قوله: (وَللْحَج حُضُورُ جُزْءِ عَرَفَةَ سَاعَةً لَيْلَةَ النَّحْرِ) يريد أن الحج يشترك مع العمرة فيما تقدم من الأركان الثلاثة التي هي الإحرام والطواف والسعي، ويختص عنها بركن واحد وهو حضور جزء من عرفة في جزء من ليلة النحر ولو مرورًا 10 بها إن نوى123456789
الجزء: 2 - الصفحة: 191
الوقوف، فقوله 11: (جزء عرفة) إشارة إلى قوله عليه الصلاة والسلام: "عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة" 12. ابن الجلاب: ولا فضيلة لموضع منها على غيره 13. وقال ابن حبيب: يقف عند الهضبات وسفح الجبل وحيث يقف الإمام افضل 14. وأشار بقوله: (سَاعَةً لَيْلَةَ النَّحْرِ) إلى أن الوقوف الركني أدناه 15 حضور في جزء من الليل بعرفة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "من أدرك عرفة قبل الفجر فقد أدرك الحج، ومن فاته الوقوف بليل فقد فاته الحج" 16، وفي المدونة: إن تعمد ترك الوقوف حتى دفع الإمام أجزأه إن وقف ليلًا وقد أساء وعليه هدي 17.
الجزء: 2 - الصفحة: 192
وقال سحنون: لا يهدي 18، ولو وقف نهارًا ثم دفع قبل الغروب ولم يرجع ليقف جزءأ من الليل إلى أن طلع 19 الفجر من ليلة النحر، فقد فاته الحج ويحج قابلًا ويهدي وإن رجع فوقف قبل الفجر أجزأه ولا هدي عليه، وقاله في المدونة 20، وقال أصبغ: أحب إليَّ أن يهدي 21.
قوله: (وَلَوْ مَرَّ إِنْ نَوَاهُ) إشارة إلى أن من مر بعرفة ليلة النحر يجزنه ذلك ولو لم يلبث فيها 22. يريد: إذا عرف أنها عرفة ونوى الوقوف بها 23.
قوله 24: (أوْ بِإِغْماءٍ قَبْلَ الزَّوَالِ) يريد: أن من أغمي عليه قبل الزوال فوُقِف به بعرفات أجزأه، وهو المشهور؛ لأن الإغماء إذا طرأ على الإحرام لا يضر باتفاق، وقد دخلت نية الوقوف في نية الإحرام، ولذلك 25 يجزئ النائم، وعن عبد الملك ومطرف: أن من أغمي عليه قبل الزوال واتصل به إلى طلوع الفجر لا يجزئه ذلك 26. ونبه بقوله: (قبل الزوال) على أن الإغماء لو كان بعد الزوال أجزأه من باب الأولى.
قوله: (أو أخْطَأَ الْجَمُّ بِعَاشِرٍ فَقَطْ) المراد بالجم الجماعة الكثيرون، وفسر ذلك بعضهم هنا بجماعة أهل الموسم، ومعناه أن أهل عرفة إذا أخطؤوا كلهم فوقفوا يوم النحر وهو العاشر من ذي الحجة فإنه يجزئهم، وأشار بقوله (فقط) إلى أنهم لو وقفوا 27 الثامن لا يجزئهم، وهو المعروف في المسألتين، وقيل: يجزئ فيهما، وقيل: لا يجزئ فيهما 28.
الجزء: 2 - الصفحة: 193
قوله: (لا الجْاهِلُ كَبَطْنِ عُرَنَةَ) أي: فلا يجزئ الجاهل بعرفة كوقوفه ببطن عرنة، وإنما لم يجزئ الجاهل؛ لأنه لا بد له من علمه بعرفة ليستشعر القربة، وهو قول محمد لعدم النية، وعن مالك قول بالإجزاء بناء على عدم اشتراط العلم بعرفة 29، وإنما لم يجزئ الوقوف ببطن عرنة لقوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: "عرفة كلها موقف وارتفعوا عن بطن عرنة 30 " 31، ولأن 32 عرنة في الحرم فلا يجزئ الوقوف فيه، وحكى ابن المنذر عن مالك أن الوقوف ببطن عرنة يجزئ مع الدم.
وفي الجلاب: يكره ذلك ومن وقف به أجزأه، قال 33: وبطن عرنة هو المسجد الذي يصلي فيه الإمام 34، وإليه أشار بقوله: (وَأَجْزَأَ بِمَسْجِدِهَا بِكُرْهٍ) أي: وأجزأ الوقوف بمسجد عرنة مع كراهة، وعن مالك: لم يصب من وقف بمسجد عرنة، قيل له: فإن فعل حتى دفع من عرفة، قال: لا أدري، وقال أصبغ: لا حج له، ورآه من بطن عرنة 35. محمد: ويقال إن حائطه القبلي على حد عرفة ولو سقط لسقط فيها 36.
اللخمي: وعلى هذا يجزئ الوقوف به 37 لأنه من الحل، وكذا عند ابن مزين 38 أنه يجزئ الوقوف فيه 39.
قوله: (وَصَلَّى وَلَوْ فَاتَ) يشير به إلى أن 40 من قرب من عرفة قرب الفجر فذكر صلاة إن صلاها طلع الفجر وفاته الوقوف، وإن مضى إلى عرفات 41 فاتته الصلاة،
الجزء: 2 - الصفحة: 194
المشهور ما قاله أنه يصلي ولو فاته الوقوف.
وقال محمد: هذا إن كان بعيدًا من جبال عرفة وإن كان قريبًا وقف بها وصلى، وعن محمد بن عبد الحكم إن كان من أهل مكة وما حولها بدأ بالصلاة، وإن كان من أهل الآفاق مضى إلى عرفة ووقف بها ثم صلى 42، وقال عبد الحميد 43: يصلي إيماءً كالْمُسايِف 44.
قوله: (وَالسُّنَّةُ غُسْلْ مُتَّصِلٌ) أي: السنة في الإحرام غسل متصل به، وإنما حذفه لدلالة ما تقدم عليه، قال في المدونة: ومن أراد الإحرام من رجل أو امرأة فليغتسل سواء 45 كانت المرأة حائضًا أو نفساء، ولم يوسع مالك في ترك الغسل إلا من ضرورة 46، وإنما طلب فيه الاتصال؛ لأنه للنظافة، فينبغي فيه الاتصال لتظهر معقوليته.
قوله: (وَلا دَمَ) أي: في تركه 47؛ يريد 48 سواء تركه عمدًا أو نسيانًا، ورواه محمد عن مالك، سحنون: وقد أساء 49.
قوله: (وَنُدِبَ بِالْمَدِينَةِ لِلْحُلَيْفِيٍّ 50) يريد: أن من كان ميقاته من ذي الحليفة كأهل المدينة فإنه يستحب له أن يغتسل بالمدينة، وهو ظاهر المدونة 51.
عياض: ثم 52 يسير من فوره، وبه فسر سحنون وعبد الملك المدونة 53.
قوله: (وَلدُخُولِ غَيْرِ حَائِضٍ مَكةَ بِطُوًى، وَللْوُقُوفِ) يريد: أن اغتسالات الحج
الجزء: 2 - الصفحة: 195
ثلاثة؛ واحد للإحرام كما تقدم، والثاني لدخول مكة، والثالث للوقوف بعرفة وذلك مسنون لكل من عقد الإحرام على نفسه إلا الحائض فإنها لا تغتسل لدخول مكة؛ إذ لا يصح منها الطواف كما أشار إليه، ومثلها النفساء.
قوله: (بِطُوًى) أي: ليكون غسله بدخول 54 مكة متصلًا، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك، ومن لم يأتِ 55 على ذي طوى اغتسل بمقدار 56 ما بينهما، وطوى هذه أحد أرباض 57 مكة، يقال بضم الطاء وكسرها وفتحها.
قوله: (وَلُبْسُ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ) هذه هي السُّنَّة الثانية من سنن الإحرام وهو أن يتجرد من 58 مخيط الثياب ويلبس إزارا ورداء ونعلين.
يريد: أن النعل 59 الرجل.
قوله: (وَتَقْلِيدُ هَدْيٍ، ثُمَّ إِشْعَارُهُ، ثُمَّ رَكْعَتَانِ) يريد أن من أراد أن يحرم ومعه هدي تطوع فإن السنة في حقه أن يقلده ثم يشعره إن كان مما 60 يشعر، ثم يصلي ركعتين عقيبه ثم يحرم ليقع الإحرام عقيب الركعتين كما قاله في المدونة، زاد فيها: وكل ذلك واسع 61؛ أي: الترتيب الذي ذكره وهو تقديم التقليد ثم الإشعار ثم ركعتين 62. وقال ابن رشد: الصواب أن يقدم التقليد على الإشعار 63، ولهذا قال هنا: (ثم إشعاره)، وكذلك 64 في المبسوط لمالك تقديم الركعتين على التقليد والإشعار، وقد 65 نبه بقوله: (ثم ركعتان) على أن المستحب أن يكون الإحرام إثر نافلة ليكون له صلاة تخصه
الجزء: 2 - الصفحة: 196
فلو أحرم عقيب فرض أجزأه، وإليه أشار بقوله: (وَالْفَرْضُ مُجْزِئ) أي: عن النافلة، وقيل: لا ترجيح للنافلة على الفريضة، وهذه هي السنة الثالثة.
قوله: (يُحْرِمُ إِذَا اسْتَوَى، وَالْمَاشِي إِذَا مَشَى) يشير إلى 66 أن الراكب لا يحرم حتى يستوي على ظهر دابته، فإذا استوى عليها أحرم ولا يتوقف على مسير دابته على المشهور، خلافًا لابن حبيب، وأن الماشي لا يحرم حتى يأخذ في المشي 67 متوجهًا للذهاب، وقاله في المدونة 68، والفرق أن الراكب لا يركب في الغالب إلا للمسير والماشي يسعى في حوائجه، فشروعه في الذهاب كاستواء الآخر على الدابة.
قوله: (وَتَلْبِيةٌ) هذه هي السنة الرابعة من سنن الإحرام وهي التلبية، وهكذا روي عنه عليه الصلاة والسلام.
والسنة الخامسة أن يجدد التلبية عند كل صعود وهبوط وحدوث حادث، وخلف الصلوات، وملاقاة الأصحاب وإذا سمع ملبيًا، وإلى هذا أشار بقوله: (وَجُدِّدَتْ لِتَغَيُّرِ حَالٍ، وَخَلْفَ صَلاةٍ) هكذا قال ابن شاس 69 أن التجديد سنة على حالها 70، لكن ظاهر كلامه أنه من تمام السنة الرابعة.
قوله: (وَهَلْ لِمَكَّةَ أَوْ لِلطَّوَافِ؟ خِلافٌ) أي: أنه اختلف في أي موضع يكف عن التلبية، ففي المدونة: لا يقطعها 71 حتى يبتدئ الطواف 72. وفي الرسالة: يقطع إذا دخل مكة 73، وشهره ابن بشير 74، ولهذا قال: (خلاف).
الجزء: 2 - الصفحة: 197
(المتن)
وَإِنْ تُرِكَتْ أَوَّلَهُ فَدَمٌ إِنْ طَالَ، وَتَوَسُّطٌ فِي عُلُوِّ صَوْتِهِ.
وَفِيهَا، وَعَاوَدَهَا بَعْدَ سَعْيٍ وَإِنْ بِالْمَسْجِدِ لِرَوَاحِ مُصَلَّى عَرَفَةَ، وَمُحْرِمُ مَكَّةَ يُلَبِّي بِالْمَسْجِدِ، وَمُعْتَمِرُ الْمِيقَاتِ، وَفَائِتِ الْحَجِّ لِلْحَرَمِ، وَمِنَ الْجِعِرَّانَةِ وَالتَّنْعِيمِ لِلْبُيُوتِ، وَلِلطَّوَافِ الْمَشْي، وَإِلَّا فَدَمٌ لِقَادِرٍ لَمْ يُعِدْهُ.
وَتَقْبِيلُ حَجَرٍ بِفَمٍ أَوَّلَهُ، وَفِي الصَّوْتِ قَوْلانِ.
وَلِلزَّحْمَةِ يَمَسُّ بِيَدٍ، ثُمُّ عُودٍ وَوَضعهما عَلَى فِيهِ، ثُمَّ كَبَّرَ وَالدُّعَاءُ بلا حَدٍّ، وَرَمَلُ رَجُلٍ فِي الثَّلاثَةِ الأُؤلِ، وَلَوْ مَرِيضًا وَصَبِيًّا حُمِلَا، وَلِلزَّحْمَةِ الطَّاقَةُ، وَلِلسَّعْيِ تَقْبِيلُ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ، وَرُقِيُّهُ عَلَيْهِمَا، كَامْرَأَةٍ إِنْ خَلا، وَإِسْرَاعٌ بَيْنَ الأَخْضَرَيْنِ فَوْقَ الرَّمَلِ، وَدُعَاءٌ.