قوله: (وَلِلإِمَامِ المُهَادَنَةُ لِمَصْلَحَةٍ) أشار بهذا إلى أن عقد الهدنة لا يتولاه إلا الإمام بشرط احتياج المسلمين إليه، وهو مراده بالمصلحة، فإن كان المسلمون مستظهرين على العدولم تجز المهادنة وإن بذل العدو المال.
والمهادنة: المصالحة 5.
قوله: (إِنْ خَلا عَنْ كَشَرْطِ بَقَاءِ مُسْلِمٍ) يريد أن عقد الهدنة مقيد بخلوه عن شرط فاسد وإلا فلا تجوز كما إذا شرطوا بقاء مسلم في أيديهم أو قرية من قرى المسلمين أو نحو ذلك من الشروط الفاسدة، قال ابن الماجشون: إذا كان الإمام على رجاء من فتح حصن لم ينبغِ له أن يصالحهم على مال، وإن كان على إياس منه لضعفه أو لامتناعهم أو لما يخاف أن يدهمهم من العدو فعل 6. وليس يحرم عليه أن يجبر عليهم إذا كان ذا قوة1234
الجزء: 2 - الصفحة: 516
فقد فعل ذلك 7 قال في كتاب محمَّد: ولقد طلب الطاغية المهادنة من عبد الله بن هارون وبذلوا مائة ألف دينار كل عام، فشاور الفقهاء في ذلك 8 فقالوا له: الثغور اليوم عامرة؛ فيها أهل البصائر وأكثرهم نازعون من البلدان، فمتى انقطع عنهم الجهاد تفرقوا وخلتِ الثغور للعدو، والذي يصيب أهلُ الثغور منهم أكثرَ من مائة ألف دينار 9، فصوب ذلك ورجع إلى رأيهم 10.
قلت: فعلى هذا تجوز المهادنة بالمال إذا لم يخف على المسلمين من ذلك، فأمَّا مع توقع الخوف فلا، وإليه أشار بقوله: (وَإِنْ بِمَالٍ، إِلا لِخَوْفٍ).
قوله: (وَلا حَدَّ) يريد أن مدة المهادنة بالمال 11 لا تتحدد بزمن مؤقت، وإنما ذلك موكول إلى اجتهاد الإمام وما يراه الأصلح 12 من طول المدة وقصرها.
أبو عمر 13: ويستحب ألا تكون مدتها أكثر من أربعة أشهر، إلا مع العجز 14. وإليه أشار بقوله: (وَنُدِبَ أَلا تَزِيدَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ)، ثمَّ 15 قال أبو عمر 16: ويجب الوفاء بالشروط إلى آخر المدة، إلا أن يستشعر خيانة منهم فله أن ينبذ العهد إليهم وينذرهم 17. وإلى هذا أشار بقوله: (وَإِنِ اسْتَشْعَرَ خِيَانَتَهُمْ نَبَذَهُ وَأَنْذَرَهُمْ، وَوَجَبَ الْوَفَاءُ)، وأما قوله: (وَإِنْ بِرَدِّ رَهَائِنَ، وَلَوْ أَسْلَمُوا) فيشير به إلى أن الكفار لو رهنوا عندنا رهائن حتى يفرغ ما بيننا وبينهم ثمَّ نردهم لهم، فإنَّه يجب علينا الوفاء بذلك ونردهم إليهم؛ ولو أسلموا وأبوا الرجوع.
الجزء: 2 - الصفحة: 517
قوله: (كَمَنْ أَسْلَمَ، وإن رَسُولًا) أي: ولو شرطوا أن يرد إليهم من أسلم فإنَّه يرد، ولو كان رسولًا وفاءً بالعهد.
قوله: (إِنْ كَانَ ذَكَرًا) احترازًا من المرأة فإنها لا ترد إليهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10]، وقيل: يردون مطلقًا، وقيل: لا مطلقًا 18. ابن الماجشون: ولا يوفى لهم بذلك، وهو جهل ممن فعله 19.
قوله: (وَفُدِيَ بِالْفَيْءِ، ثُمَّ بِمَالِ المُسْلِمِينَ ثُمَّ بِمَالِهِ) نصَّ مالك وغيره على أن ذلك واجب على المسلمين بما قدروا عليه، وسماه أشهب 20 نافلة 21. ابن رشد: ويبدأ 22 بالفداء من بيت المال، فإن عجز عنه بيت المال فهو على جميع المسلمين على قدر أموالهم، والأسير كأحدهم، فإن منع هذا وجب عليه أن يفدي نفسه 23. وهذا هو مراده بالترتيب الذي ذكره.
وفي الاستذكار: تقديم مال الأسير على جماعة المسلمين في فداء نفسه 24.
قوله: (وَرَجَعَ بِمِثْلِ المِثْلِيِّ وَقِيمَةِ غَيْرِهِ) أي: ورجع الفادي على الأسير 25 بمثل ما فداه به 26 إن كان مثليًّا وبقيمته إن كان مقوَّمًا، وهو مراده بـ (غيره)؛ لأنَّ غير المثلي هو المقوم.
قوله: (عَلَى المَلِيِّ وَالمُعْدِمِ، إِنْ لَمْ يَقْصِدْ صَدَقَةً) هو متعلق بقوله: (ورجع)، لكن الرجوع على المعدم باعتبار أَنه يُتْبَع في 27 ذمته فإذا أيسر أُخذ منه ذلك، ولا يسقط لفقره، وسواء كان أجنبيًّا أو قريبًا غير محرم إلا أن يقصد الصدقة فلا رجوع.
الجزء: 2 - الصفحة: 518
(المتن)
وَلَمْ يُمْكِنِ الْخَلَاصُ بِدُونِهِ، إلَّا مَحْرَمًا أَوْ زَوْجًا إِنْ عَرَفَهُ أَوْ عَتَقَ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ وَيَلْتَزِمَهُ، وَقُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ فِي غَيْرِ مَا بِيَدهِ عَلَى الْعَدَد؛ إنْ جَهلْوا قَدْرَهُمْ.
وَالْقَوْلُ لِلأَسِيرِ فِي الْفِدَاءِ أَوْ بَعْضِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ.
وجاز بِالأَسْرَى الْمُقَاتِلَةِ وَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ عَلَى الأَحْسَنِ، وَلَا يُرْجَعُ بِهِ عَلَى مُسْلِمٍ وَفِي الْخَيْلِ وَآلَةِ الْحَرْبِ قَوْلَانِ.