(وجَازَ مُرَابَحَةٌ) أي: وجاز بيع المرابحة 4 وهو أن يبيع السلعة بالثمن الذي اشتراها به وزيادة ربح معلوم يتفقان عليه.
قوله: (والأَحَبُّ خِلافُهُ) أي خلاف بيع المرابحة ولعله اعتمد فيه 5 على ما حكاه ابن عبد السلام عمن لقيه 6 أنه يكره للعامة الإكثار منه لكثرة ما يحتاج إليه البائع من البيان 7 بحال المبيع وبيان 8 ما دفع من الثمن وبيان ما سومح فيه إذا كان قد سومح، لكن ظاهر كلامه هنا العموم لكل الناس وكراهته ولو مرة وهو مخالف لذلك 9.123
الجزء: 3 - الصفحة: 655
قوله: (ولَوْ عَلَى مُقَوَّمٍ) يريد أن بيع المرابحة يجوز ولو كان الثمن مقومًا كالحيوان ونحوه، فيدفع له 10 المشتري مثل ذلك الحيوان، ويزيده الربح وهو مذهب ابن القاسم، ومنعه أشهب، لأنه يؤدي إلى بيع ما ليس عند الإنسان، إذ يؤول إلى السلم من غير ضرب الأجل 11 لأن المشتري دخل على أن يدفع للبائع الحيوان الآن وهو مضمون عليه، وذلك عين السلم الحال 12، واختلف هل قول ابن القاسم باق على ظاهره.
وإليه ذهب اللخمي وتأول حديث: "النهي عن بيع ما ليس عندك" على شيء معين في ملك غيره.
وأومأ إليه ابن يونس، أو هو محمول على ما إذا كان المقوم حاضرًا عند المشتري، وإليه ذهب القابسي.
وإلى هذين التأويلين أشار بقوله: (وهَلْ مُطْلَقًا، أَوْ إِنْ كَانَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي؟ تَأْوِيلانِ).
قوله: (وَحُسِبَ رِبْحُ مَا لَهُ عَيْنٌ قَائِمَةٌ 13 كَصَبغٍ، وطَرْزٍ، وقَصْرٍ، وخِيَاطَةٍ، وكَمْدٍ، وفَتْل، وتَطْرِيَةٍ) يعني أن ما أنفق على المبيع وله عين قائمة فإنه يحسب ثمنه وربحه.
وهو أجرة الطراز والصبغ، والخياطة، والقصارة وألحق في المدونة بذلك الكمد 14، وزاد في المقدمات الفتل 15. وزاد في المتيطية: التطرية واستغنى الشيخ بذكر "الربح" عن ذكر "الثمن"، لأنه إذا حسب ربح الثمن في هذه الأمور فلأن يحسب ثمنها من باب أول 16. قال في النكت: فإن كان هو الذي يتولى الطراز والصبغ بنفسه لم يحسب عليه 17، ويحسب له الربح لأنه كمن وضع 18 ثمنًا على
الجزء: 3 - الصفحة: 656
سلعته باجتهاده 19. بعض الأشياخ: وكلامه في المدونة محمول على الاستئجار.
قوله: (وأَصْلُ مَا زَادَ على الثَّمَنِ كَحُمُولَةِ، وشَدٍّ، وَطَيٍّ اعْتِيدَ أُجْرَتُهُما، وكِرَاءٍ بَيْتٍ لِسِلْعَةٍ) أي فإن كان ما يفعل في المبيع يؤثر زيادة فيه، إلا أنه لا عين له قائمة كالأمور التي ذكرها فإن الأصل وهو الثمن يحمسب دون الربح الذي هو فرع عنه، وقيد اللخمي 20 الحمولة 21 بأنها تزيد في الثمن.
قال: لأن النقل من بلد أرخص إلى بلد أغلى، والمشتري يرغب في ذلك إذا علم.
قال: ولو كان سعر البلدين واحدًا لم يحسب وإن كان سعرها 22 بالبلد الذي وصلت إليه أرخص، وإن أسقط الكراء لم يبع حتى يبين ولو لم 23 يحسب للحمل ربح 24، واستحسنه المازري إذا حملها البائع وهو عالم أنه لا ربح له فيه، وأشار بقوله: (أُعْتِيدَ أُجْرَتُهُما) إلى أن الشد والطي إن كانت العادة جارية بالاستئجار عليهما فإن حكمهما حكم الحمولة فحسب ثمنها فقط، وإن كانت العادة فقط جارية بالاستئجار 25 عليهما 26 لم يحسب شيء من ذلك، والحكم في البيت الذي يكرى إن كان كراؤه 27 لنفسه والمبتاع 28 تبعًا 29 فلا يحسب في ذلك 30 شيء من الكراء ولا ربحه على السلعة وهكذا قيده التونسي والباجي 31 وابن رشد 32 وإن
الجزء: 3 - الصفحة: 657
أكراه للمبتاع 33 خاصة، فإن الكراء يحسب دون الربح.
وهكذا نص عليه محمد 34 ولهذا قال: (وكِرَاءِ بَيْتٍ لِسِلْعَةٍ).
قوله: (وَإِلا لَمْ يُحْسَبْ، كَسِمْسَارٍ لَم يُعْتَدْ) أي وإن لم يكن ذلك مؤثرًا في المبيع زيادة ولا له عين قائمة فإن ذلك لا يحسب ربحه ولا غيره، وهو مذهب الموطأ 35 والمدونة 36 والمراد بـ "السمسار" هنا الجلاس كما يفعل سماسرة الإسكندرية، وأما متولي 37 البيع فإن أجرته 38 كالثمن وهو على البائع وكثير من الناس من يتولى الشراء لنفسه.
ولهذا قال ابن المواز: إلا أن يكون المبتاع مما جرت به العادة أنه لا يشترى مثله إلا بواسطة أو سمسار فيحسب حينئذ أجرته في الثمن دون الربح أي وإن جرت العادة أن مثله يشترى بلا واسطة سمسار فلا يحسب شيء وإليه أشار بقوله: (لَمْ يُعْتَدْ) وذهب عبد الوهاب 39، واختاره ابن محرز إلى أن ما أخذه السمسار يحسب مع ربحه 40.
قوله: (إِنْ بَيَّنَ الْجمِيعَ، أَوْ فَسَّرَ الْمَؤُونَةَ فَقَالَ: هِيَ بِمائَةٍ أَصْلُهَا كَذَا وحَمْلُهَا كَذَا) يريد أن ما ذكر أنه يحسب ثمنه وربحه أو ثمنه فقط مقيد بما إذا بين البائع جميع ذلك فقال: اشتريتها بكذا وأجرة 41 صبغها أو قصارتها أو خياطتها كذا أو يفسر الؤونة فقال: قامت على بمائة مثلًا أصلها كذا وحملها كذا ونحوه.
وإليه ذهب سحنون، وظاهر الموطأ، وهو قياس قول ابن القاسم، وقال محمد، وابن حبيب: لا يلزمه البيان واختاره التونسي 42. وقد بسطنا القول على هذه المسألة في الكبير فانظره 43.
الجزء: 3 - الصفحة: 658
قوله: (أَوْ عَلَى الْمُرابَحَةِ وبَيَّن كَرِبْحِ الْعَشَرَةِ أَحَدَ عَشَرَ وَلَمْ يُفَصِّلا مَا لَهُ الرِّبْح) هذا نوع من أنواع المرابحة وهو: أن يبيع السلعة بمرابحة وبين مقدار الربح فيقول: أبيعكها بربح العشرة؛ أحد عشر ويقول المشتري اشتريتها منك بربح العشرة أحد عشر من غير أن يفصلا ما له الربح من غيره.
قوله: (وزِيدَ عُشْرُ 44 الأَصْلِ) أي في المثال الذي ذكره وهو ربح العشرة أحد عشر، وأما في قوله: (بربح 45 العشرة) اثني عشر فيزا د خمس الأصل، وعلى هذا قوله: (والْوَضِيعَةُ كَذَلِكَ) فيأخذ عن كل أحد عشر عشرة بحسب ما سمى.
وقاله بعض المتأخرين وقال بعضهم: تقسم العشرة على أحد عشر 46 جزءًا فيحط ذلك الجزء من الثمن وعلى ذلك قوله: (لا أَبْهَمَ كَقَامَتْ بِكَذَا، أَوْ قَامَتْ بِشَدِّهَا وطَيِّهَا بِكَذَا أو لَمْ يُفَصِّلْ) أي فإن البيع على هذا الوجه فاسد للجهل بما يحسب ثمنًا مما يحسب ربحًا 47 أو لا يحسب.
اللخمي: ويختلف إذا باع ولم يبين، فأصل ابن القاسم أنها مسألة غش ولا يلزم المبتاع وإن حط ذلك 48 القدر، وهل مذهب سحنون هي مسألة كذب، فإن حط عنه ذلك القدر لزمه 49، وفي المدونة إن ضرب الربح على الحمولة ولم يبين ذلك، وقد فات المبيع 50 بتغير سوق أو بدن حسب ذلك في الثمن، ولم بجسب له ربحًا 51 وإن أيفت رد البيع 52 إلا أن يتراضيا على ما يجوز 53. واختلف بعد الفوت هل هي مسألة غش؟ وهو تأويل أبي عمران على المدونة وإليه نحا 54 التونسي
الجزء: 3 - الصفحة: 659
والباجي وابن محرز وأنكره ابن لبابة، وقيل: هي مسألة كذب لأنه زاد في الثمن ما لا يحسب فيه، وحمله الربح على ما لا (1) يحسب حمله، وهو مذهب سحنون في كتابه، وقول (2) ابن عبدوح.
وفسر به بعضهم المدونة.
وإلى هذا وما قبله (3) أشار بقوله: (وهَلْ هُوَ كَذِبٌ أَوْ غِشٌّ؟ تَأْوِيلانِ) (4).
(المتن)
وَوَجَبَ تَبْيِينُ مَا يكْرَهُ كَمَا نَقَدَهُ وَعَقَدَهُ مُطْلَقًا وَالأَجَلِ، وَإِنْ بِيعَ عَلَى النَّقْدِ وَطُولِ زَمَانِهِ وَتَجَاوُزِ الزَّائِفِ وَهِبَةٍ إِنِ اعْتِيدَتْ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ بَلَدِيَّةً أَوْ مِنَ التَّرِكَةِ وَوِلادَتِهَا.
وَإِنْ بَاعَ وَلَدَهَا مَعَهَا وَجَذِّ ثَمَرَةٍ أُبِّرَتْ، وَصُوفٍ تَمَّ، وَإِقَالَةِ مُشْتَريهِ، إِلَّا بِزِيَادَة أَوْ نَقْصٍ، وَالرُّكُوبِ وَاللُّبْسِ وَالتَّوْظِيفِ وَلَوْ مُتَّفِقًا؛ إِلَّا مِنْ سَلَمٍ لا غَلًّةِ رَبْعٍ: كَتَكْمِيلِ شِرَائِهِ؛ لا إِنْ وَرِثَ بَعْضَهُ، وَهَلْ إِنْ تَقَدَّمَ الإِرْثُ، أَوْ مُطْلَقًا؛ تَأْوِيلانِ.