قوله: (كَفَضْلِ بِئْرِ زَرْعِ خِيفَ عَلَى زَرْعِ جَارِه بِهَدْم بِئْرِهِ وَأَخذ يُصْلِحُ وأجبر عليه) يريد، أن من له بئر زرع وفي مائه فضل عن سقى زرعه، فإن له منع ذلك من غيره ويأخذ منه ثمنه، إلا أن يكون له جار وله زرع خيف عليه الهلاك من العطش فإنه يجب عليه أن يدفع لجاره ذلك الفضل، بشرط أن يكون بئره قد تهدم أو نزح 2 نحو ذلك وأن يكون قد أخذ في إصلاحها، يريد وأن يكون قد زرع على أصل الماء احترازًا مما إذ 3 زرع لا على أصل 4 ماء، فإن جاره لا يجب عليه 5 دفع ذلك، لأنه خاطر وعرّض زرعه للهلاك، واختلف هل عليه في ذلك ثمن أم لا؟ والثاني مذهب المدونة 6، وحكى القولين 7 عن مالك في المقدمات 8. ابن يونس: والأولى أن يأخذ ذلك بالثمن، فقوله: (كَفَضْلِ بِئْرِ زَرْعِ) إشارة إلى أن الأرجح في هذا أيضا دفع الثمن1
الجزء: 4 - الصفحة: 634
كالذي قبله.
قوله 9: (وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ) أي: على دفع الماء في الفرعين معًا.
قوله: (كَفَضْلِ بِئْرِ مَاشِيةٍ بِصَحْرَاءَ هَدَرًا، إنْ لَمْ يُبَينْ الملكِيَّة) يعني، أنه يجبر على دفع فضل ماء بئر الماشية بغير ثمن، وقاله في الواضحة والمجموعة 10 واحترز بقوله (بصحراء) مما إذا حفرها في ملكه، فإن له منع مائها وبيعه، كما إذا بيّن أن الماء ملكه 11 وأشهد على ذلك.
قوله: (وَبُدِئَ بمُسَافرٍ وَلَهُ عَارِيَةُ آلَةٍ ثُمَّ حَاضِرٍ ثُمَّ دَابَّةِ رَبِّهَا) يريد أن ما فضل عن رب البئر يدخل فيه المسافر والمقيم، إلا أن المسافر مقدم 12 عليه؛ لشدة حاجته وله على الحاضر عارية الرشاء والدلو والحوض ونحو ذلك، ثم دابة المسافر ثم الحاضر ثم دابته، ولهذا قال (ثم دابة ربها) 13، أي تليه في التبدئة.
قال في المقدمات: يبدأ أولًا بأهل الماء فيأخذون لأنفسهم حتى يرووا ثم المارة حتى يرووا، ثم دواب أهل الماء حتى يرووا، ثم دواب المارة حتى يرووا 14 ثم مواشي أهل الماء، ثم الفضل لسائر الناس المسلمين 15، وقال أشهب: دواب المسافرين قبل دواب أهل الماء 16.
قوله: (بِجَمِيعِ الرِّيِّ) هذا إشارة إلى قوله في المقدمات: حتى يرووا 17.
قوله: (وَإِلا فَبِنَفْسِ 18 المْجَهُود) يريد: أن التبدئة المذكورة مشروطة بما إذا كان في الماء فضل وإلا فإنه يبدأ بأنفس المجهودين.
ابن رشد 19: ودواب من كان الجهد عليه
الجزء: 4 - الصفحة: 635
أكثر بتبدية 20 صاحبه فإن استووا في الجهد 21 تساووا هذا مذهب أشهب، وعلى ما ذهب إليه ابن كنانة إذا استووا في الجهد 22 فأهل الماء أحق بالتبدئة لأنفسهم، ودوابهم، وإن قل الماء جدًّا وخيف على بعضهم بتبدئة بعض 23 أخذ أهل الماء قدر ما يذهب عنهم الخوف 24، فإن فضل شيء أخذ المسافرون لأنفسهم 25 بقدر ما يذهب عنهم الخوف 26 فإن فضل شيء أخذه أهل الماء لدوابهم 27 بقدر ما يذهب عنهم الخوف 28.
قال: ولا اختلاف عندي في هذا الوجه وهذا الذي تحصل عندي من قول أشهب وابن كنانة 29.
قوله: (وَإنْ سَالَ مَطَرٌ بِمُباحٍ سُقِيَ الأَعْلَى، إِنْ تَقَدَّم لِلْكَعْب) يريد، أن ما يسيل من المطر في أرض مباحة إلى قوم لهم جنان، فإن الأعلى يسقي به إلى الكعبين، ثم يرسله لمن هو دونه فيسقي به كذلك، ثم يرسله حتى يكتفوا، وقد جاء كذلك في الحديث.
واحترز بالمباح مما إذا سال في أرض مملوكة للغير، فإنه له منعه وبيعه كما تقدم، واختلف إذا بلغ الماء إلى الكعبين هل يرسل الماء جميعه إلى الأسفل؟ وهو قول ابن القاسم، أو لا يرسل إليه 30 إلا ما زاد على الكعبين؟ وهو قول مطرف وابن الماجشون وابن وهب.
وابن رشد: والأول أظهر، وليس في الماء حق لمن لم ينته الماء إليه متى 31
الجزء: 4 - الصفحة: 636
احتاج الأعلى إلى 32 السقي، وعلى رواية ابن زياد 33 لا يأخذ جميعه بل يأخذ منه في ساقيته بقدر ما يكون إلى الكعبين، ثم من تحته كذلك حتى يتم الماء 34، وأما إن لم يكن في الماء فضل ولا يتأتى به السقي إلا لواحد، فلا حق للأسفل إلا فيما فضل عن الأعلى.
قوله: (إِنْ تَقَدَّمَ) يشير إلى أن ما ذكره من تبدئة الأعلى مقيد بما إذا كان إحياؤه مقدمًا عَلى إحياء الأسفل، وأما إذا تقدم الأسفل فإنه أحق، وقاله سحنون 35.
قوله: (وَأُمِرَ بِالتَّسْوِيَةِ، وَإِلَّا فكَالحائِطَيْنِ) يريد أن الأعلى يؤمر بتسوية أرضه إن كان بعضها أعلى من بعض، وقاله سحنون، فإن تعذر عليه التسوية سقى الأعلى، ثم الأسفل وعد كأنهما حائطان، وقاله الباجي 36.
قوله: (وَقُسِمَ لِلْمُتَقَابِلَيْنِ) يريد، أن الحائطين إذا كانا متقابلين 37 فإن الماء يقسم بينهما، وقاله سحنون وزاد: إن كان بعض الأسفل مقابلًا لبعض الأعلى حكم لمقابل الأعلى 38 ولمقابل الأسفل بحكم الأسفل 39.
قوله: (كَالنِّيلِ) يريد، أن حكم النيل حكم المطر، وقاله ابن وهب.
قوله: (وَإِنْ مُلِكَ أولًا قُسِمَ بقلد، أَوْ غَيْرِهِ) أي: فإن ملك الماء أولًا بأن يكون جماعة قد اجتمعوا في إجرائه إلى أرضهم، فإن الأعلى لا تبدئة له هنا على الأسفل؛ لأنهم قد ملكوا الماء قبل وصوله إلى أرضهم بحسب أعمالهم، فيقسم الماء بينهم بقلد أو غيره من الآلات التي 40 تعرف بها الأوقات ونحوها.
ابن شاس: ومن صفة القِلد أن يؤخذ قِدر 41 فيخرق في
الجزء: 4 - الصفحة: 637
أسفلها ثقب 42، وتملأ بماء ويكون قَدر أقلهم 43 نصيبًا مقدار ما يجري ماؤه على ذلك الخرق، فيملأ ولا يزال صاحب الحصة من الماء يأخذ ماء العين كله، ويصرفه فيما شاء إلى أن يفنى ماء القدر 44، ثم يملأ للذي يليه مرة أو مرتين أو أكثر بقدر حصته 45 ثم ذكر صفتين أخريين انظرهما في الكبير.
قوله: (وَأُقْرعَ لِلتَّشَاحِّ فِي السَّبْقِ 46) أي: فإن تشاح الأشراك في التبدئة؛ أقرع بينهم فمن خرج سهمه أجرى له، ثم للذي يليه إلى آخرهم، حكاه ابن شاس 47.
قوله: (وَلَا يَمْنَعُ صَيْدَ سَمَكٍ، وَإِنْ ملكه 48) لا إشكال في ذلك إذا كان في مكان غير مملوك، وأما إن كان في أرض مملوكة 49 فليس له -أيضا- في رواية ابن القاسم أن يمنع غيره من ذلك، وقال سحنون: له المنع، وقال أشهب: إن طرحها فتوالدت فله المنع، وإلا فلا إلا أن يضر به من يصيد.
ولمطرف وعبد الملك نحو قول سحنون 50.
قوله: (وَهَلْ فِي أَرْضِ الْعَنْوةِ فَقَطْ؟ أَوْ إِلَّا أَنْ يَصِيدَ الْمَالِكُ؟ تَأْوِيلان) هذا تفريع على رواية ابن القاسم في المدونة، فرأى ابن كنانة 51 أنه إنما لا 52 يمنع ذلك لكون الأرض ليست لهم، إنما هم متولون لها إذ أرض مصر أرض خراج، وأما لو كانت الأرض لإنسان وملكه فله منع الناس 53. وإليه أشار بقوله: (وَهَلْ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ فَقَطْ؟ ) أي: وهل عدم المنع ذلك مقصور على أرض العنوه فقط؟ وقال بعض القرويين: إنما لا يمنع
الجزء: 4 - الصفحة: 638
النأس منها إذا كان هو لا يصيد ذلك، إذ لا يجوز له بيع ذلك؛ لأن بيعه غرر، وإليه أشار بقوله: (أَوْ إِلَّا أَنْ يَصيدَ 54 الْمَالِكُ؟ ) ولو قال: أو إن لم يصد 55 المالك لكان أحسن، فتأمله 56.
قوله: (ولا كَلأ بِفَحْصٍ وَعَفاء لَمْ يَكْتَنِفهُ زَرعُه) الكلأ -بقصر الهمزة- هو ما ينبت من المرعى الغير مزدرع 57، والفحص هو الأرض التي ترك صاحبها زراعتها 58 ولم يبورها لأجل الرعي.
والعفاء: هو الذي أعفى من الزراعة.
ابن رشد: ولا خلاف أن الكلأ إذا كان في أرض غير مملوكة إن الناس كلهم فيه سواء.
واختلف إذا سبق إليه أحد، فنزله وصار 59 يرعى ما حوله أو حفر بئرًا، فقال ابن القاسم: هو وغيره سواء فيه، ورواه عن مالك في المدونة، وقال أشهب: هو أحق بقدر حاجته وإن لم يحفر حوله 60 بئرًا.
قال ابن رشد: ومعناه إن 61 انتجع إليه وقصده من بعد، وأما إذا مَرَّ 62 به فلا يكون أحق به 63 بمجرد سبقه.
وأوَّله بعضهم على أنه أحق به، لأن رعيه إحياء، وظاهر قول المغيرة أنه أحق إن حفر بئرًا لا بمجرد النزول 64. قال 65: وهو أعدل الأقوال، وأولاها بالصواب، ثم قال: وإن كان مملوكًا فهو على أربعة أقسام:
أحدها: أن يكون قد حظر عليها 66 بالحيطان، ولا خلاف أن صاحبها أحق
الجزء: 4 - الصفحة: 639
بما 67 فيها من الكلأ.
والثاني: ألا تكون محظورة، إلا أنها حماه ومروجه التي يبورها 68 للمرعى فذهب ابن القاسم 69: أن له المنع والبيع فإن لم يحتج إليه ولا وجد من يشتريه جبر على أن يخلي بين الناس وبينه، ولا يباح له منعه، وقيل: له المنع إن احتاج، وهو قول أشهب.
الثالث: فدادينه وفحوص أرضه التي 70 لم يبورها للمرعى، فقال ابن القاسم وأشهب: له المنع إن احتاج، والبيع إن لم يحتج 71.
والرابع: العفاء والمسرح من أرض قريبة، ولا خلاف أنه ليس له بيعه ولا منع الناس عما فضل عن حاجته 72، إلا أن يكون عليه في تخلص الناس إليه بدوابهم ومواشيهم ضرر من زرع يكون له حواليه، فيفسد عليه بالإقبال والإدبار.
قوله: (بِخِلَافِ مَرْجِهِ وحِمَاهُ) أي: فإن له المنع منه إن احتاج إليه 73 والبيع إن لم يحتج، وهذا هو القسم الثاني 74 من كلام ابن رشد 75. والمرج هو واحد المروج، وهو الموضع الذي يرعى فيه الدواب 76.
الجزء: 4 - الصفحة: 640