قوله: (تَشْبِيهُ المسْلِمِ المكَلَّفِ مَنْ تَحِلُّ أَوْ جُزْأَهَا بِظهْرِ مَحْرَمٍ أَوْ جُزْئِهِ ظِهَارٌ) يريد أن الظهار اصطلاحًا: تشبيه المسلم المكلف من تحل له أو جزأها بظهر محرم أو جزئه، فاحترز بالمسلم من الكافر فإنه لا يلزمه ذلك إن أسلم، وقاله في المدونة 1، وأخذ من قول المغيرة أنه إذا 2 طلق ثم أسلم أنه يلزمه أن يكون الظهار أيضًا يلزمه، واحترز بالمكلف من الصبي والمجنون، فإن ظهارهما لا يلزم، وكذلك المراهق على المشهور، وقال ابن كنانة: إن حلف قبل البلوغ وحنث بعده لزمته 3 الكفارة 4 وشمل قوله: (من تحل) الزوجة والأمة، ولا فرق في ذلك بين تشبيه مجموع المظاهر منها أو جزأها 5 بمحرم، كما إذا قال لزوجته أو أمته: يدك أو رجلك أو وجهك أو رأسك عليَّ كظهر أمي، وقوله: (بظهر محرم) شامل لمن 6 تحريمها مؤبدا كالأم، أو غير مؤبد كالأجنبية، و (به) احترز مما إذا شبهها بمن تحل، كقوله: أنت عليَّ كظهر أمتي 7، أو أم ولدي، أو نحو ذلك، ومراده بالمحرم أي: في الأصل وإلا فإنه ينتقض بما 8 إذا شبهها
الجزء: 3 - الصفحة: 261
بمن يحرم وطؤها لحيض أو نفاس، فإذا قال لإحدى زوجتيه 9: أنت عليَّ كظهر زوجتي الأخرى 10، وهي حائض أو نفساء صدق عليه أنه شبهها بظهر محرم، فإذا حمل على ما ذكرناه استقام، وقوله: (أو جزئه) يريد 11 كقوله: أنت عليَّ كيد أمي، أو رجلها، أو رأسها، أو يد فلانة الأجنبية 12، ونحو ذلك وقوله 13: (ظهار) خبر عما قبله.
قوله: (وتَوَقَّفَ إِنْ تَعَلَّقَ بِكَمَشِيئَتِهَا وهُوَ 14 بِيَدِهَا مَا لم تُوقفْ) يريد: أن من علق الظهار بمشيئة المظاهر منها، فإنه يتوقف على مشيئتها، فإذا قال لها: أنت عليَّ كظهر أمي 15 إن شئت كان مظاهرا إن شاءت، وكذلك إن 16 اخترت 17 أو رضيت، ولهذا قال: بكمشيئتها، قال في المدونة: وذلك لها ما لم توقف، وقال غيره: إنما هذا على اختلاف قول مالك في التمليك في الطلاق، قال مرة: حتى 18 توقف، ومرة: ما داما 19 في المجلس فكذلك الظهار 20.
قوله: (وبِمُحَقَّقٍ تَنَجَّزَ، وبِوَقْتٍ تَأبَّدَ) أي: فإن علق ظهاره على أمر محقق الحصول، كقوله: أنت عليَّ كظهر أمي بعد سنة، أو شهر 21، أو نحو ذلك، فإن الظهار ينجز 22 عليه 23 من ساعته، وإن وقته بوقت، كقوله: أنت عليَّ كظهر أمي في هذا
الجزء: 3 - الصفحة: 262
العام، أو 24 هذا الشهر، ونحوه فإنه يتأبد عليه بحيث أن العام أو الشهر لو انقضيا 25 لم يزل على حكم الظهار، وهذا 26 هو المشهور فيهما، وقيل: يتأجل في الصورة الأولى ويكون مؤقتًا في الثانية، حكاه ابن شاس 27.
قوله: (أَوْ بِعَدَمِ زَوَاجٍ فَعِنْدَ الْيَأْسِ أَوِ الْعَزِيمَةِ) أي: فإن علقه على عدم التزويج 28، فقال: إن لم أتزوج عليكِ فأنت عليَّ كظهر أمي، فلا يلزمه ذلك إلا عند اليأس من الزواج، أو العزيمة على تركه، واليأس يتحقق بموت المحلوف عليها إذا كانت معينة، وهل يتحقق 29 بهرمه وعلو سنه في غير المعينة أو 30 لا، والظاهر الثاني.
قوله: (ولَمْ يَصِحَّ في الْمعَلَّقِ تَقْدِيمُ كَفَّارَةٍ 31 قَبْلَ لزومِهِ) يريد أن تقديم الكفارة في الظهار المعلق لا يصح، كما إذا قال: إن دخلت الدار فأنت عليَّ كظهر أمي ثم كفر قبل الدخول لم يصح؛ لأن الظهار لم يلزمه بعد.
ابن عبد السلام: ولا أظنهم يختلفون في ذلك.
قوله: (وصَحَّ مِنْ رَجْعِيَّةٍ) يريد: لأنها في حكم الزوجة 32، ولا إشكال فيه على القول بأنها غير محرمة، وأما على القول بتحريمها فإنهم عدوا التحريم كأنه لعارض؛ لأن زواله بيده، ولو قيل: إن ظهاره منها قرينة في إرادة ارتجاعها لما بعد.
قوله: (ومُدَبَّرةٍ) أي: وكذلك يصح الظهار من المدبرة، يريد: والأمة 33 وأم الولد بخلاف المعتقة لأجل؛ لأن وطئها لا يحل، وقاله في المدونة 34.
الجزء: 3 - الصفحة: 263
قوله: (ومُحْرِمَةٍ) هكذا قال في المدونة 35، قال 36: وكذلك الحائض، يريد 37: والنفساء؛ لأن وطأهن جائز في الأصل، وإنما منع الآن لعارض يزول 38.
قوله: (ومَجُوسِيٍّ أَسْلَمَ ثُمَّ أَسْلَمَتْ) يريد: أنه إذا 39 ظاهر من زوجته بعد إسلامه وقبل إسلامها ثم أسلمت أنه يلزمه الظهار 40، وقاله في المدونة 41. ابن يونس: لأنها لم تخرج من ملك النكاح الذي ظاهر فيه 42.
ابن المواز: ولا يلزمه ذلك عند أشهب 43.
ابن رشد: وتعليل قوله: بأنها قبل إسلامها 44 غير زوجة لا يصح، وإلا لما رجعت إليه إلا بنكاح جديد، بل هي في ذلك الوقت زوجة 45.
قوله: (ورَتْقَاءَ) أي: وكذلك يصح الظهار من الرتقاء، وقاله في المدونة 46. أبو الحسن؛ لأنه وإن تعذر استمتاعه بها في موضع خاص فلا يتعذر استمتاعه بسائر الجسد.
قوله: (لا مُكَاتِبَةٍ ولَوْ عَجَزَتْ عَلى الأَصَحِّ) أي: فلا يصح منها الظهار إلا أنها إذا أدَّت لم يلزمه ذلك فيها قولًا واحدًا، ولو تزوجها بعد ذلك وإن عجزت قولان: الأصح وهو قول سحنون وروي عن 47 ابن القاسم 48: أن الظهار لا يلزمه فيها؛ لأن
الجزء: 3 - الصفحة: 264
عودها كابتداء ملك، والثاني: أنه يلزمه (1).
قوله: (وفي صِحَّتِهِ مِنْ كَمَجْبُوبٍ تَأْوِيلانِ) (2) مثل المجبوب الخصي (3) والمعترض والشيخ الفاني، والمعنى: أنه اختلف في صحة الظهار من هؤلاء وعدم صحته على تأويلين.
أبو الحسن الصغير: والقول بالصحة (4) مذهب ابن القاسم والعراقيين، والقول بعدمه لأصبغ وسحنون ونحوه لابن زياد (5). اللخمي (6)، وهو قول مالك في المدونة؛ لقوله: إن القبلة لا تأتي بخير (7).
عياض: والذي قاله اللخمي خلاف المعروف من المذهب؛ فإن (8) المتقرر من مذهب مالك عند أئمتنا البغداديين وغيرهم: أن جميع أنواع الاستمتاع محرم عليه (9)، وحكى الباجي أنه: اختلف في تأويل منعه ذلك في الكتاب وغيره على وجهين: الأول لعبد الوهاب: أنه محمول على الوجوب، والثاني لعبد الملك: أنه محمول على الكراهة (10).
(المتن)
وَصَرِيحُهُ بِظَهْرِ مُؤَبَّدٍ تَحْرِيمُهَا، أَوْ عِضْوِهَا، أَوْ ظَهْرِ ذَكَرٍ.
وَلا يَنْصَرِفُ لِلطَلاقِ، وَهَلْ يُؤْخَذُ بِالطَّلاقِ مَعَهُ إِذَا نَوَاهُ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ، كَانْتِ حَرَامٌ كَظَهْرِ أُمِّي، أَوْ كَأُمِي؟ تَأْوِيلانِ.
وَكِنَاتتُهُ كَأُمِّي، أَوْ أَنْتِ أُمِّي، إلَّا لِقَصْدِ الْكَرَامَةِ، وَكَظَهْرِ أَجْنَبِيَّةٍ، وَنُوِّيَ فِيهَا فِي الطَّلاقِ فَالْبَتَاتُ، كَأَنَتِ كَفُلانَةَ الأَجْنَبِيةِ، إلَّا أَنَّ يَنْوِيَهُ مُسْتَفْتٍ، أَوْ كَابْنِي أَوْ غُلامِي، أَوْ كَكُلِّ شَيءٍ حَرَّمَهُ الْكِتَابُ.