قوله: (الشَّرِكَةُ إِذْنٌ فِي التَّصَرُّفِ لَهُمَا مَعَ أَنْفُسهِمَا) الشركة: بكسر الشين وتسكين الراء، وهي تحصل بين 1 اثنين أو جماعة في العين و 2 غيره، وتجوز بالكتاب والسنة والإجماع 3، ورسمها هنا بما قال، أي: إذن كل واحد لصاحبه أن يتصرف مع نفسه، قوله: (إِذْنٌ) كالجنس يشمل الشركة والوكالة، ومع أنفسهما قيد تخرج به الوكالة، ولا يكون شريكًا لصاحبه حتى يشاركه في رقاب الأموال على الإشاعة كما سيأتي، قال في المدونة 4: وهي من العقود الجائزة لكل واحد أن ينفصل عن شريكه متى أراد، ولا يلزمه البقاء معه على الشركة إلا المزارعة، ، فحكى فيها قولين: الأول: أنها تلزم 5 بالعقد، وهو قول ابن القاسم في كتاب ابن سحنون 6 وابن كنانة، وابن الماجشون وسحنون أن القول 7 الثاني: لا تلزم بالعقد، وهو معنى قول ابن القاسم 8 في المدونة، ونص رواية أصبغ عنه 9، وخرج اللخمي قولًا بلزومها وشهره في
الجزء: 4 - الصفحة: 237
مفيد 10 الحكام 11 ونحوه لابن يونس.
قوله: (وَإِنَّمَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ 12 التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُلِ) يريد: أن من جاز له 13 أن يوكل ويتوكل جاز له أن يشارك، وأما 14 من لا يجوز له ذلك فلا تجوز له الشركة كالعبد غير المأذون له وغيره من المحجور عليهم.
قوله: (وَلَزِمَتْ بِما يَدُلُّ عُرْفًا كَاشْتَرَكنَا) يريد: أنها لا تختص بلفظ بل تنعقد بكل ما يدل عليها عرفًا من قول كاشتركنا أو فعل كخلط 15 المالين والعمل بهما.
قوله: (بِذَهَبَيْنِ أَوْ وَرِقَيْنِ اتَّفَقَ صَرْفُهُما) هو متعلق بقوله: (وَإِنَّمَا تَصِحُّ) أي 16: إنما تصح الشَّرِكَةُ (بِذَهَبَيْنِ أَوْ وَرَقَيْنِ) إلى آخره، أي: ذهب من هذا ومن الآخر ذهب مثله، أو من هذا ورق ومن الآخر ورق مثله، ولو أخرج هذا ذهبًا والآخر ورقًا لم يجز على المشهور 17؛ لأنه صرف وشركة، وذلك ممنوع، وأجازه أشهب وسحنون، ومثله في الموازية عن مالك، وعنه كراهته، ولا بد من اتفاق صرف الذهبين أو الورقين.
قوله: (وَبِهِما مِنْهُما) أي: وكذا تصح الشركة بالذهب والورق من الشريكين بأن يخرج هذا ذهبًا وورقًا، والآخر 18 ذهبًا وورقًا، ولا خلاف فيه.
قوله: (وَبِعَيْنٍ وَبعَرْضٍ) أي: يخرج هذا عينًا ذهبًا أو ورقًا، وهذا عرضًا، ولهذا أعاد 19 حرف الجر 20.
قوله: (وَبِعَرْضَيْنِ مُطْلَقًا) أي: سواء كانا متفقين أو مختلفين، وقاله في المدونة، وعن
الجزء: 4 - الصفحة: 238
مالك في الموازية: في المختلفين ليس من عمل الناس، وأرجو ألا يكون به بأس، وحمله ابن رشد 21، والظاهر الوفاق لقوله: أرجو ألا يكون به بأس، ولو كان ممنوعًا لكان به البأس.
قوله: (وَكُلٌّ بالْقِيمَةِ) أي: بقيمة عرض كل واحد منهما.
قوله: (يَوْمَ أحضِرَ) أي: يوم أحضر الاشتراك به، فإذا كان عرض أحدهما يساوي عشرين، وعرض الآخر يساوي عشرة فالمال بينهما على ثلاثة أجزاء عند القسمة 22، وقاله في المدونة 23.
قوله: (لا فَاتَ) أي: لا يوم الفوت 24، وهذا الذي قدّمه مشروط بصحة الشركة، ولهذا قال: (إن صحّت)، واحترز به مما إذا وقعت فاسدة فإن المشهور أن يكون رأس مال كل واحد منهما ما بيع به عرضه لا قيمته 25 يوم أحضره؛ لأن العرض في الشركة الفاسدة 26 لم يزل على ملك ربه وفي ضمانه إلى يوم البيع وقيل إن القيمة يوم الإحضار 27 كالصحيحة، وليس بمنصوص، وإنما خرّجه التونسي مما إذا أخرج أحدهما ذهبًا: والآخر ورقًا، فإن المشهور فسادها، وهو قول ابن القاسم مع أنه قال: إذا اشترى كل واحد سلعة، وعرفها 28 فيقسمان الربح على حسب رأس المال 29، وخرّجه الشيخ على القول بأن المستثنى من أصل إذا فسد ألحق بصحيح نفسه، وقيل: بصحيح أصله.
قوله: (إِنْ خَلَطَا وَلَوْ حُكْمًا) يريد: أن الشركة لا تحصل بينهما إلا إذا خلطا المالين ولو حكما، وحينئذ يكون ما تلف منهما معًا، قال في المدونة: وإذا أخرج كل
الجزء: 4 - الصفحة: 239
واحد ذهبه 30 وصره على حدة، وجعل الصرّتين بيد أحدهما أو في تابوته أو في خرجه فالذاهبة منهما 31، ولا إشكال في الخلط الحسي، قال في المدونة: وإن بقيت صرة كل واحد منهما بيده فضياعها منه حتى يخلطا أو يجعلا الصرتين عند أحدهما 32، وإلى هذا أشار بقوله: (وَإِلا فَالتَّالِفُ مِنْ رَبِّهِ) ثم قال في المدونة: وإن بقيت كل صرة بيد ربها حتى ابتاع بها أحدهما أمة على الشركة، وتلفت الصرة الأخرى، والمالان متفقان، فالصرة من ربها 33، والأمة بينهما 34، وإلى هذا أشار بقوله: (وَمَا ابْتِيعَ بِغَير فبيْنَهُمَا) أي: ما اشتري بغير المال التالف بين الشريكين.
ابن يونس: يريد بعد أن يدفع لشريكه نصف ثمنها؛ لأنه إنما اشتراها على الشركة، وإليه أشار بقوله: (وَعَلى الْمُتْلِفِ نِصْفُ الثمَنِ) قال في المدونة: وقال غيره: لا تنعقد بينهما شركة حتى يخلطا 35 خلطًا حسيًّا لا يتميز معه أحد المالين، وهو قول سحنون.
المتيطي: ولم يختلف ابن القاسم وغيره أن الضائعة من ربها، وحمل اللخمي قوله (في الضائعة) على معنى أنها ضاعت قبل الشراء أو 36 قبل الجمع، وفيها: حق توفية من وزن أو انتقاد، قال: وأما لو وزن كلٌّ صرته 37 وقلبت وخليت عند صاحبها على وجه الشركة، فإن مصيبتها منهما كالجارية 38.
قوله: (وَهَلْ إِلا أَنْ يَعْلَمَ بِالتَّلَفِ فَلَهُ وَعَلَيْهِ؟ أَوْ مُطْلَقًا إِلا أَنْ يَدَّعِيَ الأَخْذَ؟ تَرَدُّدٌ) وهل ما ذكره من أن الشريك الذي تلف ماله، يشارك الآخر فيما ابتاعه بماله مقيد بما إذا لم يعلم بالتلف حين الشراء، وأما لو علم فيكون ما اشتراه له خاصة، فيكون له ربحه، وعليه خسارته، أو يشاركه فيه مطلقًا، فاختلف الأشياخ في ذلك، وإلى الأول ذهب في
الجزء: 4 - الصفحة: 240
المقدمات (1)، وقال ابن يونس عن بعض أصحابه: إذا اشترى بعد التلف عالمًا به فشريكه مخير إن شاء شاركه أو يترك له ذلك إلا أن يقول: إنما اشتريتها لنفسي فتكون له خاصة، ولما كان هذا متفقًا عليه أخرجه من محل التردد.
بقوله (2): (إِلا أَنْ يَدَّعِيَ الأَخْذَ لِنَفْسِهِ) أي: فإنها له بلا نزاع.
(المتن)
وَلَوْ غَابَ نَقْدُ أَحَدِهِمَا إِنْ لَمْ يَبْعُدْ وَلَمْ يتجَرْ لِحُضُورِهِ.
لا بِذَهَبٍ وَبِوَرِقٍ، وَبِطَعَامَيْنِ، وَلَوِ اتَّفَقَا.
ثُمَّ إِنْ أَطْلَقَا التَصَرُّفَ -وَإِنْ بِنَوْعٍ- فَمُفَاوَضَةٌ.
وَلا يُفْسِدُهَا انْفِرَادُ أَحَدِهِمَا بِشَيءٍ، وَلَهُ أَنْ يتَبَرَّعَ إِنِ استئلف بِهِ أوْ خَفَّ، كَإِعَارَةِ آلَةٍ وَدَفْعِ كِسْرَةٍ، وَيُبْضِعَ، وَيُقَارِضَ وَيُودعَ لِعُذْرٍ، وَإِلَّا ضَمِنَ، وَيُشَارِكَ فِي مُعَيَّنٍ، وَيُقِيلَ، وَيُوَلِّيَ، وَيَقْبَلَ الْمَعِيبَ وَإِنْ أبَى الأخَرُ، وَيُقِرَّ بِدَيْنٍ لِمَنْ لا يُتهَمُ عَلَيْهِ.
وَيَبِيعَ بِالدَّيْنِ، لا الشِرَاءُ بِهِ، كَكِتَابَةٍ.
وَعِتْقٍ على مَالٍ، وإذْنٍ لِعَبْدٍ فِي تِجَارَةٍ وَمُفَاوَضَةٍ.