قوله: (وَنُدِبَ ليَشْتَهِرَ 1 عِلْمَهُ) يريد: أن من كان عالمًا، وقد خفي علمه عن الناس، لكونه غير معروف فإنه يستحب له طلب القضاء؛ ليشهره للناس فيفتي المسترشد، ويعلم الجاهل.
قوله: (كَوَرع غَنِيٍّ، حَلِيمٍ، نَزْهٍ، نَسِيبٍ، مُسْتَشِيرٍ) أي: ومما يستحب في القاضي أن يكون ورعًا، غنيًا، حليمًا، نزهًا، نسيبًا، مستشيرًا 2، فاحترز بالورع من غيره، وبالغني من الفقير؛ لأن الفقير تتطرق إليه مقالة السوء، وتكثر فيه، وبالحليم من غيره، ويعني به ما لَمْ ينتهك 3 حرمة الشرع، وانظر ما الفرق بين النزه، والورع، والنسيب: هو المعروف النسب، من ألفاظ المبالغة كسميع، عليم، وبصير ومستشيرًا، أي لأولي العلم؛ لأن ذلك أعون له على حصول الصواب.
قوله: (بَلا دَيْنٍ) أي: لأن المديان منحط الرتبة لا سيما عند أرباب الديون.
قوله: (وَحَدٍّ) أي: أن لا يكون محدودًا في قذف، أو زنا، وجوز أصبغ حكمه فيما حد فيه، ومنعه سحنون، قياسًا على الشهادة 4.
قوله: (وَزَائِدٍ في الدَّهَاءِ) أي: ولا يستحب كونه زائدًا في الدهاء؛ أي الفطنة، والحذاقة؛ لأن ذلك مما يحمله على الحكم بالفراسة وتعطيل 5 الطرق الشرعية 6 من
الجزء: 5 - الصفحة: 56
البينة، والأيمان.
قوله: (وَبِطَانَةُ سُوءٍ) أي: وأن يكون خاليًا من بطانة السوء؛ لأن السلامة من ذلك رأس كل خير.
قوله: (وَمَنْعِ الرَّاكِبِينَ مَعَهُ، وَالمُصَاحَبِينَ له) يريد لغير حاجة، وإنما استحب له منعهم؛ لأن من كثرت ملازمته له، اعتقد فيه أنه لا يستوفي الحكم عليه، وأن القاضي يميل معه فيمتنع الناس من طلب حقوقهم معه 7؛ ولأنه يتكبر بالراكبين معه، وتعظم نفسه عنده.
قوله: (وَتَخْفِيفُ الأَعْوَانِ) أي: ويستحب له أن يخفف من الأعوان ما استطاع، قالوا لأنهم إنما يعيشون غالبًا من تخبيب الخصوم 8. وتخبيب الخصوم أي من خدع الخصوم، قال الجوهري: الخِب والخَب الرجل الخداع؛ تقول منه خببت يا رجل تخب خبا مثل علمت تعلم علما، وقد خبب غلامي فلان؛ أي خدعه 9.
قوله: (واتِّخَاذُ مَنْ يُخْبِرهُ بِمَا يُقَالُ فِي سِيرَتِهِ وَحُكْمِهِ وَشُهُودِهِ) هكذا قال ابن 10 عبد الحكم؛ لأنه إذا أخبره بما يقال في سيرته وحكمه وشهوده 11 تجنب ما يكره من ذلك، وإذا أخبره بما يكره من شهوده أو من بعضهم عزله 12. وقد كان لعمر -رضي الله عنه- من يخبره بذلك كله.
قوله: (وَتَأْدِيبُ مَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ منَ الخُصوم، إِلَّا فِي مِثْلِ: اتَّقِ الله فِي أَمْرِي فَلْيَرْفُقْ بِهِ) أي وكذا يستحب له أن يؤدب من أساء عليه، قال 13 ابن عبد السلام 14: وظاهر قول
الجزء: 5 - الصفحة: 57
مالك أن هذا على الوجوب 15. مطرف وابن الماجشون: وإذا قال أحد الخصمين للآخر: يا فاجر أو يا ظالم فليضربه على ذلك، إلا أن يكون القائل من أهل المروءة فليتجاف عنه، وإن لمز أحدهما الآخر 16 بما يكره فليؤدبه وهو أمثل من العفو 17. ابن عبد السلام: ولا يعد تكذيبهما الآخر في الدعوى ولو كان بلفظ كذبت من ذلك، وصرح بذلك الفقهاء.
وأشار إلى أن إساءته على الحاكم أخف من ذلك 18.
ابن عبد الحكم: وإذا قال أحدهما للقاضي: اتق الله في أمري، فليقل له: رزقني الله تقواه، وما أمرت 19 إلا بخير، وعلينا وعليك أن نتقي 20 الله، وهذا هو الرفق به 21.
قوله: (وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ، إِلَّا لِوُسْعِ عَمَلِهِ فِي جِهَةٍ بَعُدَتْ) أي: إذا ولى الخليفة قاضيًا، وسكت عن استخلافه وعدمه، فليس له الاستخلاف، إلا إذا كان عمله واسعًا فليستخلف في الجهات البعيدة من يكفيه بعض 22 تعب الخصوم، وهذا هو المشهور، وقال ابن عبد الحكم: لا يجوز إلا بإذن الخليفة 23.
قوله: (مَنْ عَلِمَ مَا اسْتُخْلِفَ فِيهِ) أي: إنما يستخلف شخصًا عالمًا بما استخلفه فيه القاضي، ونبه بهذا على أن خليفة القاضي ليس من شرطه 24 أن يعلم جميع أبواب
الجزء: 5 - الصفحة: 58
الفقه؛ بل ما استخلف فيه فقط، إلا أن يفوض (1) إليه الحكم العام فيشترط علمه بالجميع كالأصل.
قوله (وَانْعَزَل بِمَوْتِهِ، لَا هُوَ بِمَوْتِ الأَمِيرِ، وَلَوِ الْخَلِيفَةَ) يريد أن نائب القاضي ينعزل بموت القاضي، ولا ينعزل هو، أي القاضي بموت الأمير، ولو كان الخليفة، وانعزال النائب بموت القاضي صحيح إن استناب بمقتضى الولاية، وأما إن استناب رجلًا معينًا بإذن الأمير، أو الخليفة، فينبغي أن لا يعزل النائب بموت القاضي، وقاله ابن عبد السلام (2). والفرق بين انعزال النائب بموت القاضي، وعدم انعزال القاضي بموت الأمير أو الخليفة أن الأمير أو الخليفة إنما قدَّما القاضي للمصلحة العامة للمسلمين، والقاضي إنما قدم النائب لمصلحة نفسه، فأشبه الوكيل.
قوله (وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَهُ لأَنَّهُ قَضَى بِكَذَا) أي ولا تقبل شهادة القاضي بعد عزله أنه قضى بكذا؛ لأنها شهادة على فعل نفسه، وقاله في المدونة (3).
(المتن)
وَجَازَ تَعَدُّدُ مُسْتَقِلٍّ أَوْ خَاصٍّ بِنَاحِيَةٍ، أَوْ نَوْعٍ.
وَالْقَوْلُ لِلطَّالِبِ ثُمَّ مَنْ سَبَقَ رَسُولُهُ، وَإِلَّا أُقْرِعَ.
كَالإِدِّعَاءِ، وَتَحْكِيمُ غَيْرِ: خَصْمٍ وَجَاهِلٍ وَكَافِرٍ، وَغَيْرِ مُمَيِّزٍ، فِي مَالٍ، وَجَرْحٍ، لَا حَدٍّ، وَلِعَانٍ، وَقَتْلٍ، وَوَلاءٍ، وَنَسَبٍ، وَطَلَاقٍ، وَعِتْقٍ.
وَمَضَى إِنْ حَكَمَ صَوَابًا، وَأُدِّبَ، وَفِي صَبِيٍّ، وَعَبْدٍ، وَامْرَأَةٍ، وَفَاسِقٍ، ثَالِثُهَا إِلَّا الصَّبِيَّ، وَرَابِعُهَا وَالفَاسِقٍ.
وَضَرْبُ خَصْمٍ لَدَّ، وَعَزْلُهُ لِمَصْلَحَةٍ.
وَلَمْ يَنْبَغِ إِنْ شُهِرَ عَدْلًا بِمُجَرَّدِ شكِيَّةٍ وَلْيُبَرَّأْ عَنْ غَيْرِ سُخْطٍ وَخَفِيفُ تَعْزِيرٍ بِمَسْجِدٍ، لَا حَدٌّ.
وَجَلَسَ بِهِ بِغَيْرِ عِيدٍ، وَقُدُومِ حَاجٍّ، وَخُرُوجِهِ، وَمَطَرٍ وَنَحْوِهِ، وَاتِّخَاذُ حَاجِبٍ وَبَوَّابٍ.