطُ مِنْهُما المَنْفَعَةُ، أَوْ يُخَيَّرُ فِيهِما؟ أَقْوَالٌ) أي: وإن كانا إنما شهدا بأن السيد قد أعتق عبده إلى أجل فقضي عليه1
الجزء: 5 - الصفحة: 184
بذلك ثم رجعا عن شهادتهما تلك 5 فإنهما يغرمان قيمته أيضًا حالة لأن المعتق إلى أجل 6 امتنع بيعه، وهو من أعظم المقاصد في الأملاك غالبًا، وقد حالا 7 بين السيد وبينه، إلا أن السيد إذا أخذ قيمته 8 فقد دخلت فيها قيمة خدمة العبد إلى الأجل الذي يعتق فيه عند انقضائه فلا يجمع له بين أخذ الشيء وأخذ قيمته، والشاهدان يقولان نحن نستحق تلك المنافع إلى الأجل لكون السيد أخذ منا قيمة عبده كاملة 9، فاختلف أهل المذهب في ذلك، فنقل في النوادر والمازري وابن شاس عن محمد بن عبد الحكم، وابن الحاجب عن ابن الماجشون 10: إن المنافع تقوم على غررها، وبجواز موت 11 العبد قبل الأجل، وعيشه إليه فيخرج حرًّا، فتحط تلك القيمة على هذه الصفة من جملة القيمة التي غرمها الشاهدان، وتبقى منافع العبد لسيده 12. محمد: وهذا ليس بمعتدل؛ إذ قد تكون قيمة المنافع أكثر من قيمة رقبته، فيكون الشاهدان قد أتلفا عليه 13 عبده من غير غرامة 14. المازري: وهذا الذي قاله محمد صحيح من جهة الفقه، لو أمكن تصوره لكنه كالممتنع من جهة العادة، لأنه إذا حكم بقيمة الرقبة التي تباع بها وبقي العبد مملوكًا طول أيام حياته، فقد علم 15 قطعًا أن قيمة المنافع المؤجلة قد دخلت في هذا التقويم فلا يصح أن يكون أكثر منها 16 إذ ما هو داخل في الشيء لا يكون أكثر
الجزء: 5 - الصفحة: 185
منه 17، ابن عبد السلام: وما قاله المازري صحيح لو كان الناس يلتفتون في تقويم العبد إلى مدة حياته، وأكثرهم يقطعون النظر عن ذلك 18، ورأى سحنون أن تسلم منافع العبد لهما إلى أن ينقصي الأجل، يؤاجران العبد أو يستخدمانه ويحسب ذلك عليهما حتى يستوفيا ما غرماه وما بقي من منافع المدة للسيد، وإن لم تفِ منافع المدة بما غرما 19 لم يرجعا بشيء مما بقي على أحد، وكذلك لو مات في أضعاف المدة أو بعد فراغها أو قتل ولم تف خدمته بذلك إلا أن يتركا مالًا أو تؤخذ قيمته من قاتله فيأخذان ما بقي لهما من ماله أو قيمته، وإن تساويا فواضح 20، ونحوه في النوادر عن ابن الماجشون 21، وذهب محمد إلى 22 أن السيد بالخيار بين إسلام الخدمة لهما تلك المدة 23 أو يتمسك بها، ويدفع قيمة المنافع لهما وقتًا بعد وقت بحسب ما يرى من مقتضى الأجل 24، ونُقِل أيضًا عن 25 ابن الماجشون 26.
قوله: (وإنْ كَانَ بِعِتْقِ تَدْبِيرٍ فَالْقِيمَةُ) أي: وإن كانا إنما شهدا بأن السيد قد دبر عبده فقضي عليه بذلك ثم رجعا فإنهما يغرمان قيمته الآن.
قوله: (واسْتَوْفيا مِنْ خِدْمَتِهِ) أي: لأنهما لا يبقيا بيد سيده إلا الخدمة، وقد منعوه البيع والهبة والتصرف فيقتضيان من خدمته ما غرماه، ثم ترجع خدمته لسيده،
الجزء: 5 - الصفحة: 186
ثم حكمهما في موته في مدة حياة سيده أو بعدها ولم يستوفيا فأغرماه 27 حكم المعتق إلى أجل في ذلك، فإن خرج بعد موت السيد حرًّا فلا شيء لهما إن حمله الثلث 28، وإن رق منه شيء فهما أولى من أرباب الديون حتى يأخذا 29 ما بقي لهما ويصيران كأهل الجناية 30، وإلى هذا أشار بقوله: (فَإنْ عَتَقَ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ فعَلَيْهِما، وهُمَا 31 أَوْلَى، إِن رَدَّهُ دَيْنٌ، أَوْ بَعْضَهُ كَالجنَايَةِ) ثم إذا بيع وفضلت منه فضلة فهي للورثة فلا شيء منها للشاهدين لأنهما لا يربحان.
قوله: (وإن كان بكتابة فالقيمة واستوفيا من نجومه) أي فإن كان رجوعهما عن شهادة بكتابة لزمتهما قيمته ناجزًا، وقال محمد: يوم الحكم، ثم استوفيا من النجوم ما دفعاه للسيد 32، فإذا استوفياها أخذ السيد ما بقي منها، وهو المشهور، وبه قال عبد الملك وأكثرهم 33.
قوله: (وإِن رُقَّ فَمِنْ رَقَبتِهِ) أي: وإن عاد المكاتب رقيقًا لعجزه عن تأدية بقية نجوم الكتابة قبل أن يستوفيا من نجومه ما غرماه فإنه يباع 34 ويأخذان ما بقي لهما من ثمنه فإن لم يبلغ ثمنه ما بقي لهما فلا شيء لهما، وهو قول عبد الملك، واختاره محمد، قال: وعليه أكثر أصحابنا 35، وعن ابن القاسم: أن القيمة توضع بيد عدل وتؤدى 36 للسيد الكتابة، فإن استوفى من الكتابة مثل القيمة الموضوعة بيد عدل رجعت القيمة 37 إلى
الجزء: 5 - الصفحة: 187
الشاهدين، وإن كانت الكتابة أقل أو مات المكاتب قبل الاستيفاء دفع إلى السيد من تلك القيمة الموقوفة 38 تمام قيمة عبده 39. وضعفه محمد بأن العبد قد خرج من يده بلا عوض منجزًا، وبأنها قد تضيع ويغرم الشاهدان ثانية 40، وقال سحنون وغيره 41: تباع الكتابة بعرض، فإن كان فيها وفاء قيمة العبد أو أكثر فللسيد ذلك، وإن كان أقل رجع عليهما بتمام قيمة العبد 42.
قوله: (وإنْ كَانَ بِإيلادٍ فَالْقِيمَةُ، وأَخَذَا مِنْ أَرْشِ جِنَايَةٍ عَلَيْهِما) أي: فإن كان رجوعهما عن شهادة باستيلاد لزمتهما قيمتها للسيد، وهو المشهور، وقيل: لا شيء عليهما.
أبو محمد في النوادر 43: وهو قول لا أدري ما حقيقته 44. المازري: وهو كما ذكر، ولأنه تنخرم الأصول التي عقدناها 45 في أمثال هذه المسألة، وعلى المشهور: لا يرجعان بشيء مما دفعاه للسيد 46 إذ لم تبق فيها خدمة للسيد، فيرجعان 47 فيها بها يغرمانه له إلا أن تجرح 48 أو تقتل فيأخذان ذلك من أرشها فلهما الرجوع فيه فقط 49، وإليه أشار بقوله: (وأَخَذَا منْ أَرْشِ جِنَايةٍ عَلَيْها) يريد: فإن فضل من ذلك فضلة فهي للسيد.
سحنون: وكذلك إن أفادت مالًا فإنهما يرجعان 50 فيه بما
الجزء: 5 - الصفحة: 188
أديا من قيمتها 51، وقال محمد: لا يرجعان فيما تفيد من مال بعمل أو هبة أو غيره، وهو للسيد مع ما أخذ 52، وإليه أشار بقوله: (وفيما اسْتَفَادَتْهُ قَوْلانِ) وقال محمد 53 ابن عبد الحكم: عليهما قيمتها وخفف عليهما 54 لما بقي له فيها من الاستمتاع 55. قوله: (وإن كَانَ بعِتْقِهَا فَلا غُرْمَ) أي: لأنهما إنما أتلفا عليه استمتاعها وهو لا يقوّم، وهو قول الأكثر، ولابن القَاسم 56 في الموازية: أنهما يغرمان قيمتها كما لو قتلاها 57. قوله: (أَوْ بِعِتْقِ مُكَاتَبٍ فَالْكِتَابةُ) أي: فإن شهدا بعتق مكاتب 58 فقضى بذلك ثم رجعا 59 فإنهما يغرمان ما فوتاه على السيد، وهو ما كان على المكاتب من عين أو عرض على حسب ما كوتب به 60، قال في الموازية: يؤديانه على النجوم، وقاله عبد الملك 61. قوله: (وإنْ كَانَ بِبُنُوَّةٍ، فَلا غُرْمَ، إِلا بَعْدَ أَخْذِ المالِ بإِرْثٍ) مراده: أن من ادعى أنه ابن رجل وهو ينفيه فشهد له اثنان أن الرجل المدعى أَبوته قد 62 أقر أنه ابنه فحكم بذلك ثم رجعا بقرب ذلك ولم يمت الأب فلا شيء عليهما لأنهما لم يفوتا عليه شيئًا، فلو مات الأب فأخذ المال بشهادتهما بالميراث ومنع العصبة، ثم رجعا فإنهما يغرمان للعصبة ما أتلفا عليهم من الإرث الواجب لهم يوم يموت ذلك الرجل 63، وإن لم يكن للولد مشارك غرم جميع ما أخذه الولد لبيت 64 المال.
الجزء: 5 - الصفحة: 189
(المتن)
إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا فَقِيمَتُهُ أَوَّلًا، ثُمَّ إِنْ مَاتَ وَتَرَكَ آخَرَ فَالْقِيمَةُ لِلآخَرِ، وَغَرِمَا لَهُ نِصْفَ الْبَاقِي.
وَإنْ ظَهَرَ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ أُخِذَ مِنْ كُلٍّ نِصْفُهُ، وَكُمِّلَ بِالْقِيمَةِ، وَرَجَعَا عَلَى الأَوَّلِ بِمَا غَرِمَهُ الْعَبْدُ لِلْغَرِيم، وإنْ كَانَ بِرِقٍّ لِحُرٍّ فَلا غُرْمَ، إِلَّا لِكُل مَا اسْتُعْمِلَ وَمَالٍ انْتُزِعَ، وَلا يَأْخُذُهُ الْمَشْهُودُ لَهُ، وَوُرِثَ عَنْهُ، وَلَهُ عَطِيَّتُهُ، لا تَزَوُّجٌ.
وَإنْ كَانَ بِمِائَةٍ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو، ثُمَّ قَالا لِزَيْدٍ غَرِمَا خَمْسِينَ لِعَمْرٍ وفَقَطْ، وإن رَجَعَ أَحَدُهُمَا غَرِمَ نِصْفَ الْحَقِّ، كَرَجُل مَعَ نِسَاءٍ، وَهُوَ مَعَهُن فِي الرَّضَاعِ كَاثْنَتَيْنِ، وَعَنْ بَعْضِهِ غَرِمَ نِصْفَ الْبَعْضِ، وَإِنْ رَجَعَ مَنْ يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ بِعَدَمِهِ فَلا غُرْمَ، فَإذَا رَجَعَ غَيْرُهُ فَالْجَمِيعُ،