قوله: (أو أَزَالَ بَابَ المسْجِدِ، أَوْ سَقْفَهُ، أَوْ أَخْرَجَ قنادِيلَهُ، أَوْ حُصْرَهُ أَوْ بُسْطَهُ، إِنْ تُرِكَتْ بِهِ) لا خلاف في قطع من أزال باب المسجد أو سقفه عن موضعهما 5، وسواء خرج بهما من المسجد أم لا، ونص عليه مالك في الواضحة 6، وحكاه في البيان 7 والجواهر 8 وغيرهما، ولهذا رتب الحكم هنا على الإزالة، أي: من موضعهما، واختلف1234
الجزء: 5 - الصفحة: 377
في القناديل هل يقطع سارقها وهو قول مالك سواء سرقها ليلا أو نهارًا، كان عليه غلق أم لا، وبه أخذ ابن الماجشون 9، أو لا يقطع وهو قول أشهب نظرا إلى الإذن 10، ورأى مالك أن الإذن ليس من قبل 11 المالك حتى يكون كالضيف، وإنما هو شيء أوجبه الشرع فلا يرفع القطع 12، وخرج اللخمي في ذلك قولين: من سرقهما ليلا فإنه يقطع 13 أو نهارا فلا يقطع من مسألة الحصر على قول ابن القاسم 14، وقد اختلف فيمن سرق حصر المسجد على أقوال ثلاثة: الأول: لمالك بالقطع 15. والثاني لأشهب بعدمه 16. والثالث 17: لابن القاسم بالفرق بين من سرقها ليلا وبين من سرقها نهارًا 18، كما تقدم، ولسحنون قول رابع فرق فيه بين 19 أن تربط بعضها ببعض، فالقطع وإلا فلا 20، حكاه ابن شاس 21، وإنما قيد البُسْط بكونها تركت 22 في المسجد؛ لأن الرواية جاءت هكذا مقيدة به عن مالك، وظاهر كلام ابن القاسم في العتبية عدم
الجزء: 5 - الصفحة: 378
اشتراط ذلك 23 إلا أنه قيد القطع بأن يكون معها صاحبها، قال: وهكذا في البسط التي تجعل فيه في رمضان 24، وخرج بعضهم الأقوال التي في الحصر هنا.
قوله: (أَوْ حمامٍ إِنْ دَخَلَ لِلسرِقَةِ) إنما يقطع من دخل الحمام وسرق منه لأن دخوله لم يؤذن له فيه على هذا الوجه، وأما إن دخل لحاجة له وسرق منه 25 فلا قطع لأنه مأذون له في الدخول حينئذ.
قوله: (أَوْ نَقَبَ، أَوْ تَسَوَّرَ) أي: وكذا يقطع من سرق من الحمام إلا أنه لم يدخل من بابه بل نقبه أو تسور عليه أو نحو ذلك، وقاله في المدونة 26، وزاد: وإن لم يكن مع المتاع حارس 27، ولهذا قال بعض الأشياخ: الحمام بحارس حرز، وبغيره حرز من النقب والتسور، وهو قريب من كلام الشيخ أبي عمران: وسواء كان الحارس أقامه صاحب الحمام أو صاحب الثياب، لأنه أقيم للحفظ فيهما 28، وقيده اللخمي 29 بما إذا لم يأذن له الحارس في تقليب الثياب، فقال: إن من سرق من الحارس ممن ليس له عنده ثياب قطع، إلا أن يوهمه أن له عنده ثيابًا فأذن له في تقليب 30 الثياب فلا يقطع، وإن كان له عنده ثياب فناولها إياه الحارس فمد يده إلى غيرها قطع 31، وإليه أشار بقوله: (أَوْ بِحَارِسٍ لم يَأذَنْ لَهُ فِي تَقْلِيب) وأشار بقوله: (وصُدِّقَ مُدَّعِي الخطَأ) إلى قول ابن رشد: وحيث قلنا بالقطع فذلك مَا لم يدَّعِ أنه أخطأ، فإن ادعاه صدق إن أشبه 32.
قوله: (أَوْ حَمَلَ عَبْدًا لم يُمَيِّزْ) قال في المدونة 33: ومن سرق صبيًا 34 أو عبدًا من
الجزء: 5 - الصفحة: 379
حرز قطع، وإن كان عبدًا كبيرًا لم يقطع، وإن كان أعجميًا قطع 35.
وبالقطع في سرقة الصبي.
قال الفقهاء السبعة، وهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وأبو بكر بن عبد الرحمن الحارث، وخارجة بن زيد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار 36، وقال ابن الماجشون: لا يقطع سارقه 37، وفرق أشهب بين من يعقل وغيره 38.
أبو عمران: وإذا راطنه بلسانه 39 فقال: إني اشتريتك، فسرقه 40 قطع 41، وإليه أشار بقوله: (أَوْ خَدَعَهُ).
أبو عمران: وأما إن قال له: لم أشترك، فطاوعه لم يقطع.
وقال ابن نافع: إذا راطنه بلسانه حتى خرج إليه طوعًا لم يقطع 42.
اللخمي 43: يريد: إذا دعاه فأطاع، وأما إن غره فقال: سيدي بعثني إليك، أو 44 الدار ذات الأذن العام إلى محله 45.
قوله: (أَوْ أَخْرَجَهُ في ذِي الإِذْنِ الْعَامِّ لمحله) 46 يعني: إذا أخرج السارق السرقة من 47 الدار ذات الإذن العام إلى محله، فإنه يقطع.
ابن رشد: والدار ذات الأذن العام كالطبيب والعالم يأذن للناس في دخولهم إليه فيقطع من سرق من بيوتها
الجزء: 5 - الصفحة: 380
المحجورة إذا خرج بالسرقة عن جميع الدار، لأن بقية الدار من تمام الحرز إذ لا يدخل إلا بإذن 48. والضمير في محله عائد على الموضع المأذون فيه على العموم، أي: يقطع إذا خرج المسروق من حرزه إلى محل الإذن العام، لأنه أخرجه من حرزه إلى غير حرز وفيه نظر.
قوله: (لا إِذْنٍ خَاصٍّ كَضَيْفٍ مما حُجِرَ عَنه ولَوْ خَرَجَ بِهِ مِنْ جَمِيعِهِ) ابن رشد: وأما الدار التي أذن فيها صاحبها الخاص من الناس كالرجل يدخل الضيف داره، أو بعث الرجل إلى داره ليأتيه من بعض بيوتها بمتاعه أو ما أشبه ذلك، فاختلف إذا سرق الضيف أو الرجل المبعوث من البيت المغلق وقد حجر عليه في دخوله على قولين: أحدهما قوله في المدونة والموازية أنه لا يقطع وإن خرج بالمسروق من جميع الدار لأنه خائن وليس بسارق 49، والثاني لسحنون: أنه يقطع وإن لم يخرج به إلى الموضع الذي أذن له في دخوله، وحكى عبد الحق ثالثا أنه لا يقطع حتى يخرج به من جميع الدار 50.
قوله: (لا إِنْ نَقَلَهُ ولم يُخْرِجْهُ) هذا راجع إلى قوله: (مُخرْجِ مِنْ حِرْزٍ) فلو لم يخرجه من الحرز لم يقطع، ولو نقله من موضع إلى موضع آخر، ولا خلاف فيه، وقاله في المدونة 51 وغيرها.
قوله: (ولا فِيما عَلَى صَبِيٍّ أوْ مَعَهُ) أي: وكذا لا يقطع فيما على الصبي من حلي أو ثياب، ولا فيما معه من ذلك ولا غيره، وهذا ظاهر إن كان الصبي لا يضبط 52 ما معه ولم يكن في دار أبويه ونحوهما، وقال في الموازية 53: وإن كان مثله يحرز 54 ما عليه قطع سارقه مستترا، وكذلك يقطع السارق وإن كان في دار أبويه، إلا أن يكون قد أذن له في
الجزء: 5 - الصفحة: 381
الدخول، ولا خلاف أنه إن كان معه حافظ فإنه يقطع من سرقه 55.
قوله: (ولا عَلى دَاخِلٍ تَنَاوَلَ مِنْهُ الْخارج) أي: وكذا لا قطع على من دخل الحرز فأخذ منه شيئًا وناوله للآخر خارجه، يريد: إذا كان الخارج قد أدخل يده إليه فناوله له في الحرز، وهو قول ابن القاسم في المدونة 56 وغيرها؛ لأن معونته في الحرز، وقال أشهب: يقطع 57، ولا خلاف في قطع الخارج إذا مد يده إلى الحرز فأخرج المسروق، وأما لو ناوله خارجه فإن الداخل يقطع لأنه الذي أخرج المتاع من حرزه سواء أخذ في الحرز أو بعد خروجه.
قوله: (ولا إِنِ اخْتَلَسَ، أَوْ كَابرَ أَوْ هَرَبَ بَعْدَ أَخْذ فِي الحِرْز) أي: وكذلك لا يقطع المختلس وهو الذي يأخذ المال على غير وجه الاستسرار 58، ولا خلاف في ذلك، وكذلك لا يقطع إذا أخذه على وجه المكابرة، أي: من غير حرابة؛ لأنه غاصب، والغاصب لا يقطع، وكذا لا يقطع إذا أخذ في الحرز فهرب بما معه؛ لأنه لم يخرج به على وجه السرقة فإنه من نوع 59 الاختلاس.
مراده بقوله: (أو ليَأتِيَ بِمَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ) أن صاحب الدار أو غيره إذا وجد السارق في الحرز، وقد أخذ المتاع ولم يخرج به، فتركه وذهب ليأتي بمن يشهد عليه، أي: ولو شاء لمنعه من أخذ المتاع فلم يأت حتى ذهب السارق بما معه فإنه لا يقطع لأنه اختلاس، وليس بسرقة، وهو قول مالك وابن القاسم، وقال أصبغ: يقطع 60.
قوله: (أَوْ أَخَذَ دَابةً بِبَابِ مَسْجِدٍ أَوْ سُوقٍ) أي: وكذا لا يقطع من أخذ دابة واقفة على باب المسجد أو واقفة في السوق، وقال في الجواهر: إلا أن يكون معها حافظ 61.
قوله: (أَوْ ثَوْبًا بَعْضُهُ بِالطرِيقِ) أي: لأنه بعضه في غير حرز وهو الموضع الذي
الجزء: 5 - الصفحة: 382
يتناوله منه، وبعضه الآخر وإن كان في الحرز فيغلب عليه جانب الحد 62، ؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وقال ابن يونس: قال في المدونة 63: ومن وجد 64 ثوبًا منشورًا على حائط بعضه في الدار وبعضه خارج منها إلى الطريق لم يقطع.
ابن يونس: وروى ابن 65 القاسم وغيره أنه يقطع قياسًا على ما فوق ظهر البعير.
قوله: (أوْ ثمَر مُعَلَّقٍ) هذا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لَا قَطْعَ في ثَمَرٍ مُعَلقٍ".
قوله: (ولا كثر) الجوهري: الكثر الجمار 66، وفي الرسالة: ولا قطع في ثمر معلق ولا في الجمار في النخل 67، وقال عبد الوهاب: إنما لم يقطع إذا كان ذلك في رؤوس الشجر؛ لأنه لم يوضع أن يقصد احترازا فيه، وإنما وضع بأمر الله تعالى لا بفعل آدمي، فإذا آواه الجرين ففيه 68 القطع، رطبًا كان أو يابسًا 69، وقيد ابن يونس عدم القطع 70 في الثمر بما إذا كان في الحائط، وأما النخلة تكون في الدار فإن سارقها يقطع إذا سرق ما قيمته ثلاثة دراهم على الرجاء والخوف، وقال اللخمي: إذا كان النخل والكرم وغيرهما 71 عليه غلق وعلم أنه احتفظ عليه من السارق فإنه يقطع 72.
وقال ابن الماجشون: لا يقطع كان عليه غلق أم لا 73، وإلى هذا وما قبله أشار بقوله: (إلا بغلق فَقَولانِ).
الجزء: 5 - الصفحة: 383
(المتن)
وَإِلَّا بَعْدَ حَصْدِهِ، فَثَالِثُهَا إِنْ كُدِّسَ، ولَا إِنْ نَقَبَ فَقَطْ، وَإِنِ الْتَقَيَا وَسَطَ النَّقْبِ، أَوْ رَبَطَهُ، فَجَذَبَهُ الْخَارِجُ قُطِعَا.
وَشَرطُهُ، التَّكلِيفُ، فَيُقْطَعُ الْحُرُّ، وَالْعَبْدُ، وَالْمُعَاهَدُ، وَإِنْ لِمِثْلِهِمْ إِلا الرَّقِيقَ لِسَيِّدِهِ، وَثَبَتَتْ بِإقْرَارٍ، إِنْ طَاعَ، وَإِلَّا فَلَا وَلَوْ عَيَّنَ السَّرِقَةَ، أَوْ أَخْرَجَ الْقَتِيلَ.
وَقُبلَ رُجُوعُهُ وَلَوْ بِلَا شُبْهَةٍ، وَإِنْ رَدَّ الْيَمِينَ فَحَلَفَ الطَّالِبُ، أَوْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأتَانِ، أَوْ وَاحِدٌ، وَحَلَفَ أَوْ أَقَرَّ الْسَّيِّدُ، فَالْغُرمُ بِلَا قَطْعٍ.
وَإِنْ أَقَر الْعَبْدُ فَالْعَكْسُ، وَوَجَبَ رَدُّ الْمَالِ إِنْ لَمْ يُقْطَعْ مُطْلَقًا، إِنْ أَيْسَرَ إِلَيهِ مِنَ الأَخْذِ.
وَسَقَطَ الْحَدُّ إِنْ سَقَطَ الْعُضْوُ بِسَمَاوِيٍّ، لَا بِتَوْبَةٍ، وَعَدَالَةٍ، وَإِنْ طَالَ زَمَانُهُمَا.
وَتَدَاخَلَتْ إِنِ اتَّحَدَ الْمُوجَبُ، كَقَذْفٍ، وَشُربٍ، أَوْ تَكَرَّرَتْ.