قوله: (وحَلَفَ عَبْدٌ، وسَفِيهٌ مَعَ شَاهِدٍ) يريد: أن العبد والسفيه إذا أقام كل منهما شاهدًا 5 بحق فإنه يحلف الآن مع شاهده ويثبت الحق، ولا خلاف في ذلك بالنسبة إلى العبد، وهو المشهور في 6 السفيه وأخذ الباجي والمازري من رواية ابن حبيب عن مطرف عدم حلفه الآن فإنه قال: يحلف 7 المطلوب ويؤخر، فإذا رشد السفيه حلف مع شاهده 8.1234
الجزء: 5 - الصفحة: 164
قوله: (لا صَبِيٌّ وَأبوهُ إن أَنْفَقَ) أي: فإنهما لا يحلفان مع شاهد الصبي، والمعروف أن الصبي لا يحلف الآن، وعن مالك أنه يحلف.
ابن رشد: وهو غريب 9.
وفي حلف الأب قولان: أعني 10 إذا أقام الصبي شاهدًا 11 بحق، ورثه عن أمه أو غيرها 12 وقيد بعض الشيوخ حلفه بأن يكون أنفق على الصغير، وأن يكون الصغير فقيرًا لأنه إذا كان غنيًا فالنفقة عليه من مال نفسه فلا يمكن الأب من الحلف عنه 13، لأنه يحلف ويستحق غيره من غير فائدة تحصل له، والمشهور من قول ابن القاسم وروايته عن مالك أنه لا يحلف، وإن أنفق 14، كما قال الشيخ 15 وفي كتاب المدنيين يحلف 16.
قوله: (وَحَلَفَ مَطْلُوبٌ ليُتْرَكَ بِيَد) أي: إذا فرعنا على القول بأن الصبي لا يحلف كما قال؛ فإن المطلوب يحلف الآن ليترك الحق بيده 17 إلى بلوغ الصبي، وأخذ الباجي من قول مالك في الموازية أنه لا يحلف الآن بل يوقف الحق 18 حتى يبلغ فيحلف 19.
قوله: (وسُجِّلَ ليَحْلِفْ، إِذَا بَلَغَ كَوَارِثهِ) أي: فإذا حلف المطلوب، وترك ذلك بيده فإن الحاكم يكتب شهادة الشاهد ويسجلها للصبي صونًا لحقه وخوفًا من موت الشاهد، أو تغير حاله عن العدالة قبل بلوغ الصبي، ولو مات الصبي قبل بلوغه حلف وارثه الآن، واستحق كما أشار إليه بقوله: (كَوَارِثهِ قَبْلَهُ) 20.
الجزء: 5 - الصفحة: 165
قوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ نَكَلَ أَوَّلًا، فَفِي حَلِفِهِ قَوْلانِ) أي: إلا أن يكون المطلوب قد 21 نكل عن اليمين أولًا، فهل يُمَكَّن من اليمين ثانية أم لا؟ قولان، وسيأتي بيان ذلك 22. قوله: (وإنْ نَكَلَ اكْتُفِيَ بِيَمِينِ الْمَطْلُوبِ الأولى 23) أي: وإن نكل الصبي عن اليمين بعد البلوغ أو نكل وارثه بعد موته، وقد كان المطلوب قد حلف أولًا فإنه يكتفي بتلك اليمين وهو المشهور، وقيل: لا بد من حلفه ثانيًا، وحكاه في البيان 24. قوله: (وإنْ حَلَفَ المطْلُوبُ، ثُمَّ أَتَى بِآخَرَ فَلا ضَمَّ) يريد: أن من أقام شاهدًا على خصم بحق 25 ولم يحلف مع شاهده فردت اليمين على المطلوب بحلف 26 ثم أتى الطالب بشاهد آخر فإنه لا يضم إلى الأول لأن شهادته قد بطلت بنكول الطالب وحلف المطلوب، وعن مالك من رواية ابن الماجشون وابن عبد الحكم الضم، وبه قال أصبغ، نقله اللخمي 27 وصاحب البيان وغيرهما 28. ثم أخذ يفرع على عدم الضم بقوله: (وفي حَلِفِهِ مَعَهُ، وتَحْلِيفِ الْمطْلُوبِ إِنْ لم يَحْلِفْ قَوْلانِ) أي: وفي حلف الطالب مع الشاهد الثاني قولان، قيل: له ذلك لأنه قد يظهر له الآن ما يقدم معه على اليمين، وقيل: ليس له ذلك لأنه قد ترك حقه أولًا، وهو قول ابن القاسم وابن كنانة 29، فإذا قلنا بالأول فنكل الطالب عن اليمين ثانيًا، فهل يحلف المطلوب مرة ثانية لأن يمينه الآن واجبة أولًا 30، لأن يمينه قد تقدمت فلا تعاد، وإليه
الجزء: 5 - الصفحة: 166
ذهب ابن بشير 31، لأنه لم يستفد بيمينه الأول سواء إسقاط الشاهد الأول وإليه ذهب ابن ميسرة 32 والقولان في كلامه راجعان إلى المسألتين معًا.
قوله: (وَإِنْ تَعَذَّرَ يَمِينُ بَعْضٍ كَشَاهِدٍ بِوَقْفٍ عَلَى بَنيهِ وعَقِبِهِمْ، أَوْ عَلَى الْفُقَرَاءِ حَلَفَ وإِلا فَحُبُسٌ) أشار إلى أن المستحقين تارة يتعذر اليمين على بعضهم دون بعض، وتارة يتعذر من جميعهم، فمثال الأول: أن يشهد شاهد واحد أن فلانًا قد وقف الدار الفلانية على أولاده، وعقبهم بطنًا بعد بطن فلا شك أن من لم يخلق من الأعقاب 33 يستحيل يمينه.
وقد اختلف في ذلك فذكر ابن المواز عن أصحابنا امتناع اليمين مع هذه الشهادة على الإطلاق، وروى عبد الملك أن الجل من 34 أهل هذه الصدقة إذا حلفوا ثبت جميعها على حسب إطلاق المحبس، وروى مطرف وابن وهب إذا حلف واحد منهم ثبت ذلك الحاضر والغائب 35، ومن سيولد 36 بعد 37.
ومثال الثاني: أن يشهد الشاهد الواحد بأن فلانًا حبس الدار على الفقراء، أو تصدق عليهم بمال فلا شك أن اليمين من جميع الفقراء ممتنعة 38 متعذرة لاستحالتها عادة، ولا سبيل إلى تخصيص بعضهم باليمين، إذ لا يحلف إلا من يستحق الملك والقبض، وليس في الفقراء من صار إليه ذلك الآن 39، ويمكن أن تصرف الصدقة عنه إلى غيره، فلا يتعين لأحد منهم استحقاق ملك ولا قبض، ولما امتنعت اليمين منهم انتقلت إلى
الجزء: 5 - الصفحة: 167
جانب المطلوب، فإن حلف برئ، وإن نكل صار المدعى فيه (1) حبسا (2)، فقوله: فإن حلف، عائد على المستحق في الفرع الأول، وعلى المطلوب في الفرع (3) الثاني.
قوله: (وإلا فَحُبُسٌ) عائد على الثاني، لكنه أبهم في الفرع الأول فلم يعط فيه جوابًا بينًا هل يصير ذلك بعد حلف البعض وقفًا كله أو إنما يصير منه وقفًا نصيب من حلف فقط، وهو ظاهر ما يأتي من كلامه.
(المتن)
فَإنْ مَاتَ فَفِي تَعْيِينِ مُسْتَحِقّهِ مِنْ بَقِيَّةِ الأَوَّلِينَ أَوِ الْبَطْنِ الثانِي تَرَدُّدٌ، أَوْ لَم يَشْهَدْ عَلَى حَاكِمٍ قَالَ ثَبَتَ عِنْدِي إِلَّا بِإشْهَادِهِ، كَاشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي، أَوْ رَآهُ يُؤَدِّيهَا إِنْ غَابَ الأَصْلُ، وَهُوَ رَجُلٌ بِمَكَانٍ لا يَلْزَم الأَدَاءُ مِنْهُ، وَلا يَكْفِي فِي الْحُدُودِ الثَّلاثَةُ الأَيَّامِ، أَوْ مَاتَ، أَوْ مَرِضَ، وَلَم يَطْرَأ فِسْقٌ، أَوْ عَدَاوَةٌ، بِخِلافِ جِنٍّ.
وَلَمْ يُكَذِّبْهُ أَصْلُهُ قَبْلَ الْحُكْمِ، وإلَّا مَضَى بِلا غُرْمٍ، وَنَقَلَ عَنْ كُلٍّ اثْنَانِ لَيسَ أَحَدُهُمَا أَصْلًا، وَفِي الزِّنَا أَرْبَعَةٌ عَنْ كُلٍّ، أَوْ عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ اثْنَانِ وَلُفِّقَ نَقْلٌ بِأَصْلٍ،