قوله: (وزكاته على أحدهما) أي: وكذا يجوز لهما أن يجعلا زكاة ربح القراض على أحدهما، يريد، لأن ذلك يرجع إلى جزء معلوم، وهو مذهب المدونة 2.
وفي الأسدية: لا يجوز اشتراطه على واحد منهما 3. وفي المساقاة 4: يجوز على رب المال فقط، ابن رشد 5، وابن زرقون: والباب واحد 6. وخرج ابن رشد، وغيره: عكس هذا، وأنه يجوز اشتراط ذلك 7 على العامل، دون رب المال.
وهذا كله في زكاة الربح 8، وأما زكاة المال كله فلا خلاف في عدم جواز اشتراط زكاته على العامل، قاله في البيان 9، وغيره.1
الجزء: 4 - الصفحة: 512
قوله: (وهي 10 للمشترط وإن لم تجب) هو جواب عن سؤال مقدر، و 11 كأن قائلا قال له: ما ذكرته من الجواز 12 يؤدي إلى القراض 13 بجزء مجهول؛ لأن الزكاة قد لا تجب، إما لقصور الربح عن النصاب، أو لعدم حولان الحول على المال؟ . فأجاب: بأن ذلك يرجع إلى جزء معلوم؛ لأن المراد أن لمشترط الزكاة ربع عشر الربح، ثم يقتسمان 14 ما بقى، سواء وجبت الزكاة أم 15 لم تجب؛ ولهذا قال: (وإن لم تجب) أي: والجزء لمشترطه منهما وإن لم تجب الزكاة.
قوله: (والربح لأحدهما أو لغيرهما) أي: وهكذا يجوز أن يعقد القراض على أن يكون الربح كله لأحدهما أو لغيرهما 16، ابن عبد السلام 17: ولا خلاف أعلمه في ذلك في المذهب 18، على أن الباجي قال: هو مشهور المذهب.
وحيث شرط الربح للعامل، فإن قال له رب المال 19: اعمل ولك ربحه فضمانه من العامل؛ لأنه كالسلف، وإليه أشار بقوله: (وضمنه في الربح 20 له).
قوله: (إن لم ينفه، ولم يسم قراضا) إشارة إلى أن الضمان عليه مشروط بشرطين:
الأول: أن لا ينفيه، فإن نفاه بأن قال له: اعمل ولا ضمان عليك، فإنه لا يضمنه، وقاله 21 اللخمي.
الثاني: أن لا يسمى ذلك قراضا، فإن قال له: اعمل في هذا 22، فإن قال له: اعمل
الجزء: 4 - الصفحة: 513
في هذا المال على القراض، فالمشهور أن ضمانه من ربه، خلافا 23 لسحنون، اللخمى 24: والأول أصوب 25.
قوله: (وشرطه عمل غلام ربه، أو دابته في الكثير) أي: وجاز للعامل أن يشترط عمل غلام رب المال معه، أو عون دابته، قاله 26 مالك مرة، ومنعه مرة 27، واختار محمد الجواز 28، وقيده ابن زرقون بالمال الكثير، كما نبه عليه هنا.
قوله: (وخلطه وإن بماله) ما تقدم من أن خلط 29 المال يفسد القراض، ويرد فيه العامل إلى أجرة 30 مثله، إنما ذلك مع الاشتراط، وأما 31 خلطه من غير شرط فإن ذلك جائز، وهو المراد هنا، وسواء خلطه بماله، أو بمال غيره؛ لأن كثرة المال تحصل الربح الكثير، قال في المدونة: وإذا خاف العامل إن قدم ماله على مال القراض، أو أخره وقع الرخص في ماله، فالصواب أن يخلطهما، ويكون ما اشترى بهما 32 من السلع على القراض 33 وعلى ما نقد فيها) 34، وإليه أشار بقوله: (وهو الصواب إن خاف بتقديم أحدهما رخصا).
قوله: (وشارك إن زاد مؤجلًا بقيمته) أي: وشارك العامل رب المال إن زاد ثمنا مؤجلًا بقيمته، وهذا معنى قول ابن القاسم في المدونة: إن العامل إذا أخذ مائة قراضًا،
الجزء: 4 - الصفحة: 514
فاشترى سلعة، بمائتين إحداهما حالة، والأخرى مؤجلة، أنه يكون شريكا لرب المال بقيمة المؤجلة، تقوم بالنقد، فإن ساوت خمسين كان العامل شريكًا بالثلث 35. وقال محمد: إنما تقوم بالعرض، ثم يقوم العرض بنقد 36، ويكون شريكًا بنسبته، وإليه ذهب ابن القاسم وأشهب، وعليه أصلح سحنون المدونة.
وعن مالك: أنه يكون شريكًا بما زادته قيمة السلعة على مائة القراض، وهو الذى كانت المدونة عليه أولًا 37، وهي رواية القابسى عن الدباغ والإبيانى.
واختار ابن المواز وصاحب البيان وغيرهما الأول.
قوله: (وسفره إن لم يحجر قبل شغله) أي: وجاز سفر العامل بالمال 38، إن لم ينهه رب المال عن ذلك قبل شغل المال، قال 39 في المدونة: وليس له أن ينهاه عن السفر إذا شغل المال 40. والحاصل: أن له السفر به 41 عند الإطلاق وهو المشهور 42 وقال ابن حبيب: ليس له أن يخرج به من بلد رب المال إلا بإذنه، وقال سحنون: ليس له أن يسافر بالمال 43 سفرا بعيدا إلا بإذنه، وقال اللخمي: إن كان العامل من شأنه السفر فله ذلك، وإلا فلا 44.
قوله: (وادفع لي 45 فقد وجدت رخيصا أشتريه) أي: وكذا يجوز القراض في هذه الصورة، وهي أن يقول العامل لرجل: قد وجدت سلعة رخيصة فادفع لي مالًا قراضًا لأشتريها به وقد فعله عثمان -رضي الله عنه-.
قوله: (وبيعه بعرض) أي: وكذا يجوز للعامل أن يبيع بالعرض؛ لأنه من التجر
الجزء: 4 - الصفحة: 515
الذى دخل مع رب المال عليه.
قوله: (ورده بعيب) أي: وكذا يجوز له (1) إذا اشترى شيئا، ثم اطلع فيه على عيب أن يرده، يريد: وإن أبى رب المال؛ لتعلق حق العامل بالزيادة.
وقوله: (وللمالك قبوله، إن كان الجميع، والثمن عينا (2)) يريد: أن الحكم المتقدم مقيد بما إذا كان الشراء ببعض مال القراض، فأما إن اشترى بالجميع سلعة ثم وجد فيها عيبًا، فإن لربه قبول ذلك المعيب (3) بالثمن؛ لأن من حجته أن يقول للعامل: أنت إذا رددت (4) ذلك نض المال ولي أن آخذه، وقاله في المدونة (5)، وقيدها (6) أبو عمران بما إذا لم يكن ثمن المعيب عرضًا (7)؛ ولهذا قال: (والثمن عينًا) فإن كان عرضًا لم يكن له ذلك؛ لأن العامل يرجو الربح في ذلك العرض إذا عاد في يده.
(المتن)
وَمُقَارَضَةُ عَبْدِهِ وَأَجِيرِهِ، وَدَفَعُ مَالَيْنِ، أَوْ مُتَعَاقِبَيْنِ قَبْلَ شَغْلِ الأَوَّلِ، وَإِنْ بِمُخْتَلِفَيْنِ، إِنْ شَرَطَا خَلْطًا، أوْ شَغْلَهُ، إِنْ لَمْ يَشْتَرِطْة كَنُضُوضِ الأَوَّلِ، إِنْ سَاوَى، وَاتَّفَقَ جُزْؤُهُمَا، وَاشْتِرَاءُ رَبِّهِ مِنْهُ إِنْ صَحَّ، وَاشْتِرَاطُهُ أَنْ لا يَنْزِلَ وَادِيًا، أَوْ يَمْشِيَ بِلَيْلٍ، أَوْ بِبَحْرٍ، أَوْ يَبْتَاعَ سِلْعَةً، وَضَمِنَ إِنْ خَالَفَ كَإِنْ زَرَعَ أَوْ سَاقَى بِمَوْضِعِ جَوْرٍ، أَوْ حَرَّكَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ عَيْنًا، أَوْ شَارَكَ وَإِنْ عَامِلًا أَوْ بَاعَ بِدَيْنٍ، أَوْ قَارَضَ بِلا إِذْنٍ، وَغَرِمَ لِلْعَامِلِ الثَّانِي، إِنْ دَخَلَ عَلَى أَكْثَرَ، كَخُسْرِهِ وَإِنْ قَبلَ عَمله وَالرِّبْحُ لَهُمَا، كَكُلِّ آخِذِ مَالٍ لِلتَّنْمِيَةِ فَتَعَدَّى، لا إِنْ نَهَاهُ عَنِ الْعَمَلِ قَبْلَهُ أَوْ جَنَى كُلٌّ، أوْ أَخَذَ شَيْئًا فَكَأجْنَبِي.