قوله: (وَفِي شُفْرَيِ الْمَرْأَةِ إِنْ بَدَا الْعَظْمُ) هكذا نص عليه مطرف وابن الماجشون، ابن حبيب: وهو أعظم مصيبة عليها من ذهاب ثدييها وعينها 1، والشُّفران بضم الشين وسكون الفاء، قاله الجوهري، وشُفر الرحم وشافرها حروفها 2. قوله: (وَفي ثَدْيَيْهَا، أَوْ حَلَمَتَيْهَا إِنْ بَطَلَ اللَّبَنُ) أما 3 إذا قطعتا من أصلهما فلا كلام في وجوب الدية، وأما إذا قطع حلمتيهما -بفتح الحاء واللام وهي رأسهما 4 - فلا تجب إلا إذا بطل اللبن منهما، وقال عبد الملك: تجب مطلقًا 5، وفي المدونة: إذا فسد منهما مخرج اللبن ففيه الدية 6، وعن مالك أن الدية تجب بإبطال اللبن، وإن لم ينقطع منهما شيء 7. قوله: (وَاسْتُؤْنِيَ بِالصَّغِيرَةِ) يريد: أن الحكم المتقدم إنما هو بالنسبة إلى الكبيرة التي يتبين عدم عود منفعتهما من اللبن، فأما الصغيرة فالحكم وقف العقل وميراثه، كما في سن الصغير 8 وإليه أشار بقوله: (وسِنِّ الصَّغِيرِ لَمْ يُثْغِرْ لِلإِيَاسِ كَالْقَوَدِ، وَإِلَّا انْتُظِرَ سَنَةٌ) أي: وهكذا يفعل في الصغير الذي لم يثغر إذا قلعت سنُّه فلا تؤخذ الدية في الخطأ ولا يقتص في العمد حتى يُيأس من ذلك، أعني من نباتها 9.
الجزء: 5 - الصفحة: 276
قوله: (وَسَقَطَ إِنْ عَادَتْ) أي: وسقط القصاص أو الدية إن عادت سن الصغير لهيئتها، ويرد ما كان موقوفًا من العقل إلى الجاني.
قوله: (وَوُرِثَا إِنْ مَاتَ) فإن مات الصبي قبل نبات سنه فإن ورثته يستحقون ما كان له من عقل أو قَوَد.
قوله: (وَفِي عَوْدِ السِّنِّ أَصْغَرَ بِحِسَابِهَا) أي: فإن عادت أصغر من الأولى فإن الجاني يغرم بحساب ما نقص منها، يريد: في الخطأ والعمد، وقيده اللخمي وغيره في العمد بما إذا عاد ما فيه نفع، وإلا فإنه يقتص له.
قوله: (وَجُرِّبَ الْعَقْلُ بِالْخَلَوَاتِ) أي: لأنه في الغالب لا يعرف إلا بذلك؛ إذ هي أجمع ما يكون فيه العقل بخلاف غيرها.
قوله: (وَالسَّمْعُ بِأَنْ يُصَاحَ مِنْ أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ، مَعَ سَدِّ الصَّحِيحَةِ، ونُسِبَ لِسَمْعِهِ الآخَرِ) يعني: ويجرب السممع بأن يصاح من الجهات المختلفات بعد أن تسد الصحيحة، فإذا لم يختلف كلامه سدت الناقصة، ويصاح به ثم ينظر بين الصحيحة والمصابة، وينسب ذلك إلى الدية ويأخذ ما ينوبه منها، وهذا إذا كانت إحدى أذنيه صحيحة، فإن أصيب فيهما معًا أوكان لا يسمع بأحدهما وأصيب في الباقية فقد أشار بقوله: (وَإِلَّا فَسَمْعٌ وَسَطٌ).
قوله: (وَلَهُ نِسْبَتُهُ) أي: نسبة سمعه الناقص إلى سمع وسط، ويأخذ نسبة ما نقص عنه من الدية، ثم أشار إلى 10 أن ذلك مشروط بأمرين:
الأول: أن يحلف المجني عليه على ذلك، وقد نص عليه مالك وابن القاسم وأشهب في غير المدونة، وفيه خلاف.
الثاني: ألا يختلف قوله في ذلك، أو يختلف اختلافًا متقاربًا، وإلى هذا أشار بقوله: (إِنْ حَلَفَ، وَلَمْ يَخْتِلَفْ قَوْلُهُ) ثم قال: (وَإِلَّا فَهَدَرٌ) أي: فإن اختلف اختلافًا متفاحشًا فلا شيء له؛ لأن ذلك يدل على كذبه.
وقال عيسى ابن دينار: له الأقل مع يمينه، = الدية في الخطأ والقصاص في العمد.
انتهى.
أي: وهكذا لا يعجل في سنِّ الصغير الذي لم يثغر إذا قلعت فيأخذ الدية في الخطأ والقصاص في العمد، بل يستأنى بذلك إلى أن ييأس من نباتها كالقود وإلا انتظر سنة).
الجزء: 5 - الصفحة: 277
والأول قول مالك وأصحابه 11.
قوله: (والْبَصَرُ بِإِغْلاقِ الصَّحِيحَةِ كَذَلِكَ) أي: يفعل فيه ما يفعل في السمع بأن يغلق الصحيحة ويعرف ما ينظر بالمصابة بعد أن تبدل عليه الأماكن، ثم تسد المصابة وينظر ما يبصر بالصحيحة، ثم تقاس إحداهما بالأخرى، فإذا عرف مقدار النقص كان له بحسابه، ابن شاس: وإن ادعى أن جميع بصره ذهب صدق مع يمينه، والظالم أحق أن يحمل عليه 12، وقاله في المدونة 13.
قوله: (وَالشَّمُّ بِرَائِحَةٍ حَادَّةٍ) أي: المنفرة للطبع؛ لأنه في الغالب لا يصبر عليها، لا سيما إذا استُدِيم عليه ذلك مقدار ما يختبر فيه، فإذا علمت منه النفرة أو القرينة الدالة على كذبه، أو ظهر من حاله ما يدل على صدقه، حمل على ذلك.
قوله: (والنُّطْقُ بالْكَلامِ اجْتِهَادًا) أي: ويجرب النطق بكلام المجني عليه باجتهاد أهل المعرفة في ذلك ونحوه في المدونة 14، فإن قالوا ذهب منه نصفه أو ثلثه أو ربعه أعطي بمقدار ذلك، قال 15 في العتبية: وإن قالوا: لا ندري أذهب الربع أم الثلث، أعطي الثلث، والظالم أحق أن يحمل عليه 16، ولأصبغ: أن الدية تُجَزَّأ على ثمانية وعشرين جزءًا عدد الحروف، ثم يقال له: انطق بالحروف فما عجز عنه أعطي بحسابه 17، ورد بأن الهاء والحاء والميم لا حظَّ للسان فيهن.
قوله: (وَالذَّوْقُ بِالْمَقِرِّ) المقر بفتح الميم وكسر القاف، وهو الشديد المرورة، والمقر أيضًا الصبر، ومراده أن الذوق يعرف بالأشياء الحادة 18 الشديدة المرورة.
قوله: (وصُدِّقَ مُدَّعِي ذَهَابِ الْجَمِيعِ بِيَمِينٍ) أي: في جميع الصور 19 ولم يذكره في
الجزء: 5 - الصفحة: 278
الجواهر إلا في البصر خاصة (1)، ولا فرق.
قوله: (وَالضَّعِيفُ مِنْ عَيْنٍ وَرِجْلٍ وَنَحْوِهِمَا خِلْقَةً كَغَيْرِهِ) (نحوهما) أي اليد والأذن، و (خلقة) أي: خلقة ضعيفة أو حصل فيها أمر سماوي أضعفها فحكمها كالصحيحة في وجوب الدية.
(المتن)
وَكَذَلِكَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهَا إِنْ لَمْ يَأْخُذْ لَهَا عَقْلًا، وَفِي لِسَانِ النَّاطِقِ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعِ النُّطْقَ مَا قَطَعَهُ فَحُكُومَةٌ، كَلِسَانِ الأَخْرَسِ، وَالْيَدِ الشَّلَّاءِ، أَوْ السَّاعِدِ، وَأَلْيَتَيِ الْمَرْأَةِ، وَسِنٍّ مُضْطَرِبَةٍ جِدًّا، وَعَسِيبِ ذَكَرٍ بَعْدَ الْحَشَفَةِ، وَحَاجِبٍ، أَوْ هُدْبٍ وَظُفْرٍ، وَفِيهِ الْقِصَاصُ.
وَإِفْضَاءٍ، وَلَا يَنْدَرِجُ تَحْتَ مَهْرٍ، بِخِلَافِ الْبَكَارَةِ إِلَّا بِأُصْبُعِهِ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عُشْرٌ، وَالأَنْمُلَةِ ثُلُثُهُ، إِلَّا فِي الإِبْهَامِ؛ فَنِصْفُهُ، وَفِي الأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ الْقَوِيَّةِ عُشْرٌ إِنِ انْفَرَدَتْ، وَفِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ؛ وَإِنْ سَوْدَاءَ بِقَلْعٍ أَوِ اسْوِدَادٍ، أَوْ بِهِمَا، أَوْ بِحُمْرَةٍ أَوْ بِصُفْرَةٍ؛ إِنْ كَانَا عُرْفًا كَالسَّوَادِ، أَوْ بِاضْطِرَابِهَا جِدًّا، وَإِنْ ثَبَتَتْ لِكَبِيرٍ قَبْلَ أَخْذِ عَقْلِهَا أَخَذَهُ كَالْجِرَاحَاتِ الأَرْبَعَةِ، وَرُدَّ فِي عَوْدِ الْبَصَرِ وَقُوَّةِ الْجِمَاعِ، وَمَنْفَعَةِ اللَّبَنِ، وَفِي الأُذُنِ إِنْ ثَبَتَتْ تَأْوِيلَانِ.