قوله: (وَاسْتَمَرَّ إِنْ فَرَغَ أَوْ أَحْرَمَ، وَمَرِضَ) يريد أنه إذا فرغ ما أخذه من النفقة فإنه يستمر، ومعناه: ويرجع بالزائد، وكذا إذا أحرم فمرض فحصر عن تمام الحج أو بعد وفاته 1 يستمر.
قوله: (وَإِنْ ضَاعَتْ قَبْلَهُ رَجَعَ) أي: ضاعت النفقة التي أخذها قبل الإحرام، وإنما يرجع لأن الإجارة إنما انعقدت على ذلك المال لا على مال 2 مطلق، وله النفقة في رجوعه، فإن تمادى بعد الضياع فلا شيء له في ذهابه، قاله في المدونة 3.
ابن اللباد: ولا 4 في رجوعه إلى موضع الضياع وله من ذلك الموضع إلى بلوغه 5.
قوله: (وَإِلا فَنَفَقَتُهُ عَلَى آجِرِهِ) أي: وإن كان الضياع إنما حصل بعد أن أحرم فإن النفقة حينئذٍ تكون على آجره ويتمادى على حجه لعدم ارتفاضه 6، وسواء كان للميت مال أم لا، وقال 7 ابن حبيب: إن كان للميت مال فمنه 8.
قوله: (إِلا أَنْ يُوصِيَ بِالْبَلاغِ، فَفِي بَقِيَّةِ ثُلُثِهِ وَلَوْ قُسِمَ) أي: فإن النفقة تكون في بقية الثلث إن لم يقسم المال 9 بلا خلاف، فإن قسم فقال في البيان: يجري ذلك على الاختلاف 10 فيمن أوصى بشراء عبد من ثلثه، فاشتري ولم ينفذ له العتق حتى مات العبد وقد اقتسم الورثة المال، فقيل: يشترى عبد آخر من بقية الثلث، وهو ظاهر
الجزء: 2 - الصفحة: 153
المدونة، وقيل: لا 11.
قوله: (وَأَجْزَأَ إِنْ قُدِّمَ عَلَى عَامِ الشَّرْطِ) يريد: أن الأجير إذا شرط عليه الحج مثلًا في عام خمسين فقدَّم بأن 12 حج في 13 سنة تسع وأربعين أو ما قبلها فإن ذلك يجزئ عن الميت.
بعض الأندلسيين: كما لو قدم دينًا عليه، نقله ابن رشد 14.
قوله: (أَوْ تَرَكَ الزِّيَارَةَ) يريد أن من استؤجر على الحج وعلى زيارة النبي -صلى الله عليه وسلم- فحج وتعذرت عليه الزيارة أن ذلك يجزئ عن الميت.
ابن أبي زيد: ويرد من الأجرة بقدر مسافة الزيارة، وقيل: يرجع ثانية حتى يزور 15، وهو معنى قوله: (وَرُجِعَ بِقِسْطِهَا).
قوله: (أَوْ خَالَفَ 16 إِفْرَادًا لِغَيْرِهِ) يريد أن الأجير إذا شرط 17 عليه الإفراد فخالف فتمتع أو قرن فإنه يجزئ عن الميت، والمذهب في مسألة التمتع الإجزاء كما ذكر، وكان ابن القاسم يقول بعدم الإجزاء ثم رجع إلى الإجزاء، وأمَّا إذا قرن فذهب ابن القاسم إلى عدم الإجزاء 18، قاله ابن الجلاب خلافًا لعبد الملك 19، لكن قال في الكافي: الأكثر من أصحاب مالك على الإجزاء 20، وهذا كله إذا كان المشترط على الأجير الورثة 21، وإليه أشار بقوله: (إِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمَيِّتُ) أي: إن لم يشترط الميت الإفراد على الأجير، ولهذا قال: (وَإلا فَلا) أي: وإن كان المشترط لذلك هو الميت فلا يجزئ وهذا مما لا خلاف فيه، لكن إن قرن انفسخت الإجارة سواء كان العام معينًا أم لا، وإن تمتع
الجزء: 2 - الصفحة: 154
أعاد 22 إن كان العام غير معين 23.
قوله: (كَتَمَتُّعٍ بِقِرَانٍ أَوْ عَكْسِهِ) أي 24: كما لا يجزئ إذا اشترط عليه التمتع فقرن أو القران فتمتع، نقله في الذخيرة 25.
قوله: (أَوْ هُمَا بِإِفْرَادٍ) أي: وكذلك لا يجزئه إذا اشترط عليه التمتع فأفرد أو القران فأفرد، نصَّ على ذلك أيضًا 26 في الذخيرة 27.
قوله: (أَوْ مِيقَاتًا شُرِطَ) أي: وإن شرط على الأجير أن يحج من ميقات فأحرم من غيره لم يجزئه، فـ (ميقاتًا) معطوف على (إفراد) أي: أو خالف ميقاتًا شرط عليه.
قال في الذخيرة: ظاهر المذهب أنه لا يجزئه، ويرد المال في الحج المعين إن فات 28.
قوله: (وَفُسِخَتْ إِنْ عُيِّنَ الْعَامُ أو عُدِمَ) يريد أن الأجير إذا خالف الميقات فإن الإجارة تنفسخ 29 إن كان العام معينًا، وكذلك إن عدم العام المعين؛ أي: فات، أو عدم الأجير بموت ونحوه.
قوله: (كَغَيْرِهِ) يريد أن الأجير إذا أمر غيره بحج عن الميت فإن الإجارة أيضًا تنفسخ، معناه: إذا كان العام أيضًا معينًا، ولا خلاف في هذا إذا نص الميت على الأجير أو الورثة أو دلت قرينة على تعيينه، وكذلك إن لم تكن قرينة، واختاره ابن عبد البر 30 وغيره، وقيل: يصح 31 ويجزئ عن الميت.
قوله: (أَوْ قَرَنَ) أي: وكذلك تنفسخ الإجارة إذا قرن الأجير.
يريد: مخالفًا لما شرط عليه من إفراد أو تمتع، وقد سبق ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 155
قوله: (أَوْ صَرَفَهُ لِنَفْسِهِ) أي: حج عن نفسه ولم يحج عن الميت وفسخت هنا الإجارة؛ لأن العام معين وقد أتى فيه بغير ما استؤجر عليه فالعقد خاص بالعام الذي فوته ولم يتعلق بما بعده من الأعوام، وإن لم يعين العام فقال ابن بشير: تنفسخ أيضًا، ونص في البيان على خلافه 32.
قوله: (وَأَعَادَ إِنْ تَمَتَّعَ) أي: فإن شرط عليه الإفراد أو القران فتمتع لم تنفسخ 33، لكن يبقى إلى العام القابل فيعيد كما شرط عليه، والفرق بينه وبين ما إذا خالف فقرن أن القران مما يخفى سببه فلا يؤمن من العود 34 بخلاف التمتع، وأيضًا فإن القارن شرك 35 في العمل 36 فأتى ببعض ما استؤجر عليه، والمتمتع 37 أتى بما اشترط 38 عليه وزيادة.
قوله: (وَهَلْ يُفْسَخُ 39 إِنِ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ 40 فِي الْمُعَيَّنِ، أَوْ إِلا أَنْ يَرْجِعَ لِلْمِيقَاتِ فَيُحْرِمَ عَنِ الْمَيِّتِ فَيُجْزِئَهُ؟ تَأَوِيلانِ) قال في المدونة: ومن أخذ مالًا ليحج به عن الميت من بعض الآفاق فاعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة، لم يجزئ ذلك عن الميت، وعليه أن يحج حجة أخرى عن الميت كما استؤجر 41، واختلف الأشياخ كما أشار إليه في تأويل ذلك؛ فذهب بعضهم إلى أن الإجارة تفسخ في المعين، قال: ويلزمه أن يحج عنه من موضع الإستئجار لا من الميقات؛ لأنه لما اعتمر عن نفسه كأنه إنما حج لذلك 42، ففهم أن مذهب المدونة عموم نفي الإجزاء، وهذا أحد التأويلين ذكره ابن
الجزء: 2 - الصفحة: 156
يونس، قال: والذي أرى أنه (1) إن رجع فأحرم من ميقات الميت أنه يجزئه؛ لأنه تعدى منه فأحرم عن نفسه، وكان الواجب عليه أن يحرم عمن استأجره، فإذا رجع فأحرم منه عنه لم ينقصه (2) شيئًا مما شرط عليه (3)، وهذا هو التأويل الثاني، وفي العتبية: أراه ضامنًا للحج؛ لأن من استؤجر على الحج عن ميت فعليه أن يحرم من ميقات الميت، سواء اشترط عليه من ذي الحليفة أم لا (4).
(المتن)
وَمُنِعَ اسْتِنَابَةُ صَحِيحٍ فِي فَرْضٍ؛ وَإِلَّا كُرِهَ كَبَدْءِ مُسْتَطِيعٍ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ وَإِجَارَةِ نَفْسِهِ، وَنَفَذَتِ الْوَصِيَّةُ بِهِ مِنَ الثُّلُثِ، وَحُجَّ عَنْهُ حِجَجٌ إِنْ وَسِعَ وَقَالَ يُحَجُّ بِهِ لَا مِنْهُ، وَإِلَّا فَمِيرَاثٌ، كَوُجُودِهِ بِأَقَلَّ، أَوْ تَطَوَّعَ غَيْرٌ، وَهَلْ إِلَّا أَنْ يَقُولَ يُحَجُّ عَنِّي بِكَذَا فَحِجَجٌ؟ تَأوِيلانِ.
وَدُفِعَ الْمُسَمَّى -وَإِنْ زَادَ عَلَى أُجْرَتِهِ- لِمُعَيَّنٍ لَا يَرِثُ فُهِمَ إِعْطَاؤُهُ لَهُ، وَإِنْ عَيَّنَ غَيْرَ وَارِثٍ وَلَمْ يُسَمِّ زِيدَ -إِنْ لَمْ يَرْضَ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ- ثُلُثُهَا، ثُمَّ تُرُبِّصَ، ثُمَّ أُوجِرَ -لِلصَّرُورَةِ فَقَطْ- غَيْرُ عَبْدٍ وَصَبِيٍّ، وَإِنِ امْرَأَةً وَلَمْ يَضْمَنْ وَصِيٌّ دَفَعَ لَهُمَا مُجْتَهِدًا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بِمَا سَمَّى مِنْ مَكَانِهِ حُجَّ مِنَ الْمُمْكِنِ وَلَوْ سَمَّاهُ؛ إِلَّا أَنْ يَمْنَعَ فَمِيرَاثٌ، وَلَزِمَهُ الْحَجُّ بِنَفْسِهِ لَا الإِشْهَادُ، إِلَّا أَنْ يُعْرَفَ، وَقَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِيمَنْ يَأْخُذُهُ فِي حَجَّةٍ، وَلا يَسْقُطُ فَرْضُ مَنْ حُجَّ عَنْهُ، وَلَهُ أَجْرُ النَّفَقَةِ وَالدُّعَاءِ.