قوله: (إنما تصحُّ مساقاةُ شجرٍ، وإنْ بَعلًا، ذى ثمرٍ، لم يحل بيعُهُ، ولم يُخلف إلا تبعًا) المساقاة على ثلاثة أوجه: أصول ثابتة يجد ثمرتها ويبقى أصلها، فهي جائزة عجز عنها ربها أم لا، وأصول تجد 1 ثم تخلف، فلا تساقى في عجز ولا غيره، وشيء يزول أصله 2 كالزرع وغيره، فلا يساقى إلا عند العجز.
فأشار إلى الأول بقوله: (إنما تصح مساقاة شجر، وإن بعلا)، واحترز عن الثاني بقوله: (ولم يخلف)، وأشار إلى الثالث 3 بقوله فيما يأتي: (كزرع وقصب 4 ... إلى آخره).
ومذهب المدونة جواز مساقاة البعل، قال لأنها تحتاج إلى عمل ومؤنة 5. ويشترط أن تكون الأصول المعقود عليها لم تبلغ إلى حد يجوز بيع ثمرتها 6، وهو مذهب المدونة 7، قال: لجواز بيعه 8 حينئذ؛ فلا ضرورة تدعو إلى مساقاة
الجزء: 4 - الصفحة: 536
ذلك 9، وذهب سحنون إلى جواز ذلك 10. ويشترط في الجواز أيضًا، أن يكون الشجر مما لا يُخْلف، وإلا لم يجز، كالموز والبقل والريحان، وقاله في المدونة 11، إلا أن يكون في الحائط نوم يسير مما يخلف، فإنه يغتفر دخوله في مساقاة الحائط؛ لكونه تبعًا، وكذلك إذا كان في الحائط جزء قليل قد أزهى، فلا بأس بدخوله في مساقاة الحائط؛ لكونه تبعًا 12، وقاله في الموازية 13.
قوله: (بُجزءٍ قَلَّ أَو كَثر) يريد: أنه لا فرق في الجزء الذي تقم به المساقاة بين أن يكون قليلًا أو كثيرًا، ولا أعلم فيه خلافًا.
قوله: (مشاع) 14 أي: فلا يجوز أن يساقيه على أن يكون له من الثمرة كيلًا مقدرًا.
قوله: (عُلِمَ) أي: فلا يجوز أن يساقيه على جزء مجهول، بل ولا بد وأن يكون ثلثًا أو نصفًا، ونحوه.
قوله: (بساقيت) هذا مذهب ابن القاسم، وحكى عن سحنون 15: أنها 16 تنعقد بلفظ الإجارة، وعليه فتصح بلفظ عاملتك، ونحوه 17.
قوله: (وَلا نَقص مَن في الحائِط) يريد: أنه لا يجوز لرب الحائط نقص من في الحائط من الرقيق والدواب، ونحوه في المدونة 18.
الجزء: 4 - الصفحة: 537
قوله: (وَلا تجدِيدٍ) أي: ولا 19 تجديد ما لم يكن في الحائط يوم التعاقد، فلا يجوز للعامل اشتراطه على رب المال، ونحوه في المدونة 20.
قوله: (ولا زيادة لأحدهما) أي: ولا يجوز لأحدهما أن يشترط زيادة لنفسه، وهو ظاهر.
قوله: (وَعمِلَ الْعَامِلُ جميع مَا يُفتقر إليه عرفا) يريد: أن عمل العامل لا يشترط تفصيله حين العقد، بل يحمل على العرف، أي: إن كان.
الباجي 21: وإن لم يكن عرف، فلا بد من وصفه من عدد الحرث والسقي وسائر العمل.
قوله: (كإبّار) قال في المدونة وغيرها: هو على العامل 22، وقال مالك: مرة على صاحب الحائط، فقيل: على ظاهرهما 23، وقيل: معنى قوله: (على رب الحائط)، أي: الشيء الذي يلقح به، ومعنى قوله: على العامل، أي: عمل ذلك، وتعليق ما يحتاج إلى تعليقه.
قوله: (وَتنقيةٍ، وَدَوَابَّ وأُجَرَاءَ) أي: تنقية مناقع الشجر، وتنقية العين، وكذا عليه الجداد والحصاد وتيبيس 24 الثمرة والدراس، وإقامة الأدوات من الدلاء والمَسَاحي، والأجراء والدواب، ونحو ذلك.
قوله: (وأنفق وكسا) أي: أن العامل 25 هو الذي ينفق على الدواب والأجراء ويكسوهم؛ لأن عليه العمل وجميع ما يتعلق به من المؤن.
قوله: (لا أُجرة من كان فيه) أي: لأن ذلك على رب الحائط، وظاهره سواء كان الكراء وجيبة أم لا، وقال اللخمي: إن كان وجيبة فهو على رب الحائط إلى المدة التي واجههم عليها فإن فضل فضل فمن مدة المساقاة عن مدة الوجيبة شيء فعلى العامل
الجزء: 4 - الصفحة: 538
وإن كان الكراء غير وجيبة كان حكمه حكم ما لا أجرة فيه 26 وخالف في ذلك الباجي ورأي أن الكراء على رب الحائط مطلقا 27.
قوله: (أو خلف من مات أو مرِض) أي: لأن الخلف في ذلك على رب الحائط 28، وقاله في المدونة، ولو شرط خلفهم على العامل لم يجز 29.
قوله: (كما رث على الأصح) هذا راجع إلى قوله في المدونة 30 (وعلى العامل كذا)، أي: وعليه خلف ما رث من 31 الدلاء والأحبال 32 ونحوها، الباجي: وهو الأظهر، وقيل: خلفه على رب الحائط، وإلى الأول أشار بـ (الأصح).
قوله: (كزرع وقصب وبصل ومقثأة 33؛ إن عجز ربه، وخيف موته، وبرز، ولم يبد صلاحه) هذا راجع إلى قوله: (إنما تصح المساقاة في كذا)، أي: وكذلك الزرع وما معه بالشروط المذكورة، وهي أربعة: الأول: أن يعجز عنه ربه، وهو الأشهر، وبه قال في المدونة، ولم يشترط ابن نافع عجز ربه، بل أجازه مطلقًا، وزاد اللخمي في الزرع قولين آخرين: الكراهة للموازية، والمنع لابن عبدوس 34. الشرط الثاني: أن يكون في الزرع، مؤنة لو تركت لمات؛ ولهذا قال: (وخيف موتة).
الثالث: أن يبرز من الأرض، خلافًا لابن نافع.
الرابع: أن لا يبدو صلاحه، قال في المدونة: وإذا حل بيع المقاثي لم تجز مساقاتها، وإن عجز عنها ربها 35.
الجزء: 4 - الصفحة: 539
قوله: (وهل كذلك الورد ونحوه والقطن، أو كالأول، وعليه الأكثر (1)؟ تأويلان) يشير بهذا إلى قوله في المدونة: لأ بأس بمساقاة الورد والياسمين والقطن (2). واختلف (3) الأشياخ، هل لا تساقى إلا بالشروط المذكورة في الزرع، أو هي كالشجر تجوز مساقاته وإن لم يعجز ربه عنه؟ وإليه أشار بقوله: (أو كالأول)، وإليه ذهب أبو عمران، وابن القطان، وهو ظاهر قول اللخمي (4)، وهو قول محمد، وأكثر الأشياخ، وأولها (5) بعضهم على أنه لا فرق بين هذه وبين الزرع.
(المتن)
وَأُقِّتَتْ بالجداد وَحُمِلَتْ عَلَى الأَوَّلِ، إِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ ثَانٍ، وَكَبَيَاضِ نَخْلٍ، أَوْ زَرْعٍ، إِنْ وَافَقَ الْجُزْءَ وَبَذَرَهُ الْعَامِلُ، وَكَانَ ثُلُثًا بِإِسْقَاطِ كُلْفَةِ الثَّمَرَةِ، وَإِلَّا فَسَدَ، كَاشْتِرَاطِ رَبه، وَأُلْغِيَ لِعَامِلِ إِنْ سَكَتَا عَنْهُ، أَوِ اشْتَرَطَهُ، وَدَخَلَ شَجَرٌ تَبعَ زَرْعًا، وَجَازَ زَرْعٌ وَشَجَرٌ، وَإِنْ غَيرَ تَبَعٍ، وَحَوَائِطَ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ بِجُزْءٍ، إِلَّا فِي صَفَقَاتٍ، وَغَائِبٍ إِنْ وُصِفَ، وَوَصَلَهُ قَبْلَ طِيبِهِ، وَاشْتِرَاطِ جُزْءِ الزكَاةِ، وَسِنِينَ مَا لَمْ تكثُرْ جِدًّا بِلَا حَدٍّ، وَعَامِلٍ دَابَّةً أَوْ غُلامًا فِي الْكَبِيرِ، وَقَسْمُ الزَّيْتُونِ حَبًّا كَعَصْرِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَإِصْلاحِ جِدَارٍ، وَكَنْسِ عَيْنٍ، وَسَدِّ حَظِيرَةٍ، وَإِصْلاحِ ضَفِيرَةٍ أَوْ مَا قَلَّ، وَتَقَايُلُهُمَا هَدَرًا، وَمُسَاقَاةُ الْعَامِلِ آخَرَ وَلَوْ أَقَلَّ أَمَانَةً، وَحُمِلَ عَلَى ضِدِّهَا، وَضَمِنَ،