(سُنَّ لِمُسَافِرٍ) 8 يريد أن المسافر إذا استكمل الشروط الآتية يُسَنُّ له قصر 9 الرباعية وهو المشهور، وقال الأبهري وجماعة: هو مباح 10. وقال القاضي عبد1234567
الجزء: 1 - الصفحة: 459
الوهاب: ذكر أكثر 11 أصحابنا أنه مخير 12 وأن القصر أفضل 13، وقيل: إنه فرض.
قوله: (غَيْرِ عَاصٍ بِهِ) أي: بالسفر، واحترز بذلك من العاصي بسفره 14 كالآبق والعاق فإنه لا يباح له القصر.
المازري وغيره: وهو المشهور، ولمالك جواز ذلك 15، أمَّا العاصي في السفر فإنه لا يمنع منه قولًا واحدًا، واختلف في التقصير 16 في السفر المكروه كصيد اللهو أو لا؟ 17؛ فقيل: لا يقصر وهو الأصح، وقاله في المدونة 18.
قوله 19: (وَلَاهٍ) أي: وغير لاهٍ بالسفر، واحترز به من اللاهي بسفره كصيد اللهو، والمشهور أنه لا يقصر 20، وعلى قول ابن عبد الحكم بإباحة صيد اللهو يجوز له 21 القصر 22، والله أعلم.
قوله: (أَرْبَعَةَ بُرُدٍ) هو المشهور وهو مذهب الكتاب، والبريد: أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، فالأربعة برد ستة عشر فرسخًا وهي ثمانية وأربعون ميلًا.
ابن عبد البر: وأصح ما قيل في الميل أنه ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع 23، وقيل: ألف ذراع، وقيل: ثلاثة آلاف ذراع، وقيل: أربعة آلاف ذراع 24، وقيل: ألف باع، وعن مالك أنه يقصر في خمسة وأربعين ميلًا، وروى أبو قرة أنه يقصر في اثنين وأربعين، وعن
الجزء: 1 - الصفحة: 460
عبد الملك: يقصر في أربعين، وعن ابن القاسم: إن 25 قصر في ستة وثلاثين أجزأه 26.
قوله: (وَلَوْ بِبَحْرٍ) أي: لا فرق بين البر والبحر في مراعاة الأربعة برد وهو المشهور، وعن مالك: يقصر إذا سافر يومًا تامًّا، قال بعضهم: يريد يومًا وليلة؛ لأن الأميال لا تعرف في البحر 27.
قوله: (ذَهَابًا) يريد: أنه يشترط في السفر الذي يقصر فيه أن يكون وجهًا واحدًا ذهابًا فقط فلا يحسب مع ذلك الرجوع، بل يعتبر الرجوع أيضًا وحده.
قوله: (قُصِدَتْ دُفْعَةً) يريد أن مسافة القصر لا بدَّ وأن تكون مقصودة دفعة واحدة، فلو 28 لَمْ يقصد شيئًا لَمْ يقصر ولو جاوز مسافة القصر، واحترز بقوله: (دفعة) مما لو خرج إلى سفر طويل إلَّا أنه نوى أن يسير ما لا تقصر فيه الصلاة، ثم يقيم أربعة أيام ثم يسير ما بقي من المسافة، فإنه لا يقصر في مقامه، واختلف هل يقصر في مسيره ويلفق بعضه إلى بعض؟ فيه قولان.
قوله: (إِنْ عَدىَ الْبَلَدِيُّ الْبَسَاتِينَ المَسْكُونَةَ) يريد: أن البلدي لا يقصر حتى يجاوز البنيان والبساتين التي في حكمه ولا عبرة بالمزارع، وهذا هو المشهور، وعن مالك: إن كانت قرية جُمُعة فحتى يجاوز بيوتها بثلاثة أميال وإلا فكالأول.
ابن رشد: وهو تفسير، وقال الباجي وغيره: هو خلاف 29. وتؤولت 30 المدونة 31 على هذه الرواية، وإليه أشار بقوله: (وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا عَلَى مُجَاوَزَةِ ثَلاثَةِ أَمْيَالٍ بِقَرْيَةِ الجمُعَةِ 32) يريد أن 33 حقيقة السفر في هذا الباب وباب الجمعة سواء، فكما أنَّ الجمعة لا تسقط عمن هو دون ثلاثة أميال لأنه في حكم الحاضر، فكذلك لا يقصر حتى يجاوزها.
الجزء: 1 - الصفحة: 461
قوله: (وَالْعَمُودِيُّ حِلَّتَهُ) العمودي: هو 34 ساكن البادية، والمراد بالحلة البيوت التي ينصبها 35 ليأوي فيها من شعر 36 أو غيره، والمعنى: أن العمودي لا يقصر حتى يجاوز بيوت حلته.
قوله: (وَانْفَصَلَ غَيْرُهُمَا) يريد: أن غير العمودي والبلدي 37 المتصف بالوصف المذكور يقصر إذا انفصل عن قريته، والمراد به من 38 هو ساكن بقرية لا بناء متصل بها 39 ولا بساتين.
قوله: (قَصْرُ) هو قائم مقام فاعل (سن)؛ أي: سن للمسافر قصر ... إلى آخره.
قوله: (رُبَاعِيَّةٍ) احترازًا من المغرب والصبح فإنهما لا يقصران اتفاقًا.
قوله: (وَقُتِيَّةٍ أَوْ فَائِتَةٍ فِيهِ) أي: لا فرق بين ان تكون الرباعية مؤداة في السفر أو فائتة فيه ثم قضاها.
قوله: (وَإِنْ نُوتيًّا بِأَهْلِهِ) يريد أنَّ المسافر يقصر بالشروط المذكورة ولو كان نوتيًّا معه أهله، وقاله في المدونة 40.
قوله: (إِلَى مَحَلِّ الْبَدْءِ) يريد أن المسافر إذا رجع لوطنه لا يزال يقصر حتى يأتي إلى المكان الذي بدأ منه القصر حين خروجه فإذا أتاه أتم حينئذٍ، وفي المجموعة: يقصر حتى يدخل منزله 41. وقوله في المدونة: وإذا رجع من سفره فليقصر حتى يدخل البيوت أو قربها 42. يدلُّ على أن منتهى القصر ليس كمبتدَئِه 43، وكذا في الرسالة 44.
الجزء: 1 - الصفحة: 462
قوله: (لا أَقَلَّ) يريد أن السفر المبيح للقصر إنما هو أربعة برد لا أقلّ من ذلك.
يريد: على المشهور، وقد تقدم ما في ذلك من الخلاف.
قوله: (إِلَّا كمَكِّيٍّ (1) فِي خُرُوجِهِ لِعَرَفَةَ وَرُجُوعِهِ) يريد: فإنه يقصر وإن كانت المسافة دون أربعة برد للسنة، وكذلك من دخل مكة وليس من أهلها، وكذا أهل منى ونحوها.
قوله: (وَلَا رَاجعٍ لِدُونِهَا، وَلَو لِشَيْءٍ نَسِيَهُ) يريد أن الراجع إلى موضعه لا يقصر إذا كان مسافرًا (2) دون مسافة القصر ولو لشيء نسيه فيه، وهو المشهور خلافًا لابن الماجشون (3).
(المتن)
وَلَا عَادِلِ عَنْ قَصِيرٍ بِلَا عُذْرٍ.
وَلَا هَائِمِ وَطَالِبُ رَعَيٍ، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ قَطْعَ الْمَسَافَةِ قَبْلَهُ وَلَا مُنْفَصِل يَنْتَظِرُ رُفْقَةً إِلَّا أَنْ يَجْزِمَ بِالسَّيرِ دُونَهَا.
وَقَطَعَهُ دُخُولُ بَلَدِهِ، وَإِنْ بِرِيحٍ إِلَّا مُتَوَطِّنَ مَكَّةَ رَفَضَ سُكْنَاهَا وَرَجَعَ نَاوِيًا السَّفَرَ.
وَقَطَعَهُ دُخُولُ وَطَنِهِ، أَوْ مَكَانَ زَوْجَةٍ دَخَلَ بِهَا فَقَطْ وَإِنْ بِرِيحٍ غَالِبَةٍ.
وَنِيَّةُ دُخُولِهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسَافَةُ، وَنِيَّهُ إِقَامَةِ أرْبَعَةِ أَيَّام صِحَاحٍ، وَلَوْ بِخِلَالِهِ - إِلَّا لِعَسْكَرَ بِدَارِ الْحَرْبِ - أَوِ الْعِلْمُ بِهَا عَادَةً، لَا الإِقَامَةُ.
وَإِنْ تَأَخَّرَ سَفَرُهُ، وَإِنْ نَوَاهَا بِصَلَاةٍ شَفَعَ، وَلَمْ تُجْزِ حَضَرِيَّةً وَلَا سَفَرِيَّةً، وَبَعْدَهَا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ.