قوله: (وَضَمِنَ إِنْ أَقْبَضي الدَّيْنَ، وَلم يُشْهِدْ وَجَحَدَهُ رَبُّ الدَّيْنِ 2) يريد: أن الوكيل إذا أقبض رب 3 الدين عن موكله ولم يُشهد على إقباضه 4 فإنه يضمنه أي إن جحده القابض وقيل لا يضمن وذكره غير واحد وأشار بعضهم 5 إلى أنه لا يختلف في سقوط الضمان إذا 6 كانت العادة ترك الإشهاد، وإنما يختلف إذا كانت العادة جارية بالإشهاد وعدمه أو 7 لم تكن عادة، ومثل هذه المسألة في الحكم ما إذا أقبض 8 المبيع ولم يشهد فجحد المشتري أصل البيع، وقاله في المدونة: وهذا كله ما لم يكن الدفع 9 بحضرة الموكل، وأما إذا كان ذلك 10 بحضرته فلا ضمان، وقاله في المدونة 11، ولو أسقط هنا1
الجزء: 4 - الصفحة: 294
لفظ الدين لتضمن كلامه المسألتين.
قوله: (أَوْ بَاعَ بِكَطَعَامٍ نَقْدًا مَا لا يُبَاعُ بِهِ وَادَّعَى الإذْنَ، فَنُوزَعَ) هذا معطوف على قوله: (وَضَمِنَ، إِنْ أَقْبَضَ الذيْنَ وَلم يُشْهِدْ) أي: وكذلك يضمن الوكيل إن باع بطعام ونحوه ما لا يباع به، قال في المدونة: وإذا باع سلعة بطعام أو عرض نقدًا وقال بذلك أمرتني، وأنكر الآمر، فإن كانت مما لا يباع بذلك ضمن، وقال غيره: إن كانت السلعة قائمة لم يضمن المأمور 12، وخير الآمر بين إجازة المبيع وأخذ ما بيعت به أو ينقض البيع ويأخذ سلعته، وإن فاتت خير في أخذ ما بيعت به أو يضمن الوكيل قيمتها ويسلم ذلك إليه 13.
قوله: (أَوْ أَنكرَ الْقَبْضَ، فَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ، فَشَهِدَتْ بَينة بالتَّلَفِ فكَالمدْيَانِ 14) هو معطوف أيضًا على ما قبله؛ أي: وكذا يضمن الوكيل الثمنَ إذا قبضه وأنكره فقامت عليه البينة بقبضه، فقال: تلف مني 15 وأقام بينة شهدت له بذلك، لأنه قد أكذب بينته بقوله أولًا لم أقبضه وهو الصحيح، وقيل: تقبل عليه 16 بينته ومثله المديان يطالب 17 بالدين فينكره، فيقيم المدعي بينة على صحة دعواه، فيقول المدين 18 دفعته له، ويقيم بينة تشهد له بذلك، فإنها لا تسمع أيضًا؛ لأنه أكذبها، وقيل: تسمع، ولعل المراد هنا: إذا جحد المدين 19 أصل الدين، وأما إذا قال: ليس له قبلي شيء، ثم أقام البينة على أنه دفع ذلك لربه، فليس فيه تكاذب.
قوله (وَلَو قَالَ غيرُ المَفوَّضِ: قَبَضْتُ وَتَلِفَ بَرِئَ وَلم يَبْرَإِ الْغَرِيمُ، إلا بِبَيِّنةٍ) يريد: أن الوكيل المخصوص إذا قال: قبضت ثمن ما بعته وتلف، فإنه يبرأ لأنه أمين، وأما الغريم فلا يبرأ إلا ببينة تشهد له بمعاينة الدفع، وأما المفوض فإن الغريم يبرأ بتصديقه.
الجزء: 4 - الصفحة: 295
قوله: (وَلَزِمَ المُوَكِّلَ غُرْمُ الثَّمَنِ إِلى أَنْ يَصِلَ لِرَبِّهِ، إِنْ لَمْ يَدْفَعْه لَهُ) هكذا قال في المدونة: ونصه: وإن وكلت رجلًا بشراء سلعة، ولم تدفع له ثمنًا فاشتراها بما أمرته به، ثم أخذ منك الثمن يدفعه فيها فضاع منه، فعليك غرمه ثانية، قال ابن القاسم: وإن ضاع مرارًا حتى يصل إلى البائع، قال: ولو كنت دفعت إليه الثمن قبل الشراء فضاع منه بعد الشراء لم يلزمك غرم المال إن أبيت ثانية 20؛ لأنه مال بعينه ذهب بخلاف الأول، يريد: لأن الأول إنما اشترى على ذمتك فالثمن في ذمتك 21 حتى يصل إلى البائع، والثاني: إنما اشترى على مال بعينه، فإذا ذهب لم يلزمك غرمه 22، وقيل: لا يلزم الآمر غرم الثمن ثانية في الوجهين، وقيل: يلزمه في الوجهين 23، وهو قول المغيرة، وحكى هذه الأقوال الثلاثة 24 ابن يونس وغيره، قال: والقول بالفرق بينهما 25، لابن القاسم 26. وقال ابن عبد السلام: والأقرب عندي قول المغيرة، لأن الثمن في ذمة الموكل، والوكيل أمين له.
بعض الأشياخ: والخلاف إنما هو عند الإطلاق، وأما لو قال له 27: اشترِ على الذمة أو بهذه على التعيين لاتبع الشرط اتفاقًا.
قوله: (وَصُدِّقَ فِي الرَّدِّ كَالمُودَعِ، فَلا يُؤَخِّرُ لِلإِشْهَادِ) يريد: أن الوكيل إذا ادعى رد الثمن أو المثمون بموكله 28 فإنه يصدق، أي: مع يمينه، ومثله المودع يدعي رد الوديعة لربها، ولكونهما مصدقين ليس لهما أن يؤخرا 29 الرد لتعذر الإشهاد؛ إذ لا يحصل لهما به 30 نفع.
الجزء: 4 - الصفحة: 296
بعض الأشياخ: ولو قيل: إن ذلك لهما لئلا يتوجه عليهما اليمين لكان حسنًا، وما ذكره في مسألة الوكيل هو مذهب المدونة والعتبية، وعن مالك: يصدق الموكل إن 31 قرب بالأيام اليسيرة، وعلى الوكيل البينة، ويصدق الوكيل في الشهر ونحوه مع يمينه، وإن طال جدًّا صدق بلا يمين، وقيل: يصدق مع يمينه في الأيام اليسيرة، وإن طال صدق بلا يمين، وقيل: إن وكل على شيء بعينه ضمن إلا أن يقيم البينة، ولو طال الأمر، وإن كان مفوضًا صُدق في القرب مع يمينه وفي البعد بلا يمين، نقل ذلك في البيان.
قوله: (وَلأَحَدِ الوَكِيليْنِ الاسْتِبْدَادُ، إِلا لِشَرْطٍ) أي: إلا أن يقول لهما الموكل: لا تتصرفا إلا مجتمعين، وظاهر كلامه أن لكل 32 منهما أن يستبد ولو لم ينص له على ذلك الموكل، ومثله في الجواهر، وتبعه ابن الحاجب عليه 33، وفي المدونة ما يخالف ذلك، قال فيها: وإذا مَلَّك أمر امرأته لرجلين لم يجز طلاق أحدهما دون الآخر إلا أن يكونا رسولين كالوكيلين، في البيع والشراء أي لم يجز طلاق أحدهما دون الآخر 34 كالوكيلين 35 وقاله أبو الحسن الصغير ونحوه في النوادر، وفي باب العتق من المدونة إذا قال لهما: أعتقا عني لم يكن لأحدهما العتق 36، ونص اللخمي على أنه لو وكلهما يبيعان له سلعة فباع أحدهما أن البيع لا يلزم الموكل 37 فانظر هذا مع ما هنا.
والعجب أن الشيخ اعترض كلام ابن الحاجب بما ذكرنا ولم يحترز منه هنا.
قوله: (وإنْ بِعْتَ وَبَاعَ، فَالأَوَّلُ، إِلا لِقَبْضٍ) يريد: أنك إذا وكلت رجلًا على بيع سلعة فباعها الوكيل وبعتها أنت فأول البيعتين أحق، إلا أن يقبض الثاني السلعة فيكون أحق، ونص عليه في المدونة، ونظيرتها 38 مسألة نكاح الوليين.
الجزء: 4 - الصفحة: 297
قوله: (وَلَكَ قَبْضُ سَلَمِهِ لَكَ (1)، إِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنةٍ) قال في المدونة: ولك قبض ما أسلم فيه وكيلك بغير حضرته، ويبرأ دافعه إليك إن كانت لك بينة أنه أسلمه لك، وإن لم تكن لك على ذلك بيّنة، فالوكيل أولى بقبضه.
قوله: (وَالْقَوْلُ لَكَ إِنِ ادَّعى الإذْنَ) أي: والقول قولك (2) إذا قال الوكيل إنك أذنت له (3) في بيع السلعة أو في اشترائها، وقلت أنت: لم آمرك بذلك لأنه مدع.
قوله: (أَوْ صِفَةً لَهُ) مثل أن يقول: أمرتني ببيعها، وتقول أنت: إنما أمرتك برهنها أو اختلفتما في جنس الثمن أو قدره أو حلوله ونحو ذلك.
قوله: (إِلا أَنْ يَشْتَرِيَ بِالثَّمَنِ، فزَعَمْتَ أَنَّكَ أَمَرْتَهُ بِغَيرهِ، وَحَلَفَ) يريد: أن الوكيل مصدق، قال في المدونة: وإذا دفعت إليه دراهم فاشترى بذلك تمرًا (4)، وقال: بذلك أمرتني، وقلت أنت: ما أمرتك إلا بحنطة، فالمأمور مصدق مع يمينه.
اين القاسم: لأن الثمن (5) مستهلك كفوات السلعة (6) وقال أصبغ: القول قول الآمر.
(المتن)
كقَوْلِهِ: أَمَرتَ بِبَيْعِهِ بِعَشَرَةٍ، وَأَشْبَهَتْ، وَقُلْتَ بِأكْثَرَ، وَفَاتَ المَبِيعُ بِزَوَالِ عَينِهِ أَوْ لَمْ يَفُتْ وَلَمْ يَحْلِفْ.
وَإنْ وَكَّلْتَهُ عَلَى أَخْذِ جَارِيةٍ فَبَعَثَ بِهَا فَوُطِئَتْ ثُمَّ قَدِمَ الوكيل بِأُخْرَى فَقَالَ هَذِهِ لَكَ وَالأُولَى وَدِيعَةٌ، فَإنْ لَمْ يُبَيِّنْ وَحَلَفَ أَخَذَهَا، إِلَّا أَنْ تَفُوت بِكَوَلَدٍ أَوْ تَدْبِيبر، إِلَّا لِبَيّنَةٍ، وَلَزِمَتْكَ الأُخْرَى، وَإنْ أَمَرتَهُ بمِائَةٍ فَقَالَ: أَخَذْتُهَا بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، فَإنْ لَمْ تَفتْ خُيِّر فِي أَخْذِهَا بِمَا قَالَ، وَإلَّا لَمْ يَلْزَمْكَ إِلَّا الْمِائَةُ، وَإنْ زِدْتَ دَرَاهِمَكَ لِزَيْفٍ، فَإنْ عَرَفَهَا مَأمُورُكَ لَزِمَتْك.
وهَلْ وَإِنْ قَبَضْتَ؟ تَأوِيلانِ.