قوله: (وَضُرِبَ مَرَّةً بَعْدَ مرّة) هكذا قال سحنون.
وقد تقدم فوق هذا 1.
قوله: (وَإِنْ شُهِدَ بِعُسْرِهِ أَنَّه لا يعرف لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ، وَلا بَاطِنٌ حَلَفَ كَذَلِكَ وَزَادَ وَإِنْ وَجَدَه لَيَقْضِيَنَ) أي: فإن شهدت البينة بعسر الغريم أنه لا يعرف له شيء من المال ظاهرًا ولا باطنًا حلف 2 الغريم وزاد (وَإِنْ وَجَدَه لَيَقْضِيَنَّ) 3، قال في المقدمات 4: وصفة يمينه أن يحلف أنه ليس له مال ظاهر ولا باطن، وإن وجد مالًا ليقضين 5 له حقه 6، وهذا كما قال هنا، ولهذا كانت الإشارة في قوله: (كَذَلِكَ) إلى ما شهدت به البينة 7 أنه لا يعرف له مال ظاهر ولا باطن، أي: وكذلك يحلف 8 الآخر 9 يزيد وإن وجده ليقضين حقه 10 له، وزاد بعضهم: وأنه يعجل الأداء؛ لأنه قد يؤدي إليه بعد
الجزء: 4 - الصفحة: 141
زمان طويل، وكذلك 11 يزيد: ولئن رزقه الله مالًا وهو في السفر ليعجلن الأوبة والأداء، وحكى هذا كله ابن الهندي عن محمد بن السليم 12.
قوله: (وَأُنْظِرَ) أي: إذا شهد بإعساره وحلف كذلك أُنْظِرَ إلى ميسرته.
قوله: (وَحَلَّفَ الطَّالِبَ إِنِ ادَّعَى عَلَيْهِ عِلْمَ الْعُدْمِ) أي: و 13 لا إشكال أن رب الدين إذا وافق المديان 14 على أنه عديم أنه لا يحبس، وأما إذا خالفه وادعى المديان أنه يعلم عدمه فإنه يحلف له أنه لا يعلم ذلك، ويسجن له حينئذ، فإن نكل عن اليمين لَمْ يسجن له، وقاله ابن شعبان وغيره، وبه كان يقضي ابن الفخار، وإن لَمْ يدع الغريم على صاحب الدين علم العُدم؛ فإنه يحبس حتى يثبت حاله.
قوله: (وَإِنْ سَأَلَ تَفْتِيشَ دَارِهِ فَفِيهِ ترَدُّدٌ) أي: وإن سأل الطالب تفتيش دار المديان ففي ذلك تردد، ففي المقدمات عن أبي الأصبغ ابن سهل أنه شهد 15 الفتوى بطليطلة أنه يفتش منزله 16، فما وجد فيه من متاع الرجل بيع وأنصف منه الطالب، قال: ولا يختلف فقهاؤهم في ذلك، وأنكره ابن عتّاب وابن مالك 17، وقال: أرأيت لو كان عنده ودائع للناس، فقيل: إنه 18 محمول على أنه ملكه حتى يتبين خلافه، فقال: يلزم إذًا الاستيناء 19 به حتى يُعلم هل له طالب أم لا؟ قال: وأعلمت ابن العطار 20 بعمل أهل 21 طليطلة، فقال: لا يبعد، ولم ينكره ابن رشد، وأنا أراه حسنًا فيمن هو ظاهر المطل واللدد، واستسهال 22 الكذب.
الجزء: 4 - الصفحة: 142
ولمذهب ابن عتاب مال ابن مالك 23.
قوله: (وَرُجِّحَتْ بَيِّنَةُ الْمَلاءِ إِنْ بَيَّنَتْ) أي: فإن شهد له قوم بالإعسار وقوم بالملاء؛ قدمت بينة الملاء إن بينت حال المديان من أنه ملي، وقد 24 أخفى 25 مالًا 26 ونحوه، قال في البيان: ولا يصح أن يختلف أنَّها أعمل 27، وأما إن لَمْ تبين بينة الملاء ولا بينة العدم شيئًا 28 ففي أحكام ابن زياد تقدم بينة الملاء، وإن كانت أقلّ عدالة، وروى أبو زيد 29 أن ذلك تكاذب وتهاتر وأن بينة العُدم أعمل، قال في المقدمات: لأنَّها أثبتت 30 حكمًا وهو تخليصه 31 وتسريحه، والثانية: نفت 32 الحكم، وفي بعض الروايات: لا يُنظر إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء 33 ويدين 34 في ذلك أهل الصلاح والعلم 35، وقيل: إن بينة العُدم تقدم، وإن كانت أقلّ عدالة، وقيل: يقدم أعدلهما وإن تساوتا سقطتا وبقي مسجونًا، وقيل: يقدم الأعدل وإن تساويا سقطتا، وأطلق من في 36 السجن.
قوله: (وَأُخْرِجَ الْمَجْهُولُ إِنْ طَالَ سجنه بِقَدْرِ الدَّينِ، وَالشَّخْصِ) يريد: أن الغريم 37 المجهول الحال يخرج من السجن إذا حبس زمانًا يرى أنه بالنسبة إليه
الجزء: 4 - الصفحة: 143
طويل 38، وهو نحو قوله في المدونة: يحبس بقدر ما يتلوم من اختبار حاله، وفي المقدمات بقدر ما يتبين أمره ويكشف عن حاله، وهو يختلف باختلاف الدين فيما رواه ابن حبيب عن ابن الماجشون، يحبس 39 في الدريهمات اليسيرة نصف الشهر، وفي الكثيرة أربعة أشهر، وفيالوسط منه شهرين 40، وقد تقدم ذلك في قوله: (وَحُبِسَ لِثُبُوتِ عُسْرِهِ) وإما بحسب الشخص، فقد يكون ضعيفًا أو وجيهًا لا يستطيع طول القيام 41 في السجن، وقد يكون بخلاف ذلك، وقد يكون متوسط الحال فيراعى حبسه بحسب ذلك.
قوله: (وَحُبِسَ النِّسَاءُ عِنْدَ أَمِينَةٍ، أَوْ ذَاتِ أَمِين) أي: زوج أو أب أو ابن، وهو ظاهر كلام اللخمي، وتؤمن 42 عليهن امرأة مأمونة؛ لا زوج لها، أو لها زوج مأمون معروف بالخير 43.
قوله: (وَالسَّيِّدُ لِمُكَاتِبِهِ) أي: ويحبس السيد لمكاتبه إذا كان له عليه دين قد حل، وزاد في المدونة: إن ألدّ به 44. اللخمي 45: إلَّا أن يكون قد حل من نجومه ما يوفي بدينه، أو يكون في قيمة الكتابة 46 ما يبلغ أن يوفي بدينه 47.
قوله: (وَالْجَدُّ) أي: لابن ابنه، وقاله في المدونة والمقدمات وغيرهما.
قوله: (وَالْوَلَدُ لأَبِيهِ) أي: ولأمه، وقد نص عليه في المدونة وغيرها.
قوله: (لا العَكْسُ) أي: فلا يحبس الوالد لابنه، وحكم الأم حكم الأب، قال في
الجزء: 4 - الصفحة: 144
المدونة 48: ولا يحبسان في دينه، ثم قال فيها 49: وإذا لَمْ أحبس الأبوين 50 للولد فلا أظلم الولد 51 لهما، أي: فيأمرهما الحاكم أن يقضياه دينه 52، وحكاه ابن يونس عن مطرف.
قوله: (كَالْيَمِينِ) أي: وكما أنه لا يحبس أحد من أبويه كذلك لا يحلفهما، قال في المدونة عن مالك: لا أرى أن يحلف الابنُ الأبَ في دعواه، ابن يونس: فإن شح الابن في حلف أبيه أحلف له، وكان جرحة في حقه، قال في الموازية 53: وذلك عقوق، يعني 54: إذا استحلفه أو أخذ منه الحد 55، ولا تجوز 56 شهادته، وحكى ابن رشد قولًا أنه مكروه، وليس بعقوق، ويقضى له بذلك، ولا تسقط به شهادته، وحكاه اللخمي عن ابن الماجشون 57، وقيل: إنه عقوق، إلَّا أنه يقضى له به إن طلبه وتكون جرحة، وهو قول ابن القاسم في رواية أصبغ عنه، ابن رشد: وهو بعيد؛ لأن العقوق من الكبائر ولا ينبغي أن يمكن أحد من فعله 58 ابن رشد 59: وهذا الخلاف فيما عدا قلب اليمين، وأما إذا وجبت 60 يمين الأب على الابن فقلبها على الأب، وتعلق بها 61 حق الغير كما لو ادعى تلف صداق ابنته أو 62 ادَّعى عليه زوجها أنه نحلها نحلة، فانعقد
الجزء: 4 - الصفحة: 145
عليها النِّكَاح فاتُفق على أنه يحلف، وإلى هذا أشار بقوله: (إِلَّا الْمَنْقَلِبَةَ وَالْمُتَعَلِّقَ بِهَا حق لِغَيْرِهِ).
قوله: (وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ كالأَخَوينِ وَالزَّوْجَيْنِ إِنْ خَلا) يريد: أنه لا فرق في السجن بين الأب والابن ولا بين الإخوة، ونص عليه سحنون، واختلف إذا أراد الطالب أن يفرق بين الغريم وزوجته في السجن وطلب الزوجان أن يجتمعا، فقال ابن عبد الحكم: ذلك لهما إذا كان السجن خاليًا، وإليه أشار بقوله: إن خلا، وعن سحنون فيمن سجن في دَيْن امرأته أو غيرها، فأرادت زوجته أن تدخل تبيت عنده لَمْ تمكن من ذلك؛ لأن المراد بسجنه التضييق.
ابن يونس: إلَّا أن تشاء المرأة 63 الدخول عليه إذ السجن في دينها فذلك لها؛ لأنَّها لو شاءت لَمْ تسجنه فيه.
قوله: (وَلا يَمْنَعُ مُسَلِّمًا وَخَادِمًا) هكذا قال ابن المواز وهكذا عند ابن يونس 64، ونصه: ولا يمنع المحبوس في الحقوق ممن يسلم عليه أو يخدمه 65، وإن اشتد مرضه واحتاج لأمة تخدمه 66 تباشر منه ما لا يباشر غيرها، وتطّلع على عورته فلا بأس أن تجعل معه 67 حيث يجوز ذلك، وحكاه أيضًا غيره 68.
قوله: (بِخِلافِ زَوْجَتِهِ) أي: فإنها لا تدخل عليه، وقد تقدم من كلام ابن يونس بيان ذلك.
قوله: (وَأُخْرِجَ لِحَدٍّ) ظاهوه، ولوْ كان حدًّا يأتي على النفس، لكن الذي نص عليه ابن يونس وغيره أنه يخرج لحد القذف أي: لإقامة 69 الحد عليه ثم يعود.
قوله: (أَوْ ذَهَابِ عَقْلِهِ لِعَوْدِهِ) ابن يونس: وإذا مرض لَمْ يخرج إلَّا أن يذهب عقله
الجزء: 4 - الصفحة: 146
فيخرج بحميل، فإذا عاد عليه عقله 70 رُدَّ، وهذا معنى قوله: (لعوده) 71، والمعنى إذا أخرج لذهاب عقله فلا يعود إلى السجن 72 إلى أن يعود إليه عقله 73، فإذا عاد إليه رُدَّ إلى السجن.
قوله: (وَاسْتُحْسِنَ بِكَفِيلٍ بوَجْهِهِ لِمَرَضِ أَبَوَيْهِ وَوَلَدِه وَأَخِيهِ وَقَرِيب جِدًّا ليُسَلِّمَ) أي: واستحسن أن يخرج من السجن بكفيل بوجهه لأجل مرض أبويه أَو أحدهما أو ولده أو أخيه، قاله 74 في كتاب محمد: أو من يقرب 75 من قرابته وخيف عليه الموت فيسلم عليهم ثم يعود، قال: ولا يفعل في غيره من القرابة.
الباجي 76: وهو استحسان، والصواب عندي.
وهو القياس.
المنع.
قوله: (لا جُمْعَةِ وَعِيدٍ) هكذا قال محمد بن عبد الحكم أنه لا يخرج لجمعة ولا لعيد.
اللخمي: وقوله في الجمعة إنما 77 يصح على القول بأنها فرض كفاية 78.
المازري: وعندي أنه لا يخرج لأن الجمعة لها بدل وتسقط لأعذار 79، وقد سقطت على أحد القولين لشدة المطر.
ابن عبد السلام: ولا يخرج ليغير على العدو إلَّا أن يخاف عليه الأسر والقتل بموضعه فليخرج إلى موضع 80 غيره 81، وإليه أشار بقوله: (وَعَدُوٍّ إِلَّا لِخَوْفِ قَتْلِهِ أَوْ أَسْرِهِ).
الجزء: 4 - الصفحة: 147
(المتن)
وَلِلْغَرِيمِ أَخْذُ عَيْنِ مَالِهِ الْمُحَازِ عَنْهُ فِي الْفَلَسِ، لَا الْمَوْتِ، وَلَوْ مَسْكُوكًا أَوْ آبقًا.
وَلَزِمَهُ إِنْ لَمْ يَجِدْهُ.
إِنْ لَمْ يَفْدِهِ غُرَمَاؤُهُ، وَلَوْ بِمَالِهِم وَأَمْكَنَ لَا بُضْعٌ، أَو عِصْمَتِهِ، أَو قِصَاصٌ، وَلَمْ يَنْتَقِلْ، لَا إِنْ طُحِنَتِ الْحِنْطَةُ، أَوْ خُلِطَ بِغَيْرِ مِثْلٍ، أَوْ سُمِّنَ زُبْدُهُ، أَوْ فُصِّلَ ثَوْبُهُ، أَوْ ذُبحَ كَبْشُهُ، أَوْ تَتَمَّرَ رُطَبُهُ.
وكَأَجِيرِ رَعْيٍ وَنَحْوِهِ، وَذِي حَانُوتٍ فِيمَا بِهِ، وَرَادٍّ لِسِلْعَةٍ بِعَيْبٍ - وَإِنْ أُخِذَتْ عَنْ دَيْنٍ - وَهَلِ الْقَرْضُ كَذَلِكَ وَإنْ لَمْ يَقْبِضْهُ مُقْتَرِضُهُ، أَوْ كَالْبَيْعِ؟ خِلَافٌ.