قوله: (وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِغَلَّةِ مَوْهُوبِهِ، فَإِنْ أَعْسَرَ فَعَلَى الْمَوْهُوبِ) أي: ورجع على الغاصب بالغلة التي أخذها موهوبه، فإن أعسر الغاصب رجع على الموهوب له فأخذ منه ذلك.
قوله: (وَلُفِّقَ شَاهِدٌ بِالْغَصْبِ لآخَرَ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْغَصْبِ كَشَاهِدِ بِمِلْكِ لثانٍ بِغَصْبِكَ 1) قال في المدونة عن ابن القاسم 2: دمان أقمت شاهدًا أن فلانًا غصبك هذه الأمة وشاهدًا آخر على إقراره بالغصب 3 أنه غصبكها تمت الشهادة، ولو شهد أحدهما أنه غصبكها وشهد الآخر أنها لك فقد اجتمعا على إيجاب ملكك لها، فيقضى لك بها 4. ابن يونس: يريد بعد أن تحلف أنك ما بعت ولا وهبت 5 وقال بعض الفقهاء: شهادتهما مختلفة، فإذا لم تفت 6 حلف مع أي الشاهدين شاء، فإن حلف مع شاهد الملك حلف أن شاهده شهد بحق وأنه ما باع ولا وهب، دمان حلف مع شاهد الغصب حلف لقد شهد شاهده بحق وردت إلى يده بالحيازة فقط، وإليه أشار بقوله: (وَجُعِلْتَ
الجزء: 4 - الصفحة: 406
حَائِزًا 7، لا مَالِكًا، إِلا أَنْ تَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِ الملْكِ، وَيَمِينَ الْقَضَاءِ 8 ابن يونس: لأن شاهد الغصب لم يثبت له 9 ملكًا وشاهد الملك لم يثبت له 10 غصبًا، فلم يجتمعا في ملك ولا في غصب.
قوله: (وَيَمِينَ الْقَضَاءِ) أي: أن 11 يحلف أنه ما باع ولا وهب ولا تصدق ولا خرجت من 12 ملكه بوجه من الوجوه.
قوله: (وإِنِ ادَّعَتِ اسْتِكْرَاهًا عَلَى غَيْرِ لائِقٍ بِلا تَعَلُّقٍ، حُدَّتْ لَهُ) 13.
قوله: (وَالْمُتعَدِّي جَانٍ عَلَى بَعْضٍ غَالِبًا) هذا إشارة منه إلي أن المتعدي يفارق الغاصب وهو مذهب المدونة وغيرها، وذكر من الوجوه التي فرق بينهما بها وجهًا واحدًا وهو أن المتعدي 14 جانٍ على بعض السلعة كالمستعير والمستأجر يتعديان المسافة المشترطة، والغاصب جار على مجموع الذات ونحوه في المدونة، وقيل: لأن المتعدي لا يضمن إلا بالفساد الكثير، والغاصب يضمن مطلقًا ونحوه لابن المواز 15، وقيل: إن 16 المتعدي ضامن لها من يوم التعدي، لأن يده كانت عليها قبل ذلك بإذن ربها كالمستأجر والمستعير، وقيل: غير ذلك، واحترز بقوله غالبًا من مثل مسألة المستأجر والمستعير فإنهما قد تعديا على مجموع السلعة لا على بعضها، ومع ذلك يجعلونهما 17 متعديين لا غاصبين.
الجزء: 4 - الصفحة: 407
قوله: (فَإِنْ أفَاتَ الْمَقْصُودَ بقَطع 18 ذَنَبِ دَابَّةِ ذِي هَيْئَةٍ، أَوْ أُذُنِهَا، أَوْ طَيْلَسَانِهِ) يريد: أن الفساد الكثير هو الذي يفيت المقصود من الذات 19، وإن كان في الصورة يسيرًا مثل أن يقطع ذنب دابة ذي هيئة كقاض ونحوه ممن لا يليق بحاله ركوبها على تلك الهيئة، وكذلك قطع أذنها وهو مروي عن عبد الملك 20 وأصبغ.
ابن شاس: وهي الرواية المشهورة عن مالك، وعنه أيضا: أنه يضمن 21 في الأذن دون الذنب، ومثل ذلك قطع طيلسان ذي هيئة وقلنسوته ونحوهما، لأنه لا يلبس ذلك على هذه الحالة 22.
قوله: (أَوْ 23 لَبَنِ شَاةٍ هُوَ الْمَقْصُودُ) أي: إذا تعدى عليها بأمر يفيت الغرض المقصود منها 24 فأذهب لبنها أو بعضه لذلك 25 فإنه يضمن قيمتها إن شاء ربها إن كان اللبن هو المقصود الأعظم منها.
مطرف وعبد الملك وأصبغ: إن لم تكن غزيرة اللبن فعليه ما نقصها 26.
قوله: (أَوْ قَلْعِ 27 عَيْنَيْ عَبْدٍ أَوْ يَدَيْهِ) أي: لأن قلع 28 عيني العبد أو الجارية يفيت الغرض 29 منهما، وكذلك قطع اليدين.
قوله: (فَلَهُ أَخْذُهُ وَنَقْصُهُ، أَوْ قِيمَتُه) أي: فإن حصلت الإفاتة خُير المالك بين أخذ ذلك وما نقصه العداء 30، وبين أن يأخذ قيمته كاملة ويتركه للمتعدي، وإلى هذا رجع مالك،
الجزء: 4 - الصفحة: 408
وكان يقول: يأخذه وما نقص كما في اليسير، وليس له أن يضمنه قيمته، وإذا اختار أخذه فله أرش نقصه كما قال، وهو مذهب المدونة، وإليه رجع ابن القاسم، وله مثل قول 31 أشهب أنه إذا اختار أخذه فلا شيء له 32 من نقصه وإلا تركه وأخذ قيمته.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يُفِتْهُ فَنَقْصُهُ) أي: فإن تعدى على ذلك بأمر لا يفيت الغرض المقصود منه فليس عليه إلا نقصه وهو مما لاخلاف فيه.
قوله: (كَلَبَنِ بَقَرَةٍ أو يَدِ عَبْدٍ أَوْ عَيْنِهِ) يريد: لأن البقرة تراد لغير اللبن، وكذلك الناقة، فإذا تعدى عليها فأذهب لبنها 33 أو نقصه فليس عليه إلا ما نقص، وكذلك إذا قطع للعبد يدًا واحدة أو فقأ له عينًا واحدة إذ لم يعطل على سيده منافعه جملة، بخلاف اليدين أو العينين معا 34.
قوله: (وَعَتَقَ عَلَيْهِ إِنْ قُوِّمَ) أي: وعتق العبد المجني عليه جناية غير مفيتة للمقصود كقطع يد أو عين إن رضي سيده بالقيمة على الجاني فإن لم يرض فله أخذه وما نقصه سيده مخير في أحدهما وأما المجني عليه جناية أفاتت المقصود منه فلا منع لسيده فيه من العتق على الجاني ولا تخيير له وهذا اختيار ابن يونس في المسألة، يريد فإن 35 تعدى على عبد غيره تعديًا فَاحشًا وحكم عليه بقيمته فإنه يعتق عليه، وقاله في كتاب الغصب والديات من المدونة.
وعن مطرف وعبد الملك أنه يغرم قيمته ولا يعتق عليه.
وقيل: إنما يغرم من قيمته ويعتق عليه إذا طلب ذلك سيده، وأما إذا امتنع من ذلك فله أخذ العبد وما نقصه.
ابن يونس: والصواب من هذا والذي أختاره أنه إذا أفسده هكذا أن يغرم الجاني قيمته، ويعتق عليه على ما أحبه السيد أم كره، لأن قيمته عوضه فهو مضار في ترك قيمته صحيحًا وأخذ ما لا ينتفع به، وإحرام 36 العبد العتق وإلى هذا أشار بقوله: (وَلا مَنْعَ لِصَاحِبِهِ فِي الْفَاحِشِ عَلَى الأَرْجَحِ) قوله: (وَرَفَا الثَّوْبَ مُطْلَقًا) لا
الجزء: 4 - الصفحة: 409
خلاف أنه إذا أفسد الثوب فسادًا يسيرًا فأخذه ربه وما نقصه أنه يرفوه له، وقال بعضهم: لا فرق بين اليسير والكثير، وإليه أشار بقوله: (مُطْلَقا) ابن يونس: وهو ظاهر 37.
قوله: (وَفي أُجْرَةِ الطبِيبِ قَوْلانِ) يعني أنه اختلف هل يغرم الجاني أجرة المداواة مع ما نقص أو ليس عليه إلا ما نقص.
اللخمي: والأحسن من القولين أنه على الجاني كالرفو 38، وقال ابن يونس عن بعضهم: ليس عليه ذلك بخلاف الرفو، لأن ما ينفق على المداواة غير معلوم، ولا يعلم هل يرجع ذلك إلى ما كان عليه أم لا، وأما الرفو فمعلوم ما ينفق عليه، ويرجع كما كان.
الجزء: 4 - الصفحة: 410