قوله: (وَتَعَيَّنَ مَحَلٌّ اعْتِيدَ) أي: إذا نذر المشي من بلد أو حلف به فلا يتعين عليه أن يمشي من موضع خاص منه إلا أن تكون عادة الناس جارية بالمشي منه فيتعين المشي1234567
الجزء: 2 - الصفحة: 431
منه 8، وهذا إن لم تكن له نية كما تقدم وإلا فمن الموضع الذي نوى المشي منه.
قوله: (وَرَكِبَ فِي الْمَنْهَلِ، وَلِحَاجَةٍ) هكذا قال في المدونة، وعن مالك: أنه لا يركب في ذلك، وأنه إن ركب استحب له أن يهدي 9.
قوله: (كَطَرِيقٍ قُرْبَى اعْتِيدَتْ) أي: وكذلك له أن يمشي في الطريق الأقرب، وهكذا في الموازية 10، وقيده الباجي بأن تكون كلها معتادة كما هنا، ولهذا لو لم تكن معتادة لم يكن له المشي منها 11.
قوله: (وَبَحْرٍ اضْطُرَّ لَهُ لَا اعْتِيدَ عَلى الْأَرْجَحِ 12) أي: وكذلك يجوز له أن يركب بحرًا اضطر إلى ركوبه، كمن هو 13 ساكن في جزيرة لا يمكنه 14 المرور من مكانه إلا في السفن ثم يمشي بعد ذلك ما بقي، وهذا مما لا إشكال فيه.
ابن يونس: وسئل أبو بكر بن عبد الرحمن عمن حلف بالمشي إلى مكة وهو بصقلية فحنث، هل يمشي من أقرب بر إليها أو من الإسكندرية؛ لأن عادتهم في السير إلى الحجاز إنما هو منها، فقال: إنما عليه المشي من الإسكندرية، لأن غالب فعلهم إذا أرادوا الحج إنما ينزلون بالإسكندرية، وأما بر إفريقية فإنما 15 يأتون إليه على طريق التجارة 16.
وقال أبو عمران: بل 17 يلزمه المشي من بر إفريقية، لأنه أقرب بر إليها.
ابن يونس: وهو أبين 18.
وإليه أشار بقوله: (لا اعْتِيدَ عَلى الأَرْجَحِ).
الجزء: 2 - الصفحة: 432
قوله: (لِتَمَامِ الإِفَاضَةِ وَسَعْيِهَا) يريد أن غاية المشي تمام الإفاضة إن دخل مكة محرمًا بحج، وإن دخل محرمًا بعمرة فلتمام سعيها، وإليه يعود الضمير، وإنما لم يجعل الحلق منتهى مشيه فيها؛ لأنه ليس بركن، ولا خلاف في ذلك بالنسبة إلى العمرة، وأما ما ذكره بالنسبة إلى الحج فهو مذهب المدونة، قال فيها: وله أن يركب في رجوعه من مكة إلى منى، وفي رمي الجمار بمنى 19، وإن أخر طواف الإفاضة فلا يركب في رمي الجمار 20، وقال ابن حبيب: يمشي في رمي الجمار وإن كان قد أفاض 21.
قوله: (وَرَجَعَ وَأَهْدَى إِنْ رَكِبَ كَثِيرًا) يريد أن من لزمه المشي فركب فيه 22 كثيرًا فإنه يرجع ويمشي أماكن ركوبه وعليه هدي.
قوله: (بِحَسَبِ مَسَافتِهِ) أي: بحسب قرب المسافة وبعدها فقد يكون مشي 23 يسيرًا 24 في النظر، كَما لو ركب دون يوم لكن لقرب المسافة يكون كثيرًا، وقد يكون بالعكس، كمن مشى من إفريقية ونحوها، فركب فوق اليومين، وقيل: إنه يرجع في ركوبه أقل من يوم، وقيل: اليوم والليلة قليل على ما في المدونة 25، والعتبية قَرُب المكان أو بَعُد ويهدي، وقيل: لا هدي عليه 26.
قوله: (أَوِ الْمَنَاسِكَ وَالإِفَاضَةَ) أي: وكذا يرجع ويهدي إذا ركب المناسك والإفاضة فألحقه بالكثير وإن كان يسيرًا؛ لأن هذه الأفعال لما كانت مقصودة أشبهت الكثير، ونحوه في المدونة 27، لكن الهدي مستحبّ بخلاف الأول.
قوله: (نَحْوُ الْمِصْرِيِّ) أي: ومن هو دونه بخلاف من بعدت داره كإفريقية.
قوله: (قَابِلًا فيمْشِي مَا رَكِبَ) يريد: أن من أمر بالرجوع فإنما ذلك في العام القابل،
الجزء: 2 - الصفحة: 433
فيرجع فيمشي في حج أو عمرة الأماكن التي ركبها أولًا.
قوله: (فِي مِثْلِ الْمُعَيَّنِ) أي: فيرجع محرمًا بما كان محرمًا 28 به أولًا، فإن أحرم ثانيًا بعمرة وقد كان أولًا محرمًا بحج لم يجزئه بلا خلاف، ولا يجزئه 29 ذلك في العكس على مذهب المدونة 30؛ لما بينهما من التغاير، وقال ابن حبيب: يجزئه 31.
قوله: (وَإِلا فَلَهُ الْمُخَالَفَةُ) أي: فإن لم يعين أولًا وإنما نذر مشيًا 32 مطلقًا ولم يسمِّ حجًّا ولا عمرة ثم مشى محرمًا بأحدهما فعجز، فإن له جعل 33 مشيه الثاني في غير ما كان الأول من حج أو عمرة، وهو مراده بالمخالفة، وهو مذهب المدونة 34، وقال عبد الملك: له ذلك ما لم يكن ركوبه في الحج في المناسك، فإن عجز في خروجه لمعرفة وطواف الإفاضة لم يكن له جعل مشيه الثاني في عمرة 35.
قوله: (إنْ ظَنّ أَوَّلًا الْقُدْرَةَ، وَإِلا مَشَى مَقْدُورَهُ وَرَكِبَ وَأَهْدَى فَقَطْ) هو كقوله في المدونة: قال ابن القاسم عن مالك: ولو علم في الثانية أنه لا يقدر على تمام المشي قعد وأهدى كانت حجة أو عمرة قال: ولو علم أول خروجه أنه لا يقدر أن يمشي كل الطريق في ترداده إلى مكة مرتين لضعفه أو بُعد بلده، فلا بد أن يخرج أول مرة ولو 36 راكبًا 37 ويمشي ولو نصف ميل ثم يركب ويهدي ولا شيء عليه بعد ذلك 38؛ أي: ولا يُلزَم برجوع وهو مراده بقوله هنا: (وأهدى فقط).
قوله: (كَأنْ قَلَّ وَلَوْ قَادِرًا) أي: وكذا لا يؤمر بالعود ثانيًا إذا كان ركوبه قليلًا
الجزء: 2 - الصفحة: 434
للحرج مع يسارة الركوب ولزمه الهدي فقط لما ترك 39 من المشي، ولا فرق بين أن يكون ركب 40 مختارًا أو عاجزًا، ولهذا قال: (وَلَوْ قَادِرًا) وقاله ابن المواز، وقال ابن حبيب: إذا ركب مع القدرة على المشي يرجع ثانيًا، وحكاه عن بعض أصحاب مالك 41.
قوله: (كَالإِفَاضَةِ فَقَطْ) أي: وكذا لا يرجع ثانيًا إذا ركب في الإفاضة ويهدي، وهو مذهب المدونة 42.
قوله: (وَكَعَامٍ عُيِّنَ، وَلْيَقْضِهِ) كما إذا قال: لله عليَّ المشي 43 إلى مكة في هذا العام أو عام 44 كذا وكذا، فإنه إذا ركب في ذلك العام لا يرجع ثانيًا ويهدي، بخلاف ما إذا كان العام غير معين، ولكنه يقضي ما فاته من حج أو عمرة.
قوله: (أَوْ لَمْ يَقْدِرْ) أي: وكذا لا يرجع إذا علم أنه لا يقدر على الرجوع ثانيًا ويهدي، وهو مذهب المدونة 45، وكذا لا يرجع إذا بعدت داره جدًّا كالإفريقي، ولهذا قال: (وَكَإِفْرِيقِيٍّ) وأشار بقوله: (وَكَإِنْ فَرَّقَهُ وَلَوْ بِلا عُذْرٍ) إلى أن من فرق مشيه بأن مشى على غير العادة، كمن يقيم في الطريق إقامة طويلة ثم يمشي ثم يقيم هكذا، ولا إشكال أن ذلك يجزئ مع الضرورة، واختلف إن فعله اختيارًا، ففي المدونة: يجزئه، وفي الواضحة: لا يجزئه 46، وهما روايتان.
قوله: (وَفِي لُزُومِ الْجَمِيعِ بِمَشْيِ عَقَبَةٍ وَرُكُوبِ أُخْرَى تَأْوِيلانِ) يريد أنه اختلف إذا مشى عقبة -أي: مرحلة- وركب أخرى، هل يلزمه ثانيًا أن يمشي الطريق كلها أو يمشي مواضع ركوبه فقط؟ والأول قول مالك في الموازية، والثاني في الواضحة 47،
الجزء: 2 - الصفحة: 435
وهو ظاهر المدونة؛ لقوله فيها: وعرف أماكن ركوبه من الأرض ثم يعود ثانية فيمشي أماكن ركوبه (1). الشيخ: وقد يقال ما في الموازية (2) ليس بخلاف، وإنما أمره مالك بمشي الطريق كله؛ لأنه لا يتحقق بطريق العادة ضبط مواضع مشيه من ركوبه لا سيما إذا كان الموضع بعيدًا.
(المتن)
وَالْهَدْيُ وَاجِبٌ إِلَّا فِي مَنْ شَهِدَ الْمَنَاسِكَ فَنَدْبٌ، وَلَوْ مَشَى الْجَمِيعَ وَلَوْ أَفْسَدَ أَتَمَّهُ وَمَشَى فِي قَضَائِهِ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَإِنْ فَاتَهُ جَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ وَرَكِبَ فِي قَضَائِهِ، وَإِنْ حَجَّ نَاوِيًا نَذْرَهُ وَفَرْضَهُ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا أَجْزَأَ عَنِ النَّذْرِ، وَهَلْ إِنْ لَمْ يَنْذرْ حَجًّا؟ تَأْوِيلَانِ.