(الشفعة أخذ شريك) هذا رسم للشفعة 1، فقوله: (أخذ) كالجنس، وأخرج بإضافته إلى الشريك الجار، فإنه لا شفعة له عندنا 2، لكنه لم يذكر بقية الرسم، وقد تممه غيره فقال: أخذ الشريك حصة جبرًا بشراء 3، وهو واضح.
قوله: (ولو ذميًا باع المسلم لذمي) يريد: أن الحكم بالشفعة ليس خاصا بالمسلم، بل للشريك مطلقا.
ولو كان ذميا أن يأخذ حصة باعها شريكه المسلم لذمي 4. وظاهر قوله: (لذمي)، أنه لو باعها لمسلم 5 لا شفعة له، وليس كذلك، فقد جعل له الشفعة في المدونة 6.
ولابن القاسم في المجموعة: أن المسلم إذا باع من نصراني، والشفيع نصراني، أنه لا شفعة له؛ لأن الخصمين نصرانيان، ولو باع النصراني نصيبه من نصراني، فللمسلم الشفعة 7.
قوله: (كذميين تحاكموا إلينا)، وهكذا قال في المدونة: إنه لا يقضى بينهما بالشفعة،
الجزء: 4 - الصفحة: 428
إلا إذا تحاكموا إلينا 8 وعن أشهب: إذا كان المبتاع مثلهما، فلا شفعة ولو تحاكموا إلينا 9.
قوله: (أو محبسا ليحبس) أي: وكذا للشريك الأخذ بالشفعة ولو كانت حصته حبسًا، بشرط أن يحبس الحصة المأخوذة أيضًا، فلو لم يحبس فلا شفعة له، وقاله في المدونة 10. وحكى اللخمي: أن المحبس لا شفعة له مطلقًا 11؛ لأن التحبيس أزال الملك، وصير صاحبه كالأجنبي.
قوله: (كسلطان) أي: فإن له الأخذ بالشفعة لبيت المال 12، وقاله 13 سحنون 14.
قوله: (لا محبس عليه ولو ليحبس) هذا هو 15 مذهب المدونة، وعن مطرف وابن الماجشون: أن له ذلك إذا أراد إلحاقه بالحبس 16.
قوله: (وجار وإن ملك تطرقًا) أي: وكذا لا شفعة للجار ولو ملك التطرق، وقاله في المدونة ونصه: ولا شفعة بالجوار والملاصقة في سكة أو غيرها، ولا بالشركة 17 في الطريق، ومن له طريق في دار فبيعت الدار، فلا شفعة له فيها 18 بعض الأشياخ: وإنما له حق الجوار، ولا حق له في نفس الملك.
قوله: (وناظر وقف) أي: وكذا لا شفعة لناظر وقف مسجد، أو غيره.
الجزء: 4 - الصفحة: 429
قوله: (و 19 كراء) قال في الموازية 20: اختلف قول مالك في الشفعة في الكراء، فروى عنه ابن القاسم، وابن وهب فيمن اكترى نصف دار لرجل، ونصفها لآخر، قال: ما علمت في هذا شفعة 21.
وروى ابن القاسم عنه -أيضا- في شريكين اكتريا أرضا، ثم أكرى أحدهما حصته من غيره، أن شريكه أولى بها، وقال أشهب: في جميع ذلك الشفعة، قال وقد بلغني ذلك عن مالك.
محمد: وهو أحب إلى 22.
وقال ابن حبيب: الذي أخذ به ابن الماجشون، وابن عبد الحكم 23، عدم 24 الشفعة في ذلك، والذي أخذ به ابن القاسم، ومطرف، وأصبغ، الشفعة وبه نأخذ 25، وكذلك في كراء الدور والمزارع سواء 26.
فانظر كيف اقتصر الشيخ على عدم الشفعة، ولم يحك القول الآخر، وهو أولى بالذكر هنا؛ لأنه أحد قولي مالك، ورواية ابن القاسم عنه، وبه أخذ هو، وأشهب، ومطرف، وأصبغ 27، وابن المواز، وابن حبيب 28 أو كان يذكر القولين معًا؟ ! .
قوله: (وفي ناظر الميراث قولان) يعنى: أنه اختلف في ناظر الميراث 29، هل له أن يأخذ بالشفعة لبيت المال، أو لا؟ ، فقال ابن زرب: ليس له ذلك 30. خلافا للمغيرة.
الجزء: 4 - الصفحة: 430
وهذا الخلاف مقيد بما إذا لم يجعل له السلطان ذلك بيده، فإن جعله بيده فهو منزل 31 منزلة السلطان في جواز الأخذ لبيت المال.
قوله: (ممن تجدد ملكه اللازم اختيارًا بمعاوضة) يعنى: أن الشريك إنما يأخذ بالشفعة ممن تجدد ملكه ... إلى آخره.
فاحترز بقوله: (ممن تجدد ملكه)، مما إذا اشترى اثنان دارًا أو نحوها دفعة واحدة، فإنه 32 لا شفعة لأحدهما على الآخر 33، لعدم تجدد ملكه بعد الآخر.
واحترز بقوله: (اللازم)، من بيع الخيار؛ إذ لا شفعة قبل لزومه، كما سيذكره.
وبقوله: (اختيارًا)، من الميراث، فإنه لا شفعة في الحصة الموروثة على المشهور، وعن مالك: أن فيه الشفعة 34. وبقوله: (بمعاوضة)، من الهبة، والصدقة، والتمليك، ونحو ذلك، إذ لا شفعة 35 فيه، وهو المشهور 36.
قوله: (ولو موصى ببيعه للمساكين عَلَى الأَصَحِّ 37) يريد: أن من أوصى بثلثه للمساكين وفيه عقار فباعه الوصي، فإنه فيه الشفعة للورثة على الأصح، وقاله ابن الهندي 38 فإنه حكى قولين في ذلك، أحدهما لسحنون بعدم الشفعة 39 والآخر بثبوتها، ثم قال: والقول بثبوتها هو الأصح.
وقال الباجي: وهو الأظهر، وقال اللخمي: هو القياس 40، وإليه أشار بقوله 41: (والمختار) أي: وعلى المختار.
الجزء: 4 - الصفحة: 431
قوله: (إلا 42 موصى له ببيع جزء) أي: فلا شفعة فيه، ومعناه: أن الميت إذا أوصى أن يباع نصيب 43 من داره لرجل بعينه والثلث يحمله، فليس للورثة فيه شفعة؛ لئلا يفوت غرض الميت من تمليكه 44 ذلك الجزء للموصى له.
قوله: (عَقَارًا) أي: فلا شفعة في غيره، والمراد بالعقار: الأرض، وقد يطلق ذلك عليها وعلى ما يتصل بها من بناء أو شجر.
قوله: (ولَوْ مُنَاقَلًا بِهِ، إِنِ انْقَسَمَ) هذا قول ابن القاسم، قال 45: وقال بعض أصاحبنا إنه كان من قول مالك وغيره من المدنيين، أنه إن علم أنه أراد المناقلة والسكنى ولم يرد البيع، فلا شفعة له 46.
قال: وذكرناه لمالك فلم يره 47، وقال: فيه الشفعة.
العتبى: عن مطرف، وابن الماجشون: وإنما قال مالك لا شفعة له إذا كان بين الشركاء 48 داران، أو حائطان، فبادل 49 أحدهم من بعض أشراكه حصته من هذه الدار بحصته من الدار الأخرى، أو من 50 الحائط، فيجتمع حظ كل واحد منهم في شيء واحد 51، لأنه إنما أراد توسعة حظه وجمعه، وأما إن ناقل بنصيبه من دار نصيبا من دار أخرى لا نصيب له فيها، فالشفعة له 52، ومثله عن مالك، ابن حبيب: وقد كان ابن القاسم يرى 53 أن في ذلك كله الشفعة، ثم رجع، والأول أحب إلي 54.
الجزء: 4 - الصفحة: 432
المتيطى: وبرواية مطرف القضاء، ابن القاسم: ووجوب الشفعة هو الشأن 55، وفي البيان: هو الصحيح؛ ولهذا اقتصر هنا عليه، وقال ابن غلاب 56: المشهور أن الشفعة ثابتة بين الأجانب ساقطة بين الأشراك 57 وحكى ابن الحاجب: قولا بسقوطها مطلقا، ويعز وجوده 58.
قوله: (إن انقسم) يريد: أن الشفعة في العقار مشروطة بأن يكون قابلا للقسمة، واحترز به مما إذا كان لا يقبل القسمة، أو يقبلها بضرر كالحمام ونحوها، وقد اختلف هل في ذلك شفعة، أم لا؟ ، والقولان لمالك، وفي المدونة ما يدل عليهما 59 ولهذا قال: (وفيها الإطلاق) أي: وفيها -أيضا- قول بوجوب الشفعة مطلقا 60، سواء كان مما يقبل القسمة، أم لا، والمشهور: عدم الشفعة في ذلك، قاله في الذخيرة 61 وبه قال ابن القاسم، ومطرف وبثبوتها قال أشهب، وابن الماجشون، وأصبغ 62 قال في المعين 63: وبه القضاء، وأفتى به فقهاء قرطبة.
ابن حارث: وأخبرني من أثق به أن العمل عند الشيوخ بقرطبة جار بإيجاب الشفعة 64، وإلى هذا أشار بقوله: (وبه عمل) 65.
قوله: (بمثل الثمن) يريد: أن الشريك إنما يأخذ الشقص من يد مبتاعه، بمثل الثمن الذي وقع به البيع إن كان من ذوات الأمثال، وأما إن كان مقوما، فإنما يأخذه 66 بقيمته، كما قال بعد هذا، وأشار بقوله: (ولو دينا) إلى أن المبتاع إذا أخذ الشقص عن
الجزء: 4 - الصفحة: 433
دين له في ذمة الشريك، فإن الشفيع ليس له أخذه إلا بالثمن 67، وهو مذهب المدونة، وروي عن مالك 68، قال عنه 69 أشهب وغيره: وكذلك لو كان البائع عديما بذلك الدين 70 فلا يأخذه الشفيع 71 إلا بمثله أو يترك 72، قال: ولا قيمة في الذهب والفضة، وإنما القيمة في العروض 73 وعنه أيضا: إن كان الدين إلى سنة فلا يأخذ الشفيع ذلك إلا بقيمة الدين عرضا يدفعه الآن، وكذا إن لم يقم الشفيع حتى حل الأجل.
وقال سحنون: يقوم الدين بعرض نقدا، ثم يقوم العرض بعين، ثم يأخذه الشفيع بذلك 74.
ابن المواز: فإن اشتراه منه بعد حلول الأجل، فلا يأخذه الشفيع إلا بالعدد بعينه 75.
قوله: (أو قيمته) أي: فإن كان الثمن من ذوات القيم، أخذ الشفيع الشقص بقيمة ذلك الثمن، كما تقدم، و"أو" في كلامه تفصيلية.
قوله: (برهنه وضامنه) أي: فإن وقع التبايع برهن أو ضامن، فلا يأخذ 76 الشفيع ذلك إلا برهنه أو ضامنه، أي: رهن مثل رهنه أو ضامن مثل ضامنه، وقاله أشهب، وعنه أيضا: إذا كان الشفيع أملأ من الضامن ومن المشترى، أخذه بلا ضامن.
ولا رهن 77، واختار محمد الأول 78.
قوله: (وأجرة دلال وعقد شراء) هو معطوف على قوله: (بمثل الثمن)، والمعنى: أن الشفيع يأخذ الشقص بمثل الثمن أو قيمته وأجرة الدلال وأجرة كاتب عقد الشراء،
الجزء: 4 - الصفحة: 434
هذا إذا دفع المبتاع (1) المعتاد من ذلك، وأما إن كان دفع أكثر من ذلك، فليس على الشفيع الزائد على ذلك، وبه (2) أفتى ابن عتاب، وابن مالك، وابن القطان (3). المتيطى: ولا أعلم لهم مخالفا (4). ابن يونس: قال (5)): بعض الشيوخ وانظر لو غرم على الشقص غرما، هل يأخذه الشفيع بالثمن أو بما غرم (6) عليه؟ . (7) قلت: ومراده بالغرم ما يأخذه المكاسون وغيرهم، وإليه أشار بقوله: (وفي المكس تردد) أي: وفي دفع المكس تردد.
(المتن)
أَوْ قِيمَةِ الشِّقْصِ فِي كَخُلْعٍ، وَصُلْحِ عَمْدٍ، وَجُزَافِ نَقْدٍ، وَبِمَا يَخُصُّهُ إِنْ صَاحَبَ غَيْرَهُ، وَلَزِمَ الْمُشْتَرِيَ الْبَاقِي وَإِلَى أَجَلِهِ إِنْ أَيْسَرَ، أَوْ ضَمِنَهُ مَلِيءٌ، وَإِلَّا عُجِّلَ الثَّمَنُ إِلَّا أَنْ يَتَسَاوَيَا عُدْمًا عَلَى الْمُخْتَارِ.
وَلَا يَجُوزُ إِحَالَةُ الْبَائِعِ بِهِ، كَإِنْ أَخَذَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ مَالًا لِيَأْخُذَ وَيَرْبَحِ.
ثُمَّ لَا أَخْذَ لَهُ، أَوْ بَاعَ قَبْلَ أَخْذِهِ، بِخِلَافِ أَخْذِ مَالٍ بَعْدَهُ لِيُسقَطَ كَشَجَرٍ وَبِنَاءٍ بِأَرْضِ حُبُسٍ، أَوْ مُعِيرٍ، وَقُدِّمَ الْمُعِيرُ بِنَقْضِهِ، أَوْ بثَمَنِهِ، إِنْ مَضَى مَا يُعَارُ لَهُ، وَإِلَّا فَقَائِمًا، وَكثَمَرَةٍ، ومقاثٍ، وَبَاذِنْجَانٍ، وَلَوْ مُفْرَدَةً، إِلَّا أَنْ تَيْبَسَ، وَحُطَّ حِصَّتُهَا إِنْ أَزْهَتْ، أَوْ أُبِّرَتْ، وَفِيهَا أَخْذُهَا مَا لَمْ تَيْبَسْ أَوْ تُجَذَّ، وَهَلْ هُوَ خِلافٌ؟ تَأْوِيلَانِ،