قوله: (وَفُسِخَ تَزْوِيجُ حَاكِمٍ أَوْ 8 غَيْرِهِ ابْنَتَهُ فِي كَعَشْرٍ) يريد أن الحاكم أو غيره من الأولياء إذا زوجوا البكر في غيبة الأب القريبة كعشرة أيام ونحوها، فإن النكاح يفسخ.1234567
الجزء: 2 - الصفحة: 564
ابن رشد: من غير خلاف 9. وعن ابن القاسم: وإن ولدت الأولاد، وإن أجازه الأب 10. ولم يقيد الشيخ كلامه بالبكر لفهم ذلك مما تقدمه 11؛ إذ الضمير في (ابنته) عائد على الأب المجبِر.
قوله: (فِي كَعَشْرٍ) أي: في غيبة أبيها كعشرة أيام؛ بمعنى أن يكون ذلك بمقدار 12 مسافة بلده من بلد العقد، وجاز حذف التاء من عشرة إمَّا لأن مراده عشر ليال، أولما جاء من قولهم: صمنا من الشهر عشرًا.
قوله: (وَزَوَّجَ الحَاكِمُ فِي كَإِفْرِيقِيَّةَ، وَظُهِرَ مِنْ مِصْرَ) أشار رحمهُ الله إلى أن 13 غيبة أبي البكر تارة تكون قريبة كما تقدَّم، وتارة تكون بعيدة، والكلام الآن فيها، ويتنزل 14 منزلة البعيدة 15 كالأسير ونحوه مما سيأتي، قال في المدونة: ومن غاب عن ابنته غيبة انقطاع كمن خرج إلى المغازي لمثل إفريقية وطنجة والأندلس فأقام بها، فرفعت أمرها إلى الحاكم فلينظر لها ويزوجها 16. ابن رشد: وقوله مثل إفريقية، يريد من مصر 17، واستبعد لأن المسألة لمالك، وإنما قال ذلك بالمدينة، ولعله أراد مثل إفريقية من 18 المدينة وهو الظاهر، وتبع هنا ابن رشد في تفسيره لذلك 19، وقد اختلف في هذه المسألة على أربعة أقوال:
الأول: إن دعت حاجتها إلى ذلك زوجت، وإن لم يخف عليها وكان يُجري عليها النفقة، وإن لم يستوطن المكان الذي سار إليه، وهو ظاهر العتبية 20، ونسبه بعضُهم
الجزء: 2 - الصفحة: 565
للمدونة، واقتصر عليه الشيخ هنا.
والثاني: أنها تزوج إن استوطن ذلك البلد وإلا فلا، وإن دعت 21 إلى ذلك وإن لم يُجرِ عليها النفقة، وتؤول على المدونة أيضًا، وإليه أشار بقوله: (وَتُؤُوِّلَتْ أَيْضًا بِالاسْتِيطَانِ) ونبَّه بقوله: (أيضًا) على أن القول الأول متأول أيضًا على المدونة كما تقدَّم.
والثالث لابن حبيب: أنها تزوج إن طال استيطانه بالبلد الذي سار إليه كعشرين سنة وثلاثين 22. وقال ابن الماجشون: لا تزوج بحال حتى يقدم أبوها 23، وقاله في الموازية، ومثله في سماع يحيى 24، واستشكل لا سيما مع الخوف عليها واحتياجها إلى الإنفاق وغيره.
وعن الإبياني: إن كان الأب بموضع يتعذر إذنه منه زوجها الحاكم 25، وإنما كان الحاكم هو المزوج هنا دون الولي لأنه حكم على غائب، وهو المشهور.
وفي الموازية: يزوجها الولي برضاها، وقاله ابن وهب 26.
قوله: (كَغَيْبَةِ الأَقْرَبِ الثَّلاثَ) يريد أن الولي الأقرب غير المجبر إذا غاب غيبة مسافتها من بلد المرأة ثلاث ليالٍ أو 27 نحوها فإن الحاكم يزوجها، ونحوه لمالك، وظاهر كلامه أيضًا أن الحاكم أولى بالتزويج في هذه من الولي كالتي قبلها، وفي الجواهر: أن الولاية تنتقل إذا غاب الأقرب إلى الأبعد 28، أو إلى الحاكم فيزوجها أحدهما، وقيل: إلى الحاكم فقط فلا يزوجها غيره 29.
الجزء: 2 - الصفحة: 566
قوله: (وَإِنْ أُسِرَ، أَوْ فُقِدَ، فَالأَبْعَدُ) أي 30: فإن أُسِر أبو البِكر، أو فُقِد أو انقطع 31 خبرُه زَوَّجَها الأبعدُ، وهو المشهور.
المتيطي: وبه القضاء.
وقال عبد الملك: لا تزوج إلا بعد أربع سنين من يوم أُسِر أو فُقِد.
وقيل: لا تزوج بحال 32. وانظر هذا مع قول صاحب البيان: لا خلاف أن الإمام يزوجها إذا دعت 33 في الضرر 34 ونحوه في الطراز وصوب؛ إذ لا فرق بين كون الأب أسيرًا أو بعيد الغيبة، لكن ذكر غير واحد أن 35 المشهور كما 36 قدمناه.
قوله: (كَذِي رِقٍّ، وَصِغَرٍ، وَعَتَهٍ، وَأُنُوثَةٍ) يريد أنَّ الأقرب إذا كان فيه وصف من هذه الأوصاف الأربعة، فإن الولاية تنتقل عنه إلى الأبعد، ولا فرق بين أن يكون كامل الرق أو مبعضًا 37 وإن قلَّ جزء رقه، فإن عقد الرقيق النكاح فسخ أبدًا وإن ولدت الأولاد بتطليقة، قاله مالك 38، والمعتوه هو الضعيف العقل، وليس له أن يلي عقد نكاح وليته كالصغير.
وأمَّا المرأة فليس لها ذلك من جهة الزوجة 39، نعم يجوز أن تليه من جهة الزوج، كما إذا زوجت عبدها أو من كان في ولاية 40 إيصائها على المشهور، وهو قول ابن القاسم 41، وقيل: لا يقبل له 42 حكاه عبد الوهاب 43.
قوله: (لا فِسْقٍ وَسَلَبَ الْكَمَالَ) يريد أن الفاسق لا تنتقل عنه الولاية إلى غيره؛ لأنَّ
الجزء: 2 - الصفحة: 567
الفسق إنما يسلب كمال الولاية.
ابن شاس: وقيل: يسلبها 44. وحكى اللخمي عن ابن القصار: جواز 45 ولايته.
وعن عبد الوهاب: كراهتها مع وجود العدل 46، وحكى ابن بشير عنه قولين في صحة الولاية 47.
قوله: (وَوَكَّلَتْ مَالِكَةٌ، وَوَصِيَّةٌ، وَمُعْتِقَةٌ) يعني 48 أنَّ المرأة وإن سقط حقها من 49 تولية عقد النكاح فلا يسقط حقها من 50 تفويض ذلك إلى غيرها من الرجال؛ فتوكل من يزوج أمتها القن والمعتقة ومن هي في إيصائها، وأشار بقوله: (وَإِنْ أَجْنَبِيًّا) إلى أن لها أن توكل وليها أو غيره من الأجانب، وصوب ابن عبد السلام في المعتقة 51 أن الولاية لأوليائها دون من تقدمه هي في حياتها ودون ولدها بعد مماتها 52.
قوله: (كَعَبْدٍ أُوصِيَ، وَمُكَاتَبٍ فِي أَمَةٍ طَلَبَ فَضْلًا وَإِنْ كَرِهَ سَيِّدُهُ) هو ظاهر من قوله في المدونة: والعبد 53 إذا استخلفه حُرٌّ على البضع فليوكل غيره على العقد 54، وللمكاتب إنكاح 55 إمائه على ابتغاء الفضل وإن كره سيده، ولكن يلي العقد غيره 56 بأمره 57، ولا يجوز على غير ابتغاء الفضل إذا رده السيد إلا أن كلامه فيها أتم فائدة بالنسبة إلى المكاتب؛ لأن قوله: ولكن يعقد بأمر سيده، لا يدل عليه كلامه هنا بوجه،
الجزء: 2 - الصفحة: 568
وقوله: ولا يجوز على غير ابتغاء الفضل إذا رده السيد 58، يدل على أن السيد لو رضي ذلك جاز، ولا يؤخذ من كلامه هنا.
قوله: (وَمَنَعَ إِحْرَامٌ مِنْ أَحَدِ الثَّلاثَةِ) يريد أن الإحرام إذا كان 59 أحد الثلاثة وهم الزوج والزوجة والولي متلبسًا به فإنه يمنع من صحة عقد النكاح، وسواء كان إحرامه 60 بعمرة أو حج، وإلى هذا 61 ذهب الجمهور من الصحابة ومن بعدهم، وهو مذهب مالك والشافعي، وقيل: لا يمنع، وهو مذهب أبي حنيفة وجماعة 62.
قوله: (كَكُفْرٍ لِمُسْلِمَةٍ) أي: وكذلك كفر ولي 63 المسلمة يسلب ولايته عنها 64 , ويمنع صحة إنكاحه لها، وقيل: إن كان كافرًا من أهل الجزية فله الولاء 65 عليها وإلا فلا كالمرتد والحربي، حكاه ابن الحاجب 66، وأنكر وجوده غير واحد من الأشياخ وأثبته بعضهم.
وأشار بقوله: (وَعَكْسِهِ 67) إلى أن الحكم الذي تقدم موجود في عكس المسألة 68 السابقة، وهو أن يكون الوليُّ مسلمًا والمرأة كافرة، وهو المشهور، وقيل: له الولاية عليها.
وقال ابن وهب: يزوجها من مسلم لا كافر 69. وقال ابن حبيب: يزوجها من نصراني إذا لم تكن من نساء أهل الجزية 70. وحصل في البيان فيها ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث بين أن تكون من أهل الصلح فلا ولاية للمسلم عليها وإلا كان
الجزء: 2 - الصفحة: 569
له ذلك.
وذهب ابن لبابة إلى أنه لا خلاف في المسألة، وأن الأقوال ترجع إلى أنها إن كانت عليها جزية فلا يزوجها المسلم، كانت من أهل الصلح أم لا، وإن لم يكن عليها جزية زوجها (1)، ويحمل (2) القول الأول على أنه أراد مولاته التي أعتقها وهو نصراني، والقول الثاني على أنهما معتقان (3) لمسلم، وإلى هذا التوافق (4) أشار بقوله: (5) (مِنْ غَيْرِ نِسَاءِ الْجِزْيَةِ)، ومعنى قوله: (إِلا لأَمَةٍ وَمُعْتَقَةٍ) أي (6) أن المسلم إذا كان له أمة كافرة أو أمة (7) معتقة كافرة فإنه يجوز له أن يزوجها، ولا يسقط حقه في (8) ذلك وهو المشهور، وقال أبو مصعب (9): ليس له ذلك في الأمة، وهي (10) في السليمانية.
اللخمي: وعليه لا يزوج معتقته (11) النصرانية (12).
(المتن)
وَزَوَّجَ الْكَافِرُ لِمُسْلِمٍ.
فَإِنْ عَقَدَ مُسْلِمٌ لِكَافِرٍ تُرِكَ.
وَعَقَدَ السَّفِيهُ ذُو الرَّأْيِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، وَصَحَّ تَوْكِيلُ زوْجٍ الْجَمِيعَ؛ لَا وَلِيٍّ إِلَّا كَهُوَ، وَعَلَيْهِ الإِجَابَةُ لِكُفُؤ، وَكُفْؤُهَا أَوْلَى فَيَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ، ثُمَّ زَوَّجَ.
وَلَا يَعْضُلُ أَبٌ بِكْرًا بِرَدٍّ مُتَكَرِّرٍ حَتَّى يُتَحَقَّقَ.
وَإِنْ وَكَّلَتْهُ مِمَّنْ أَحَبَّ عَيَّنَ، وَإِلَّا فَلَهَا الإِجَازَةُ، وَلَوْ بَعُدَ لَا الْعَكْسُ.
وَلابْنِ عَمٍّ وَنَحْوِهِ إِنْ عَيَّنَ تَزْوِيجُهَا مِنْ نَفْسِهِ؛ بِتَزَوَّجْتُكِ بِكَذَا وَتَرْضَى.
وَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ.