(صَحَّ إِيصَاءُ حُرٍّ، مميِّزٍ، مَالِكٍ) الإيصاء مصدر أوصى، الجوهري: يقال: أوصيت له بشيء وأوصيت إليه، أي: جعلته وصيًا 1، ولا خلاف في مشروعيتها بالكتاب والسنة، وكذلك إجماع العلماء، وإنما اختلفوا هل هي واجبة أو مندوبة؟ المازري: وهي عندنا مندوبة إلا أن يخشي تلف ما عليه من حق لأربابه إن لم يوصِ به فتجب 2، ولما كانت أركان الوصية أربعة أشار إلى الأول منها، وهو الموصي 3 واحترز بالحر من العبد، فإن وصيته لا تنفذ لحق سيده، وبالمميز من المجنون والصغير غير المميز إذ لا يصح منهما ذلك إلا أن يكون المجنون يفيق في بعض الأحيان، وأوصى في تلك الحال 4، فإن وصيته تنفذ، وبالمالك من مستغرق الذمة ومن غير المالك 5 أصلًا 6. قوله: (وَإِنْ سَفِيهًا أَوْ صَغِيرًا، وهَلْ إِنْ لَمْ يَتَنَاقَضْ، أَوْ أَوْصَى بِقُرْبَةٍ؟ تأْوِيلانِ) أي: أو
الجزء: 5 - الصفحة: 526
صغيرًا مميزًا، وإنما يصح إيصاء السفيه والصغير 7 المميز؛ لأن الحجر إنما كان لأجلهما، فلو منع 8 من ذلك لكان الحجر لأجل غيرهما، وقيد اللخمي وصية السفيه بأن يصيب وجه الوصية 9. واختلف في السن الذي تجوز وصية الصغير فيه، ففي المدونة: عشر سنين 10، وفي العتبية: إذا أثغر، وأمر بالصلاة، وأدب عليها 11، وفي الموازية سبع سنين، والثلاثة الأقوال عن مالك، وقال أصبغ: إذا عقل الصلاة، وقال ابن الماجشون: إذا كان يفاعًا 12. وفي المدونة: إنما تصح وصيته إذا صادف 13 وجه الوصية 14، ولم يكن فيه 15 اختلاط بأن يؤمر بما فيه قربة دئه تعالى أو صلة رحم فلا تمضي بشرب خمر ونحوه، وفسره 16 أبو عمران: يريد إذا لم يخلط في كلامه مثل أن يذكر آخر كلامه ما يدل على أنه لم يعرف ما ابتدأ به 17، وفسر اللخمي عدم الاختلاط 18 بأن يوصي بما فيه قربة لله تعالى أو صلة رحم 19، وهذان التأويلان أشار إليهما بما ذكر.
قوله: (وكَافِرًا إِلا بِكَخَمْرٍ لِمُسْلِمٍ) هو معطوف على قوله: (وَإِنْ سَفِيهًا) ومراده: أن الكافر تصح وصيته إلا أن يوصي لمسلم بما لا يصح له تملكه، كالخمر والخنزير
الجزء: 5 - الصفحة: 527
ونحوهما، فإن وصيته حينئذ لا تصح.
قوله: (لَمَنْ يَصِحُّ تملكه كَمَنْ سَيَكُونُ) هذا هو الركن الثاني وهو الموصى له أي الموصى من يتصور قبوله أن يملك، فلذلك صحت الوصية لحمل سيكون فإن لم يستهل بطلت الوصية وإليه أشار بقوله 20: (إِنِ اسْتَهَلَّ) أي: صارخًا، وإلا فلا، قاله في المدونة 21.
قوله: (ووُزِّعَ لِعَدَدِهِ) أي: فإن أوصى لحمل فلانة بشيء فولدت توءمين أو أكثر فإن ذلك الموصى به يوزع على عدد الحمل لصدق اللفظ على ما تلده في ذلك البطن، والذكر والأنثى فيه سواء، ثم أشار إلى الركن الثالث وهو 22 ما يدل على مراد الموصي بقوله: (بِلَفْظٍ أَوْ إِشَارَةٍ مُفْهِمَةٍ) ونبه بذلك على أنه لا يتوقف على لفظ خاص، بل يعمل في ذلك اللفظ الصريح، وبما يفهم منه قصد الوصية كإشارة مفهمة، قاله في الموازية 23: إذا قرأ 24 الشهود الوصية على الموصي 25 وقالوا: نشهد أنها وصيتك، فقال: نعم، أو أشار برأسه ولم يتكلم، فذلك جائز 26 ونحوه لابن شعبان.
قوله: (وقَبُولُ الْمُعَيَّنِ شَرْطٌ بَعْدَ المَوْتِ فَالمِلْكُ لَهُ بعد الْمَوْتِ) يريد: أن الموصى له إذا كان معينًا يشترط قبوله في وجوبها له، لأنها عطية، واحترز بالمعين من غيره كالفقراء والمساكين والمجاهدين ونحوهم، فإن القبول في حقهم غير مشترط.
واحترز ببعد الموت مما قبله، فإنه غير معتبر 27 إذ للموصي الرجوع 28 ما دام حيًا 29، ولا إشكال أنه
الجزء: 5 - الصفحة: 528
إذا قبل 30 عقب الموت أنه يملك الموصى به حينئذ، وأما إن تأخر عن الموت ثم قبل: فالأصح أيضًا أنه يملكه، ولهذا لم يفصل هنا بل أطلق 31، ومقابل الأصح أنه لا يملكه إلا حين القبول، فيكون الملك قبله 32 لورثة الموصي، وتظهر فائدة الخلاف فيما حدث بعد الموت وقبل القبول من غلة ونحوها، فعلى الأول يكون للموصى له، وعلي الثاني لورثة الموصي.
قوله: (وقوِّمَ بِغَلَّةٍ حَصَلَتْ بَعْدَهُ) أي: فإن كان الموصى به مما له غلة فإنه يقوم بغلته التي حصلت فيه بعد الموت، وقيل: يقوم بلا غلة، ثم تتبعه 33، والأول قول أكثر الرواة، وهو أعدل الأقوال، وبه قال ابن القاسم في المدونة، وله أيضًا فيها مثل القول الثاني 34.
قوله: (ولَمْ يَحْتَجْ رِقٌّ لإذْنٍ في قَبُولٍ) أي: ذو رق بحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، والمعنى: أن الوصية تصح للرقيق ولا يحتاج في قبولها إلى إذن سيده، وقد تقدم الكلام علي هذه المسألة في كتاب الحجر.
قوله: (كَإيصَاءٍ بِعِتْقه) أي: فلا يحتاج أيضًا إلى قبوله، وسواء كان معينًا أم لا، لأنه وإن كان معينًا ففيه حق الله تعالى، فلا يتوقف على قبوله.
قوله: (وَخُيِّرتْ جَارَيةُ الْوَطْءِ) إنما كان لها ذلك؛ لأن جواري الوطء في الغالب يحصل لهن الضياع بالعتق، ولم يذكر هذا في المدونة إلا فيما إذا أوصى ببيعها للعتق 35 وكأنه رأى ألا فرق بين المسألتين في ذلك، إلا أن كلامه في التوضيح يقتضي أن حكم المسألتين مختلف؛ لأنه لما حكي المذهب 36 في أنها تخير ثم حكي عن بعضهم أنها
الجزء: 5 - الصفحة: 529
لا 37 تخير، وتباع للعتق إلا أن لا يجد من يشتريها 38 بوضيعة ثلث الثمن 39، قال: وقال أصبغ 40: لها الخيار في هذه، وفي الإيصاء بعتقها 41، وظاهره أن قول أصبغ خلاف.
قوله: (ولها الانتقال) أي: فإن اختارت أحد الأمرين ثم أرادت الانتقال 42 إلى الآخر فذلك لها، وهو قول ابن القاسم 43، وقال أصبغ: إذا شهد على أنها اختارت أحدهما فليس لها الانتقال 44.
قوله: (وصَحَّ لِعَبْدِ وَارِثهِ إِنِ اتَّحَدَ أو بِتَافِهٍ أُرِيدَ بِهِ الْعَبْدُ) يريد: أن من أوصى إلى عبد وارثه على وجهين، فتارة يتحد الوارث، أي: لا يكون له وارث سواه، وتارة يكون له غيره من الورثة.
ففي الوجه الأول: تصح 45 الوصية للعبد، لأنها في الحقيقة لسيده، قاله في المدونة 46. وفي الوجه الثاني: لا تصح للعبد 47 إلا بشرطين، الأول: أن يكون الموصى به تافها، قال: في المدونة: كالثوب ونحوه 48، وقال ابن القاسم وأشهب: كالدينار، وأما إن كثر فلا، إلا أن يكون على العبد دين يستغرق 49 الوصية أو يبقى منها ما لا 50 يتهم فيه، فذلك جائز 51.
الثاني: أن يكون الموصي قد أراد بذلك العبد فلو أراد نفع سيده بطلت؛ لأنها
الجزء: 5 - الصفحة: 530
وصية لوارث.
قوله: (وَلَمِسْجِدٍ وصُرِفَ فِي مَصلحتهِ) أي: وكذا تصح الوصية لمسجد ونحوه، ويصرف ذلك الموصى به في مصالحه 52.
قوله: (ولِمَيِّتٍ عَلِمَ بموته فَفِي دَيْنِهِ أَوْ وَارِثهِ) أي: وكذلك تصح الوصية للميت إن علم الموصي بموته، فيصرف في دينه، فإن لم يكن عليه دين فلوارثه، وهو المشهور، وقيل: تبطل الوصية للميت، واحترز بالعلم بالموت مما إذا لم يعلم به، فإن الوصية تبطل 53، قاله في المدونة 54.
قوله: (ولذِمِّيٍّ) وإنما صحت الوصية له، لأنه ممن يصح تملكه، 55 ابن القاسم: ويجوز ذلك إذا كان على معنى الصلة 56، وأجازها أشهب في القرابة وغيرها 57 من غير 58 كراهة 59.
قوله: (وقَاتِلٍ عَلِمَ الْمُوصِي بِالسَّبَبِ) أي: وكذلك تصح وصية المرء لقاتله، بشرط أن يكون قد علم بسبب القتل، وبالقاتل كما لو ضربه ضربًا فأدَّى إلى تلفه، وقد علم أنه الذي ضربه، ثم أوصى له 60 إلا أن الوصية في المال فقط لا في الدية في العمد، وأما في الخطأ ففيهما 61.
قوله: (وَإِلا فتَأَوِيلانِ) أي: وإن لم يعلم الموصي بالقاتل ولا بالسبب فهل تبطل
الجزء: 5 - الصفحة: 531
الوصية وهو مفهوم المدونة 62، أو تصح؛ لأنها بعد الضرب فلا يتهم على الاستعجال، وإليه ذهب ابن المواز رحمه الله 63، وحمله اللخمي 64 وغيره 65 على الخلاف، وابن أبي زيد وغيره على 66 الوفاق.
قوله: (وبَطَلَتْ بِرِدَّة) يعني: أن الموصي إذا ارتد بطلت وصيته.
ابن شاس: ولا تنفذ وصيته وإن تقدمت على حال ردته 67، وهو مقيد بأن يموت على حال ردته، سواء قتل أو مات عليها، وأما إن رجع إلى الإسلام فقال أصبغ: إن كانت مكتوبة جازت وإلا فلا، وكذلك لو أوصى بها وهو مرتد 68.
ثم أشار إلى الركن الرابع وهو الموصى به بقوله: (وإِيصَاءٍ بِمَعْصِيَةٍ) يريد: أن الوصية بما فيه معصية باطلة، كإيصاء بخمر أو خنزير أو شبههما.
قوله: (ولوَارِثٍ) لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث".
نعم، إن أجازها غيره من الورثة 69 جازت.
قوله: (كَغَيْرهِ بِزَائِدِ الثُّلُثِ) أي: وكذا تبطل الوصية لغير الوارث بما زاد على الثلث، يريد: إذا رد 70 ذلك الوارث، وأما إن أجازه فهو ابتداء عطية لا إجازة كما تقدم على المشهور 71، وأشار بقوله: (يَوْمَ التَّنْفِيذِ) إلى أن المراعى في ذلك يوم 72 تنفيذ الورثة للوصية 73.
الجزء: 5 - الصفحة: 532
قوله: (وَإِنْ أُجِيزَ فَعَطِيَّةٌ) يريد في المسألتين معًا وهو مذهب ابن القصار وابن العطار وهو الذي نقله عبد الوهاب 74 والباجي عن المذهب 75 وهو مذهب المدونة في الوصية للوارث 76. قوله: (ولو قَالَ: إِنْ لَمْ يُجِيزُوا 77 فَلِلْمَسَاكِينِ) أي: وكذا تبطل الوصية إذا أوصى لوارثه بشيء، وقال: إن لم يجيزوا له فللمساكين، فإن لم يجيزوه للوارث رجع ميراثًا، ولا شيء للمساكين؛ لأنه قد علم أن المراد به الإضرار بورثته 78، وقال ابن عبد الحكم: تنفذ 79. اللخمي: وهو أحسن، واختلف إن أجازه الوارث هل تبطل وهي رواية ابن القاسم عن مالك 80، أو تمضي وهي رواية ابن أبي أويس 81. وأشار بقوله: (بخِلافِ الْعَكْسِ) إلى أن عكس 82 ذلك لا يبطل فيما إذا قال: ثلث مالي للمساكين، إلا أَن يجيزه الورثة لابني 83 مثلًا 84، ابن شاس: وهو جار 85 على مذهب 86 ابن القاسم وابن نافع وابن وهب وابن عبد الحكم 87 وابن كنانة، وهو قول المدنيين، قال أصبغ: وأنا
الجزء: 5 - الصفحة: 533
أقول به استحسانًا، واتباعًا للعلماء، وقال أشهب: لا يجوز، وهو من الضرر (1)، والمشهور في الصورتين (2) ما ذكرنا.
(المتن)
وَبِرُجُوعٍ فِيهَا -وَإِنْ بِمَرَضٍ- بِقَوْلٍ، أَوْ بَيْعٍ، وَعِتْقٍ، وَكِتَابَةٍ، وَإِيلادٍ، وَحَصْدِ زَرْعٍ، وَنَسْجِ غَزْلٍ، وَصَوْغِ فِضَّةٍ، وَحَشْوِ قطْنٍ، وَذَبْحِ شَاةٍ، وَتَفْصِيلِ شُقَّةٍ، أَوْ إِيصَاءٍ بِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ انْتَفَيَا، قَالَ: إِنْ مِتُّ فِيهِمَا، وَإِنْ بكِتَابٍ وَلَمْ يُخْرِجْهُ، أَوْ أَخْرَجَهُ ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ بَعْدَهُمَا، وَلَوْ أَطْلَقَهَا، لا إِنْ لَمْ يَسْتَرِدَّهُ أَوْ قَالَ مَتَى حَدَثَ الْمَوْتُ أَوْ بَنَى الْعَرْصَةَ، وَاشْتَرَكَا، كَإِيصَائِهِ بِشَيءٍ لَزِيْدٍ، ثُمَّ لِعَمْرٍو.
وَلا بِرَهْنٍ، وَتَزْوِيجِ رَقِيقٍ، وَتَعْلِيمِهِ، وَوَطْءٍ، وَلا إِنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ فَبَاعَهُ، كَثِيَابِهِ وَاسْتَخْلَفَ غَيرَهَا، أَوْ بِثَوْبٍ فَبَاعَهُ، اشْتَرَاهُ؛ بِخِلافِ مِثْلِهِ، وَلا إِنْ جَصَّصَ الدَّارَ، وَصَبَغَ الثَّوْبَ، وَلَتَّ السَّوِيقَ؛ فَلِلْمُوصَى لَهُ بِزِيَادَتِهِ.