قوله: (وَإِنِ اشْتَرَى الْمَعْمُولَ مِنْهُ وَاسْتَأْجَرَهُ جَازَ، إِنْ شَرَعَ عَيَّنَ عَامِلَهُ أَمْ لَا) هذا هو المشهور، وهو 1 الجاري على أصل ابن القاسم في جواز اجتماع البيع والإجارة ومنع ذلك سحنون إذا كان محل الإجارة في نفس المبيع.
قوله: (لا فِيما لا يُمْكِنُ وَصْفُهُ كَتُرَابِ الْمَعْدِنِ) أي فلا يجوز السلم فيما لا يمكن حصره بالصفة كتراب المعادن قال في المدونة 2 لأن صفته لا تعرف.
قوله: (وَالدَّارِ وَالأَرْضِ) يريد لأن وصفها مما تختلف فيه الأغراض يستلزم تعيينها، فيؤدي إلى كون المسلم فيه معينًا وخرج بعضهم جواز السلم في العقار من قول أشهب: إنه يجوز السلم في البقول الفدادين، لأنه إن لم توصف الفدادين لم يجز السلم، وإن وصفه كأنه صار معينًا 3.
قوله: (وَالْجِزَافِ) يريد لقوة الغرر فيه وأيضًا فإن الجزاف لا بد أن يكون مرئيًا حين العقد وذلك مانع من 4 السلم لأنه يصير بيع معين يتأخر قبضه، وإن لم يكن مرئيًا امتنع للجهالة.
قوله: (وَمَا لا يُوجَدُ) وهذا مما لا إشكال فيه.
قوله: (وَحَدِيدٍ وَإِنْ لَمْ تخْرُجْ مِنْة السُّيُوفُ فِي سُيُوفٍ أَوْ بِالْعَكْسِ) أي وهكذا يمتنع سلم الحديد في السيوف 5 سواء خرج منه السيوف أم لا في سيوف، ويمتنع سلم السيوف في الحديد سواء كان يخرج منه سيوف أم لا 6، والمسألة رباعية: سيوف في حديد تخرج منه السيوف، سيوف في حديد لا تخرج منه السيوف، حديد تخرج منه
الجزء: 4 - الصفحة: 64
السيوف، حديد لا تخرج منه السيوف في السيوف 7. وهذه الأوجه الأربعة ذكرها أبو الحسن الصغير قال: ومذهب ابن القاسم فيها المنع، وقال سحنون: لا بأس بسلم حديد لا يخرج منه السيوف في سيوف.
عبد الحق: وهو موافق للكتاب 8.
قوله: (وَكَتَّانٍ غَلِيظٍ فِي رَقِيقِهِ، إِنْ لَمْ يُغْزَلا) أي: وكذا يمتنع سلم الغليظ من غزل الكتان فيما رق، إذا وقع العقد قبل غزلهما لأن كلا من المتبايعين لا يدفع ذلك لصاحبه إلا بعد أن يهيئه له، وذلك يؤدي إلى ابتداء الدين بالدين.
قوله: (وَثَوْبٍ لِيُكَمَّلَ) أي وهكذا لا 9 يجوز أن يبيع ثوبًا قد نسج بعضه على أن يكمله للمشتري وقاله في الموازية والواضحة وزاد إلا أن يكون الباقي يسيرًا جدًّا، والفرق بين هذه المسألة ومسألة التور المتقدمة أن التور إذا لم يوجد على الصفة المشترطة يمكن إعادته على وفق المراد، وذلك يناسب الجواز، لأن إمكان 10 إعادة المصنوع مما ينتفي معه الغرر، والثوب إذا لم يوجد على ذلك لا تمكن إعادته ثانيًا، وذلك يؤدي إلى الغرر المفسد للبيع.
قوله: (وَمَصْنُوعٍ قُدِّمَ لا يَعُودُ هَيِّنَ الصَّنْعَةِ كَالْغَزْلِ) يريد أنه يمتنع أيضًا سلم المصنوع في غير المصنوع إذا كان صنعته هينة كالغزل مع الكتان، المازري: وهو المشهور وقال غيره: هو الأشهر.
وقيل: يجوز لأنهما صنفان، واختاره ابن يونس، قيل: وهو القياس.
قوله: (بِخِلافِ النَّسْجِ) أي وشبهه مما تكون صنعته معتبرة في نقله عن أصله فيجوز سلم الثياب في الغزل لاختلاف الأغراض وتباين المنافع، وقيل: النسج ليس بصنعة 11.
قوله: (إِلا ثِيَابَ 12 الْخَزِّ) أي فلا يجوز أن يسلم في الخز.
أبو محمد: لأن الخز ينفش،
الجزء: 4 - الصفحة: 65
ولو نسج 13.
قوله: (فَإِنْ قُدِّمَ أَصْلُهُ اعْتُبِرَ الأَجَلُ) أي: فإن قدم غير المصنوع، مثل أن يسلم الكتان في ثوب كتان أو النحاس في قدر نحاس، ونحو ذلك اعتبر الأجل على معنى أنه إن كان يمكن فيه جعل غير المصنوع مثل المصنوع 14 امتنع للمزابنة، وإلا جاز لانتفائها.
قوله: (وَإِنْ عَادَ اعْتُبِرَ فِيهِمَا) أي: فإن كان المصنوع الذي قدمه يمكن عوده على الحالة التي كان عليها في الأصل كالرصاص والصفر 15 ونحوها فإن الأجل يعتبر، فإن أمكن فيه جعل غير المصنوع مصنوعًا امتنع وإلا جاز، وسواء قدم غير المصنوع أو قدم المصنوع، وعلى ذلك يعود ضمير التثنية.
فأما اشتراط الأجل مع تقديم غير المصنوع فظاهر، لأنه إذا كان لا يسع أن يعمل فيه غير المصنوع مثل المصنوع أُمِنَ 16 أن يتفقا 17 على سلم الشيء فيما يخرج منه، وأما إذا قدم المصنوع فلا معنى لاشتراط الأجل فيه إذ لا يخشى أن يصنع فيه مثل ذلك إذ يبعد أن يفسد المصنوع ويزيد عليه ويدفعه لصاحبه، إلا أن يحمل على صورة نادرة وهو أن يكون المصنوع لقدمه قليل الثمن، فإذا زالت صنعته ظهرت له صورة وفيه بعد.
قوله: (وَالْمَصْنُوعَانِ يَعُودَانِ يُنْظَرُ لِلْمَنْفَعَةِ) يريد أن المصنوعين إذا كان أصلهما واحدًا والصنعة التي فيهما يمكن زوالها وعود المصنوع إلى أصله فإنه ينظر؛ فإن تقاربت منفعتهما منع سلم أحدهما في الآخر، كسلم إبريق نحاس في مثله، أو طاسة في مثلها أو نحو ذلك، وإن تباعدت جاز كسلم إبريق في منارة أو مسامير في سيف إلا أن تقييده ذلك بالعودة يوهم أنهما لو كانا لا يعودان لم ينظر إلى المنفعة، وليس كذلك إذ لا فرق بين ما يعود وما لا يعود، ولهذا لا يجوز سلم الرقيق من الثياب في الرقيق منها إذا اتحد الجنس بلا خلاف.
قاله أبو الحسن الصغير، وكذلك الغليظ منها في الغليظ من
الجزء: 4 - الصفحة: 66
جنسه (1) بخلاف الرقيق مع الغليظ لتباين ما بين المنفعتين.
قوله: (وَجَازَ قَبْلَ زَمَانِهِ قَبُولُ صِفَتِه فَقَطْ) أي وجاز للمشتري إذا قضاه البائع قبل حلول أجل السلم من نوع ما في ذمته على الصفة المشترطة بينهما قبول ذلك منه لا ما إذا قضاه أجود أو أردأ، ولهذا قال: (فقط) لأنه في أخذ الأجود من باب "حط عني الضمان وأزيدك" وفي أخذ الأردأ "ضع وتعجل" وهما ممنوعان.
(المتن)
كَقَبْلَ مَحَلِّهِ فِي الْعَرْضِ مُطْلَقًا.
وَفِي الطَّعَامِ إِذَا حَلَّ الْأَجَلُ إِنْ لَمْ يَدْفَعْ كِرَاءً، وَلَزِمَ بَعْدَهُمَا كَقَاضٍ إِنْ غَابَ، وَجَازَ أَجْوَدُ، وَأَرْدَأُ، لَا أَقَلُّ، لا عَنْ مِثْلِهِ وَتبْرَأ مِمَّا زَادَ.
وَلَا دَقِيقٌ عَنْ قَمْحٍ، وَعَكْسُهُ، وَغَيرِ جِنْسِهِ، إِنْ جَازَ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
وَبَيْعُهُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ مُنَاجَزَةً، وَأَنْ يُسْلَمَ فِيهِ رَأْسُ الْمَالِ، لَا طَعَامٍ، وَلَحْمٍ بِحَيَوَانٍ، وَذَهَبٍ، وَرَأْسُ الْمَالِ وَرِقٌ، وَعَكْسُهُ.
وَجَازَ بَعْدَ أَجَلِهِ الزِّيَادَةُ لِيَزِيدَهُ طُولًا، كَقَبْلَهُ إِنْ عَجَّلَ دَرَاهِمَهُ، وَغَزْلٍ يَنْسِجُهُ، لَا أَعْرَضَ أَوْ أَصْفَقَ، وَلَا يَلْزَمُ دَفْعُهُ بِغَيْرِ مَحَلِّهِ وَلَوْ خَفَّ حَمْلُهُ.