قوله: (وَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي نَفْيِ الرَّهْنيَّةِ) مراده أن رب الدين إذا قال مثلًا: هذا عندي رهن، وقال صاحب الثوب: بل هو وديعة أو عارية 1، فإن القول قول صاحب الثوب وهو مراده بقوله: (لِمُدَّعِي نَفْيِ الرَّهْنيَّةِ) لأن رب الدين مدَّع لكونه أثبت للثوب وصفًا زائدًا وهو الرهنية، فعليه البيان لأن النافي 2 بذلك -وهو رب الثوب 3 مستمسك بالأصل، فلا يعدل عنه إلا لموجب 4، اللخمي: إلا أن تكون العادة في مثل ذلك تدل على أنه رهن مثل الخباز وشبهه يدفع إليه الخاتم ونحوه، فإن صاحبه لا يقبل قوله أنه وديعة 5. قوله: (وَهُوَ كَالشَّاهِدِ في قَدْرِ الدَّيْنِ، لا الْعَكْس إِلى قِيمَتِهِ) يريد: أن الراهن إذا اختلف مع المرتهن في مبلغ الدين الذي رهن فيه، فإن ذلك المرهون يكون كالشاهد في مقدار الدين، فإذا كانت قيمته يوم الحكم والتداعي مثل دعوى المرتهن فأكثر صدق المرتهن مع يمينه، وقاله في المدونة 6، يريد: وإن كانت قيمته مثل دعوى الراهن 7 فهو أيضًا مصدق مع يمينه، فإذا قال الراهن في عشرة، وقال المرتهن في عشرين وقيمة
الجزء: 4 - الصفحة: 116
الرهن عشرون صدق الرتهن، وإن كانت قيمته عشرة صدق الراهن 8 وإن كانت قيمته دون عشرين وفوق عشرة حلفا معًا، وكان رهنًا في قدر قيمته 9، وأما العكس وهو أن الدين لا يكون كالشاهد على الرهن فهو المشهور.
وأما إذا اختلفا في صفة الرهن بعد هلاكه، فقال مالك وأكثر أصحابه: القول في ذلك قول الرتهن، ولو ادعى صفة دون مقدار الدين 10؛ لأنه غارم والغارم مصدق، ابن المواز: إلا في قولة 11 لأشهب، فقال: إلا أن يتبين كذبه لقلة ما ذكر جدًّا، فيصير القول قول الراهن 12. ابن عبد السلام: والأقرب ألا فرق 13 بين الصورتين وهو كون الرهن كالشاهد على الدين، كما أن الدين كالشاهد على الرهن 14.
قوله: (وَلَوْ بِيَدِ أَمِينٍ) يريد: أن الرهن يكون كالشاهد على الدين، ولو كان بيد أمين، وهو قول ابن المواز، وقال أصبغ: لا يكون شاهدًا 15، أبو محمد: وقول محمد أصوب 16، وإليه أشار بقوله: (عَلى الأَصَح) وقيل: القول قول المرتهن، وقيل: القول قول الراهن 17.
قوله: (مَا لَمْ يَفُتْ فِي ضَمانِ الرّاهِنِ) يريد: أن ما تقدم من أن الرهن كالشاهد على الدين مقيد بما إذا كان قائمًا، أو ما في معناه بأن يهلك في ضمان المرتهن، وأما لو هلك في ضمان الراهن فلا يكون شاهدًا، ونص على ذلك في العتبية والموازية.
قوله: (وَحَلَفَ مُرْتَهِنُهُ، وَأَخَذَهُ إِنْ لَمْ يَفْتكَّهُ) أي: وحلف المرتهن وأخذ الرهن إن لم يفتكه الراهن من يده، فإن نكل المرتهن حلف الراهن وغرم ما أقر به فقط.
الجزء: 4 - الصفحة: 117
قوله: (فَإنْ زَادَ حَلَفَ الرَّاهِن) أي: فإن زاد ما ادعاه المرتهن على قيمة الرهن، كأن لم يساوي مثلًا إلا عشرة في الفرض السابق حلف الراهن، يريد: وحده، ويأخذ رهنه، ويدفع ما أقر به من الدين 18 للمرتهن، فإن نكل حلف المرتهن 19 وأخذ ما ادعاه.
قوله: (وإنْ نَقَصَ حَلَفَا 20، وَأَخَذَهُ إِنْ لم يَفْتكَّهُ بِقِيمَتهِ) أي: فإن نقص ما أقر به الراهن عن القيمة، يريد: مع كون المرتهن قد زاد عليها حلف كل منهما على دعواه، ولا خلاف فيه، قاله القاضي عياض.
مالك وابن المواز: ويبدى المرتهن باليمين، لأن الرهن كالشاهد له 21 على قيمته، فإن حلف حلف الآخر فإن نكل لزمه ما ادعاه المرتهن، وكذلك لو حلف الراهن ونكل المرتهن لم يلزم الراهن إلا ما حلف عليه، وإن حلفا أو نكلا معًا فعلى 22 الراهن قيمته إن أحب 23، وإلا أسلمه للمرتهن، وإليه أشار بقوله: (وَأَخَذَهُ) أي: المرتهن إن لم يفتكه؛ أي الراهن باقيمته وهو قول مالك وابن نافع وابن المواز، وقال ابن القاسم في العتبية: ليس 24 للراهن إخذه 25 إلا بما حلف ليه المرتهن، قال في الموطأ: ويحلف على جميع ما ادعى 26 وهو عشوون، وقال محمد: إن شاء حلف على ما ادعاه، وعلى 27 قيمة الرهن، وقال عبد الحق عن بعض شيوخه: لا يحلف إلا على قيمته، كما لو شهد له شاهد، فإنه يحلف على وفق شهادته 28.
قوله: (وإن اخْتَلَفَا في قِيمَةِ تَالِفٍ 29 تَوَاصَفَاهُ، ثُمَّ قُوِّمَ فَإن اخْتَلَفَا، فَالْقَوْلُ
الجزء: 4 - الصفحة: 118
لِلْمُرْتَهِنِ 30)، وإلا فلا فرق بين الألف والمائة وغيرهما في الحكم 31.
قال في المدونة: وإذا ضاع الرهن عند المرتهن واختلفا في قيمته تواصفاه، ويكون القول في الصفة قول المرتهن مع يمينه، ثم يدعى له المقومون 32، ابن يونس: قال ابن المواز: فقيل: القول قول المرتهن في الصفة وإن كانت يسيرة إلا في قول أشهب.
فقال: إلا أن يتبين كذبه لقلة ما ذكر جدا 33.
قوله: (وإنِ اخْتَلَفَا) أي: في الصفة فالقول قول المرتهن، قال في المدونة: وإن اختلفا في الصفة فإنه يكون القول فيها قول المرتهن مع يمينه ثم يدعى له المقومون 34.
قوله: (فَإنْ تَجَاهَلا، فَالرَّهْنُ بِما فِيهِ) أي: فإن جهل الراهن والمرتهن تلك القيمة فالرهن بما فيه، ولا يكون لأحدهما قبل الآخر شيء، وعلى هذا حمل أصبغ 35 الحديث، الرهن بما فيه، قيل: ولا خلاف فيه عندنا.
قوله: (وَاعْتُبِرَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الحُكْمِ، إِنْ بَقِيَ، فَهَلْ يَوْمَ التَّلَفِ أَوِ الْقَبْضِ أَوِ الرَّهْنِ إِنْ تَلِفَ؟ أقْوَالٌ) يريد: أن الرهن إذا كان قائمًا اعتبرت قيمته يوم الحكم، وإن كان تالفًا، وإليه أشار بقوله: (إِنْ تَلِفَ) فثلاثة أقوال، وكلها لابن القاسم اعتبارها يوم التلف، وقيل: يوم الرهن، وقيل: يوم القبض، الباجي: والأقرب يوم الرهن؛ لأن الناس إنما يرهنون ما يساوي ديونهم غالبًا.
قوله: (وَإِنِ اخْتَلَفَا في مَقْبُوضٍ فَقَالَ الرَّاهِنُ عَنْ دَيْنِ الرَّهْنِ وُزِّعَ بَعْدَ حَلِفِهِما) أي: فقال الراهن عن دين الرهن، وقال المرتهن عن غيره، قال في المدونة: وإذا كان لك على رجل مائتان فرهنك بمائة منها 36 رهنًا، ثم قضاك مائه، وقال هي التي فيها الرهن،
الجزء: 4 - الصفحة: 119
وقلت: أنت هي التي لا رهن فيها 37، فإن المائة يكون نصفها للرهن 38، ونصفها للمائة الأخرى 39، وإلى هذا أشار بقوله: (وُزِّعَ).
ابن رشد: ومذهب المدونة أنهما يتحالفان ويقسم المقبوض بينهما فإن نكل أحدهما وحلف الآخر فالقول قوله 40.
اللخمي: وهذا إذا حل الدينان أولم يحلا وكان أجلهما سواء أو متقاربًا 41، وإن حل أحدهما كان القول قول من ادعى القضاء عن الحال، وإن لم يحلا وكان أجلهما سواء أو متقاربًا حلفا وقسمت بينهما هذا هو ظاهر المذهب 42، وإن تباين الأجلان 43 كان القول قول من ادعى أقربهما أجلًا مع يمينه 44.
قوله: (كَالْحَمَالَةِ) أي: أنهما إذا اختلفا في مقبوض 45 فقال الدافع: عن مائة الحمالة، وقال رب الدين: بل هي على المائة التي بلا حمالة، فإنها توزع على المائتين بعد أيمانهما، وفرضها في المدونة، فيمن عليه ألفان: ألف من قرض وألف من كفالة 46، ابن رشد: والكلام في مسألتي الرهن والحمالة 47 واحد.
الجزء: 4 - الصفحة: 120