قوله: (أَوْ قَالَ مَوْلًى لِغَيْرِهِ أَنَا خَيْرٌ) اختلف في ذلك هل يحد؟ وهو اختيار ابن شعبان 1، أو لا يحد؟ وهو الأظهر؛ لأن وجوه الأفضلية كثيرة، فقد يكون خير منه في الدين أو في الخلق 2 أو غير ذلك، وفي البيان: إن قال: أنا خير منك نسبًا.
حد، وإن قال: حسبًا.
أدب 3، وقال مطرف وعبد الملك: يحد، وكأنه قال: لست من العرب 4.
قوله: (أَوْ مَا لَكَ أَصْلٌ وَلَا فَصْلٌ) اختلف فيمن قال لغيره: ما لك أصل ولا فصل، فقال مالك: لا يحد.
وكأنه رأى أن المقصود نفي الشرف 5، وقال أصبغ 6: يحد، وهو ظاهر اللفظ؛ إذ أصل الشخص أبوه، وقد نفاه عنه، وقيل: إن كان من العرب حد؛ وإلا فلا 7. وقال عبد الملك: إن قال لغير عربي في مشاتمته ففيه الأدب والسجن، ويحد للعرب ما لَمْ يعذر بجهل، حلف ما أراد قطع نسبه، وعليه الأدب، وإن لَمْ يحلف حد 8.
قوله: (أَوْ قَالَ لِجَمَاعَةٍ أَحَدُكُمْ زَانٍ) ذكر محمد في هذا أنه لا يحد إذا لَمْ يعين 9 لقائله، وسواء قام عليه الجميع أم لا 10؛ إلَّا أن ابن رشد استبعده مع قيام الجميع فإنه قاله
الجزء: 5 - الصفحة: 354
لأحدهم 11.
قوله: (وَحُدَّ فِي مَأبُونٍ، إِنْ كَانَ لَا يَتَأَنَّثُ) يعني: أن من قال لرجل: يا مأبون.
فإنه يحد له؛ إلَّا أن يكون المقذوف في كلامه ثأنيث، قال عبد الملك: إن كان يضرب الكبر، ويلعب في الأعراس، ويتهم فيما قال له بما يخرجه عن الحد؛ فإنه لا يحد عليه 12.
قوله: (وَفِي يَا ابْنَ النَّصْرَانِيِّ، أَوِ الأَزْرَقِ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي آبَائِهِ كَذَلِكَ) يريد: أن من قال لرجل: يا ابن النصراني، أو يا ابن اليهودي 13. فإنه يحد؛ إلَّا أن يكون في آبائه أحد كذلك، وقاله ابن القاسم.
14، وقال أشهب 15: لا يحد إذا حلف أنه لَمْ يرد نفيه 16، اللخمي: ويحد 17 أيضًا عند ابن القاسم، إذا قيل: يا ابن الأقطع، أو يا ابن الأعور، أو الأحمق 18، أو يا ابن الأزرق، وليس أبوه كذلك؛ لأنه حمل على غير أبيه 19، وعلى قول أشهب: لا يحد إذا حلف 20.
قوله: (وَفِي مُخَنَّثٍ؛ إِنْ لَمْ يَحْلِفْ) يريد: ان من قال لرجل: يا مخنث.
فإنه يحد له؛ إلا أن يحلف أنه لَمْ يرد بذلك قذفه فلا يحد؛ بل ينكل، وقاله مالك في المدونة 21، وفي الموازية 22: إن كان في المقول له تصنع في يده 23، أو من عمل النساء شيئًا، أو لين
الجزء: 5 - الصفحة: 355
الكلام أحلف أنه ما أراد غيره، كان كان بريئًا 24 من ذلك حد له 25.
قوله: (وأُدِّبَ فِي: يَا ابْنَ الْفَاسِقَةِ، أو الفاجرة، أو يا حمار ابن الحمار، أو أنا عفيف، أو إنك 26 عفيفة، أو يا فاسق، أو يا فاجر) قال في المدونة: ومن قال لرجل: يا فاسق، يا فاجر، أو قال: يابن الفاجرة، أو يابن الفاسقة، فعليه النكال 27. وكذا فيها إذا قال له: يا حمار ابن الحمار 28. وقال في الموازية: إذا قال له: يا فاجر، يا فاسق، فإن نكل عن اليمين حد 29. محمد: ويحلف أنه لَمْ يرد نفيه من أبيه 30، ولا قذفأ لأمه، فإن نكل حد، وإن قال لرجل: أنا عفيف؛ فإنه يؤدب، ومثله: ما أنت بعفيف، وإن قاله لامرأة، فقال مالك: يعاقب 31 ولا يحد، وقال عبد الملك: يحد 32.
قوله: (وإِنْ قَالَتْ: بِكَ، جَوَابًا لِزَنَيْتِ حُدَّتْ لِلزِّنَا وَالْقَذْفِ) يريد: أن المرأة إذا قال لها رجل 33: زنيتِ، فقالت في جوابها: بك زنيت 34؛ فانها تحد حدين للقذف والزنى 35، وظاهره سواء، قال ذلك لامرأته أو لغيرها، رجع عن الزنى أم لا.
قال في المدونة 36: ومن قال لزوجته 37: يا زانية.
فقالت: بك زنيت.
حدت للزنى والقذف؛ إلَّا أن تقول: أردت جوابه 38
الجزء: 5 - الصفحة: 356
فيحد الرجل 39 فقط للقذف 40، وقال أصبغ: يحدان للقذف، وليس لأحدهما رجوع 41. قوله: (ولَهُ، حَدُّ أَبِيهِ وفُسِّقَ) أي: فسق 42 بذلك إن فعل، ومذهب مالك وأصحابه أن له حد أبيه إلا أنه استثقله، قال في المدونة: وليس ذلك من البر 43، وقال أصبغ وابن حبيب: لا يحد 44. قوله: (والْقِيَامُ بِهِ وإنْ عَلِمَهُ مِنْ نَفْسِهِ كَوَارِثهِ، وإن قُذِفَ بَعْدَ الموْتِ مِنْ وَلَدِ ووَلَده، وأَب، وأَبِيهِ) والقيام: معطوف على (حد أبيه)، والضمير 45 المجرور بالباء عائد على الحد، والمنصوب بعلم يعود على موجب الحد، وهو ما رمي به من زنى ونحوه 46، وفاعله ضمير يعود على الميت، والضمير في (من نفسه) و (كَوَارِثه) 47 على الميت، وكذا في الولد 48 وابنه، أي: والمقذوف القيام بالحد، وإن علم ما رمي به من نفسه، كما لو قيل له: يا زانٍ، وهو يعلم من نفسه أنه زنى، وقاله في المدونة 49. قوله: (كوارثه) يعني: أن من قذف ميتًا فإن لوارثه القيام به 50، ولما كان الوارث يشمل كلا من الزوجين 51 نبه على أن ذلك مخصوص بالولد، ومن ذكر بعده، فقال:
الجزء: 5 - الصفحة: 357
(مِنْ وَلَدٍ، ووَلَدِهِ، وأَبٍ، وأَبِيهِ) قال في المدونة: ومن قذف ميتا كان لولده وولد ولده ولأبيه 52 وجده لأبيه أن يقوم بذلك، ومن قام منهم أخذ بحده، وإن كان ثَمَّ مَن هو أقرب إليه؛ لأنه عيب يلزمهم 53، وإليه أشار بقوله: (ولكُل الْقِيَامُ بِهِ، وإِنْ حَصَلَ مَنْ هُو أَقْرَبُ) وذلك عند أشهب للأقرب 54 فالأقرب 55، قال فيها: وليس للإخوة وسائر العصبة مع هؤلاء قيام، فإن لم يكن من هؤلاء أحد فللعصبة والأخوات والجدات القيام بالحد؛ إلا أن يكون له ولد ولد 56.
قوله: (والْعَفْوُ قَبْلَ الإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ إِنْ أَرَادَ سِتْرًا) أي: وللمقذوف العفو عن قاذفه قبل بلوغ الإمام، وكذلك بعد بلوغه؛ بشرط أن يريد سترًا، وهو مبني على أن القذف من حقوق الآدميين؛ إذ لو كان من حقوق الله تعالى ما سقط بالعفو، وهو الأصح، وقيل: هو حق لله تعالى، وهما روايتان في المدونة 57، وكان مالك يجيز العفو بعد بلوغ الإمام، ثم رجع عنه، فلم يجزه إلا أن يريد سترًا 58، انظر الكبير.
قوله: (وإِنْ قُذِفَ في الحد ابْتُدِئَ لهما، اِلا أَنْ يَبْقَى يَسِيرًا، فَيُكَمَّلُ الأَولُ) الضمير في (لهما) عائد على القاذفين والمقذوفين، والمعنى: أن من قذف شخصا فشرع في حده 59، فقبل 60 كمال الحد قذفه ثانيا، أو قذف غيره فإنه يبتدئ لهما؛ إلا أن يبقى يسيرا كالعشرة والخمسة عشر، فإنه 61 يكمل ثم يستأنف عليه الثاني، وهو مذهب المدونة 62، وقال أشهب: يجزئ الأول إذا 63 لم يمض منه إلا اليسير، وإن مضى نصفه أو نحوه استأنف
الجزء: 5 - الصفحة: 358
لهما، وإن لم يبق من الحد الأول إلا اليسير أتم الأول واستأنف الثاني 64، وإليه ذهب ابن الماجشون 65، واختلف إذا قذف 66 بعد تمام الحد هل يحد 67 ثانيا وهو الأصح أو لا 68؟ بل يزجر عن ذلك فقط؛ إذ قد تبين كذبه بالحد، وقد ذهبت 69 عن المقذوف المعرة.
الجزء: 5 - الصفحة: 359