قوله: (والْمُسْلِمُ يَوْمَ الْوَصِيَّةِ فِي عَبِيدِهِ الْمُسْلِمِينَ) أشار بهذا إِلي قوله في المدونة: وإن قال في وصيته: إن مت فكل مملوك لي مسلم حر، وله عبيد مسلمون ونصارى، ثم أسلم بعضهم قبل موته لم يعتق منهم إلا من كان يوم الوصية مسلمًا 3. قوله: (لا الْمَوَالي فِي تَمِيمٍ، أَوْ بَنِيهِمْ) يريد: أن من أوصى لقبيلة من قبائل العرب كقوله: إن عبيدي 4 لتميم أو لبني تميم، فإن مواليهم لا يدخلون 5 للعرف، وقاله مالك وابن القاسم في المدونة 6، وقال عبد الملك يدخلون لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "موالي القوم منهم"، وقال أشهب: يدخلون في قوله لتميم لا في قوله: لبنيهم 7، وأعابه عبد الملك،12
الجزء: 5 - الصفحة: 548
لأن من القبائل من) لا يحسن أن يقال فيها: بنو فلان كقيس وربيعة وجُهَيْنة) ومزينة) وغيرهم 8.
قوله: (ولا الْكَافِرُ فِي ابْنِ السَّبِيلِ) أي: وكذا لا يدخل 9 الكافر إذا أوصى لابن السبيل بل يختص بالمسلمين.
قوله: (ولَمْ يَلْزَمْ تَعْمِيمٌ، كَغزاةٍ، واجْتَهَدَ) يعني: إذا أوصى للغزاة أو للفقراء أو لقبيلة كبيرة، فإنه لا يلزم تعميم الجميع 10 لتعذر التعميم عادة، لكن يجتهد في ذلك 11، أما القبيلة التي يمكن حصرها فإنه يلزم تعميمها 12.
قوله: (كَزَيْدٍ مَعَهُمْ) هكذا قال في المدونة فيمن قال: ثلث مالي لفلان، والمساكين أو في السبيل، والفقراء واليتامى فإنه يقسم بينهم بالاجتهاد لا أثلاثًا ولا أنصافًا 13. ورأى 14 أن ضم المعلوم إلى المجهول قرينة تدل على أن الموصي أراد بهذه الوصية سدّ خلة الموصى له، لأنّ القسمة على هذا 15 المجهول بالاجتهاد 16 وكذلك نصيب المعلوم إذا انضم إليه كذلك 17.
قوله: (ولا شَيْءَ لِوَارِثهِ قَبْلَ الْقَسْمِ) أي: فإن مات زيد قبل أن يقسم 18 مال الميت 19 فلا شيء لوارثه، والثلث كله للمساكين 20. ابن عبد السلام: وهذا يحسن إذا
الجزء: 5 - الصفحة: 549
كان زيد فقيرًا، وأما إن كان غنيًا فينبغي أن يكون سهمه 21 مملوكًا له بموت الموصي 22، إذا قبله هو قبل أن يموت أو قبله وارثه 23 بعد موته.
قوله: (وضُرِبَ لِمَجْهُولٍ فَأَكثَرَ بِالثُّلُث) أي: فإن كان في وصايا الميت مجهول فأكثر 24 كوقود مصباح على الدوام وتفرقة خبز كذلك أو سبيل 25 ماء ونحوه، فإنه يضرب لذلك المجهول فأكثر 26 مع الوصايا بالثلث، لأنه الذي يملكه الموصي، وهذا هو المشهور.
وقال أشهب: يضرب له بالجميع 27. وهو مقتضى النظر، فإنه بالوجه الذي يقدر أن الموصي أوصى فيه بالثلث، وإن كان لم يصرح به فبذلك الوجه يكون 28 موصى 29 بالكل، ليستغرق الجميع 30 والفرض 31 أن الوصية بالجميع لها أثر بتقدير الإجارة والحصاص، قاله ابن عبد السلام، وقال اللخمي: الأول أبين وليس قصد الميت أن يخرج ولده وأهله من جميع المال 32. واختلف هل يضرب لجميع المجهولات 33 بالثلث 34، أو لكل واحد منها بالثلث، أو لكل 35 صنف منها بجميع المال؟ على ثلاثة أقوال.
وفي الموازية: إذا قال للوقيد نصف درهم في كل يوم، ولسقي
الجزء: 5 - الصفحة: 550
الماء كل يوم كذلك، ولتفرقة الخبز كل يوم درهم فإنهم يتحاصون أثلاثًا 36، وهو اختيار التونسي 37، وقيل: يقسم على عددها ونحوه لابن الماجشون في المجموعة 38، وإلى هذا الخلاف أشار بقوله: (وهَلْ يقْسَمُ عَلَى الحصة، قَوْلانِ) أي: على الحصة أو العدد وهو ظاهر.
قوله: (والْمُوصَى بِشِرَائِهِ لِلْعِتْقِ يُزَادُ لِثُلُثِ قِيمَتِهِ) يريد: أن الموصي إذا قال في وصيته اشتروا عبد فلان وأعتقوه فإن باعه سيده بالقيمة فلا كلام وإلا فإنه يزاد على ذلك ثلث قيمته 39، وهو المشهور، وقال ابن وهب: يزا د إلى ثلث الميت، واستحسنه أصبغ إذا قال الميت: اشتروه بالغًا ما بلغ 40.
قوله: (ثُمَّ اسْتُؤْنِيَ) أي: فإن أبى سيد العبد من بيعه استؤني بثمنه، وبالزيادة 41، وهذا هو المشهور، وقال أشهب: لا يستأني 42، والأول مذهب المدونة، قال فيها: إذا استؤني بثلث 43 ثمنه، قالوا: معناه: وبالزيادة، فإن لم يبعه ربه رجع ميراثًا، وروى ابن وهب عن مالك: يوقف الثمن ما رجي بيع العبد إلا أن يفوت بعتق أو موت، سحنون: وعليه أكثر الرواة 44.
قوله: (ثُمَّ وُرِثَ) أي: الثمن، والزيادة، وهو المشهور، وقال ابن كنانة: إذا امتنع سيده من بيعه جعل ثمنه وثلث ثمنه في رقاب 45.
الجزء: 5 - الصفحة: 551
قوله: (وبَيْعٍ مِمَّنْ أَحَبَّ بَعْدَ النَّقْصِ كالإِبايَةِ) أي: فلو كان الإيصاء ببيع عبده ممن أحب العبد أن يباع له، فإن النقص 46 يعد 47 كالإباية كما يزاد في المسألة السابقة ثلث قيمة العبد، كذلك يحط هنا ثلث قيمته 48، وقال ابن وهب: ثلث الميت 49 كما سبق، فإن أبى من أحب العبدُ أن يباع له إلا بوضيعة أكثر من ثلث 50 قيمته 51، ورجع ذلك ميراثًا، ورواه غير واحد عن مالك 52، وعنه أيضًا وهو قول ابن القاسم في المدونة أن الورثة يخيرون بين بيعه 53 بأقل أو يعتقوا ثلث العبد بكذا 54. وهذا الخلاف مقيد بما إذا لم يوجد من يشتري العبد البتة، فأما لو أحب العبد شخصًا آخر غير الأول فله ذلك، ولثالث ولرابع، وما لم يطل، ويضر بالورثة، وقاله أشهب 55.
قوله: (واشْتِرَاءٍ لِفُلانٍ وأَبَى بُخْلًا بَطَلَتْ، ولزِيَادَةٍ فَلِلْمُوصَى لَهُ) أي: فلو أوصى أن يشتري من ماله عبد زيد مثلًا لعمر فإنه يزاد في قيمته مقدار ثلثها إن لم يبعه إلا بذلك 56، فإن أبَى زيد 57 أن يبيعه بخلًا 58، فإن الوصية تبطل وإن أبى لزيادة في الثمن على مقدار الثلث 59 فإن المبذول 60 كله يدفع للموصى له، لأن قصد الموصي = وكذلك بيعه من فلان إلا أن يعين فإنه لا يعلم).
وانظر: البيان والتحصيل: 13/ 218.
الجزء: 5 - الصفحة: 552
منفعته بالعبد مباشرة، وجعل الثمن وسيلة، فلما سقط المقصد بقيت الوسيلة واقتصر عليها وهو الثمن 61، وقال أشهب: يوقف، فإن أيسر 62 رجع ميراثًا، وقد تقدم في مسألة من قال: اشتروا عبد فلان للعتق أن ابن وهب قال: يزاد إلى ثلث الميت، وإن أصبغ استحسنه إذا قال: اشتروه بالغًا ما بلغ، وخلافهما 63 منصوص عليه كما تقدم 64.
قوله: (وبيعهُ للِعِتْقِ نُقِّصَ ثُلُثُهُ وَإِلا خُيَّرَ الورثة فِي بَيْعِهِ، أَوْ عِتْقِ ثُلُثِهِ) أشار بهذا إلى أن الموصي تارة يوصي ببيع عبده لمن يعتقه، وتارة يوصي ببيعه من فلان وأنه 65 إذا أوصى ببيعه للعتق فإنه يحط من ثمنه مقدار الثلث، ابن عبد السلام: واتفقوا هنا على مقدار النقص أنه ثلث ثمنه 66، وبه يترجح قول ابن القاسم فيما تقدم.
قوله: (وَإِلا) أي: وإن لم يوجد من يشتري العبد 67 بوضيعة ثلث ثمنه خير الوارث بين بيعه بما طلب المشتري وبين عتق ثلث العبد بتلًا، ولم يختلف في ذلك قول مالك 68، وقاله ابن القاسم في المدونة 69، والموازية، محمد 70: وإنما اختلف قوله بما 71 هو أصوب، وبه أخذ أكثر أصحابه، فروى عنه أشهب أنه إن حملهم الثلث ولم يجدوا من يأخذه بوضيعة ثلث الثمن واستؤني به فإن لم يوجد فلا شيء عليهم فيه، وإن لم يحمله خيروا بين بيعه بوضيعة ثلث ثمنه، وإلا أعتقوا منه مبلغ ثلث الميت كله، والحكم في المسألة الثانية كالأولى، إلا في صورة واحدة، وهي أن الورثة يخيرون في الأولى بين بيعه بما طلب المشتري وبين عتق ثلث العبد، وفي الثانية يخيرون بين بيعه بما طلب فلان أو
الجزء: 5 - الصفحة: 553
يسلمون له ثلث العبد 72.
وإليه أشار بقوله: (أَوِ الْقَضَاءِ بِهِ لِفُلانٍ) أي: بثلث العبد لفلان، وقوله: (لَهُ) أي: في قوله: (بيعوه لفلان)، وقال أشهب: في هذا أيضًا 73 يرجع ميراثًا، وهو ظاهر.
قوله: (وبِعِتْقِ عَبْدٍ لا يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ الْحاضِرِ وُقِفَ، إِنْ كانَ لأَشْهُرٍ يَسِيرَةٍ) يريد: أن من ترك مالًا حاضرًا وغائبًا، وأوصى بعتق عيد وهو لا يخرج مثي ثلث الحاضر 74، ويخرج من ثلث الجميع، فإنه يوقف إذا رجي اجتماع جميع المال في أشهر يسيرة فيعتق بقيمة العبد، وإن كان لا يجتمع إلا بعد أشهر كثيرة، ابن المواز، أو سنة 75 فإنه يعجل بعتق ما قابل ثلث الحاضر، ثم مهما 76 قدم من المال الغائب شيء عتق من العبد مقدار ثلثه حتى يكمل عتقه 77.
قوله: (وإِلا عُجِّلَ عِتْقُ ثُلُثِ الحاضِر ثم يتم منه) 78 أي: وإذا كان لأشهرٍ كثيرة عجل عتق 79 ثلث الحاضر أي: ما قابل ثلث الحاضر 80 من العبد ثم تمم منه أن تمم 81
الجزء: 5 - الصفحة: 554
عتقه من المال الغائب إذا حضر، وهذا الذي ذكره هو قول ابن القاسم، وقال أشهب: لا يوقف بل 82 يعجل من عتق العبد مقدار ثلث ما حضر حتى أنه لو لم يحضر إلا العبد عتق منه الثلث، فإذا قدم 83 شيء أعتق من 84 بقية العبد في ثلث القادم 85، والأكثر أنه خلاف لما قبله 86، وترجح 87 أبو عمران: في كونه تفسيرًا 88، أو خلافًا 89. قوله: (ولَزِمَ إِجَازَةُ الْوَارِثِ بِمَرَضٍ لَم يَصِحَّ بَعْدَهُ) يريد: أن المريض إذا أوصى بأكثر من ثلثه أو لوارث 90 فأجاز ذلك ورثته في حياته ثم مات من مرضه ذلك 91 ولم يصح بعده، فإن تلك الإجازة تلزم الورثة كما تلزمهم لو أجازوا بعد الموت، وهو الأشهر، وبه قال في الموطأ 92 والمدونة 93 وغير هما، وقيده عبد الوهاب بالمرض المخوف، وأما غيره فكالصحيح 94، وقال عبد الملك: لا يلزم ذلك الورثة، أما إذا صح 95 بعد مرضه ذلك فإن الإجازة لا تلزمهم 96، ونص عليه ابن القاسم وقال 97 ابن كنانة لكنهم يحلفون أنهم ما سكتوا رضا بذلك 98.
الجزء: 5 - الصفحة: 555
قوله: (إِلا لِتبَيُّنِ عُذْرٍ بِكَوْنِهِ فِي نَفَقَتِهِ، أَوْ دَيْنِهِ أَوْ سُلْطَانه) يريد: أن ما تقدم من اللزوم مشروط بأن لا يكون للوارث عذر في الإجازة بكونهم في نفقة المريض أو عليهم دينه أو خوف من سلطانه، فقالوا: خفنا يقطع عنا نفقته أو يطالبنا بدينه أو خشينا سلطانه ونحوه، فإنه حينئذ لا يلزمهم ما أجازوه للعذر، انظر الكبير.
قوله: (إِلا أَنْ يَحْلِفَ مَنْ يَجْهَلُ مِثْلُهُ أَنَّ لَهُ الرَّدُّ) يشير به إلى أن الوارث لو قال بعد أن أجاز الوصية في حال تلزمه فيه الإجازة ما علمت أن لي رد الوصية، ومثله يجهل فإنه يحلف على ذلك ولم يلزمه شيء 99، واحترز بقوله: (يجْهَلُ مِثْلُهُ) مما إذا لم يجهل ذلك فإنه لا رجوع له وليس له عذر يقبل 100.
قوله: (لا بِصِحَّةٍ ولَوْ لكَسَفَرٍ) أي: فإن إجازتهم في الصحة لا تلزم 101 لعدم جريان السبب ونحوه في الموطأ 102، وعن مالك أنه لزم، ومثله في الموازية فيمن قال: ما أرث من فلان صدقة عليك، وفلان صحيح، يلزمه إذا كان في غير اليمين، اللخمي: والأول أشهر، والثاني: أقيس 103.
وقوله: (ولو لكسفر) فإن أجاز ذلك الورثة في الصحة بسبب كسفر أو غزو أو نحوه حصل للموصي فإن ذلك لا يلزمه لأنه صحيح، وقاله محمد.
أصبغ 104: وهو الصواب 105.
الجزء: 5 - الصفحة: 556
(المتن)
وَالْوَارِثُ يَصِيرُ غَيْرَ وَارِثٍ، وَعَكْسُهُ الْمُعْتَبَرُ مَآلُهُ وَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَاجْتَهَدَ فِي ثَمَنِ مُشْتَرًى لِظِهَارٍ، أَوْ تَطَوُّعٍ بِقَدْرِ الْمَالِ، فَإِنْ سَمَّى فِي تَطَوُّعٍ يَسِيرًا، أَوْ قَلَّ الثُّلُثُ شُورِكَ بِهِ فِي عَبْدٍ، وَإِلَّا فَآخِرُ نَجْمِ مُكَاتَبٍ، وَإِنْ عَتَقَ فَظَهَرَ دَيْنٌ يَرُدُّهُ أَوْ بَعْضَهُ رُقَّ الْمُقَابِلُ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ اشْتِرَائِهِ وَلَمْ يُعْتَقِ اشْتُرِيَ غَيرُهُ لِمَبْلَغِ الثُّلُثِ، وَبِشَاةٍ أَوْ عَدَدٍ مِنْ مَالِهِ شَارَكَ بِالْجُزْءِ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَا سَمَّى فَهُوَ لَهُ؛ إِنْ حَمَلَهُ الثُّلُثُ، لَا ثُلُثُ غَنَمِي فَتَمُوتُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَنَمٌ فَلَهُ شَاةٌ وَسَطٌ، وَإِنْ قَالَ مِنْ غَنَمِي وَلَا غَنَمَ لَهُ بَطَلَتْ، كَعِتْقِ عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ فَمَاتُوا.