قوله: (وَهَلْ يَضْمَنُ شَاكِيهِ لِمُغَرِّمِ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الرَّسُولِ إِنْ ظَلَمَ أَوِ الجمِيعَ أَوْ لا؟ أَقْوَالٌ) ابن يونس فيمن تعدى على رجل وقدمه للسلطان، وهو يعلم أنه إذا قدمه إليه 2 تجاوز في ظلمه فأغرمه ما لا يجب عليه، اختلف في تضمينه، فقال كثير منهم: عليه الأدب، وقد أثم ولا غرم عليه 3، وكان 4 بعض شيوخنا: يفتي أنه 5 إن كان الشاكي ظالمًا في شكواه يضمن ما أغرمه بغير حق، وإن كان مظلومًا ولم يقدر أن ينتصف ممن ظلمه إلا بالسلطان فلا شيء على الشاكي، لأن الناس يلجؤون من المظلمة 6 إلى السلطان 7 وكذلك ما أغرمه الرسول 8 للمشكو، وهو مثل ما أغرمه السلطان يفرق فيه بين ظلم الشاكي وعدم ظلمه، كان بعض أصحابنا يفتي بأن ينظر القدر الذي لو استأجر الشاكي رجلًا إلى المسير في إحضار المشكو به فذلك على1
الجزء: 4 - الصفحة: 401
الشاكي على كل حال، وما زاد على ذلك مما أغرمه الرسول 9 فيفرق فيه بين الظالم والمظلوم حسبما تقدم.
قوله: (وَهَلْ يَضْمَنُ شَاكِيهِ 10 ... إلي آخره 11، إشارة إلى ما أفتى به بعض 12 الأصحاب 13.
قوله: (أَوِ الجمِيعَ) إشارة إلى ما كان يفتي به بعض الشيوخ أنه يضمن له جميع ما أغرمه له بغير حق.
قوله: (أَوْ لا) أي: أو لا ضمان عليه وهو إشارة إلي قول من قال بالأدب فقط.
قوله: (وَمَلَكَهُ إِنِ اشْتَرَاهُ، وَلَوْ غَابَ) يريد: أن من غصب شيئًا ثم اشتراه من ربه فإنه يملكه بذلك، وسواء كان ذلك الشيء حاضرًا أو ادعي الغاصب غيبته، وكذلك إذا حكم على الغاصب بغرم القيمة لعدم وجود المغصوب كالعبد يدعي أنه أبق أو ضلت الدابة أو شبه ذلك فإنه أيضا يملكه إن 14 لم يتبين كذبه بأن يكون أظهر خلاف ما في نفس الأمر، وإلى هذا أشار بقوله: (أَو 15 غَرِمَ قِيمَتَهُ إِنْ لَمْ يُمَوِّهْ) أي: فإن موه فإن لربه الرجوع، وله أن يبقي على أخذ القيمة، وقيل: له الرجوع، وإن لم يموه، والمشهور لا رجوع له مع عدم التمويه، قال في المدونة: إلا أن يظهر أفضل من تلك الصفة بأمر بين، فلربها الرجوع بتمام القيمة، وكأن الغاصب لزمته القيمة فجحد بعضها 16، وقاله أشهب 17، وإليه أشار بقوله: (وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِفَضْلَةِ أَخْفَاهَا) أشهب 18: ومن قال: إن
الجزء: 4 - الصفحة: 402
أخذ السلعة فقد أخطأ 19.
وحكى اللخمي عن ابن القاسم أن للمغصوب منه ردّ 20 القيمة وأخذ السلعة إذا ظهر أن صفتها على خلاف ما حلف 21 عليه 22، وفي ابن يونس عن بعضهم ينبغي إذا أقر الغاصب بغير ما غصب كقوله: "غصبت عبدًا" فيقول 23 المغصوب منه بل جارية، ثم تبين أنه جارية أن يرجع فيها كمن أخفي ذلك إذا لم يغرم من قيمة الصفة شيئًا بخلاف ما إذا اتفقا على العبد واختلفا في صفته.
قوله: (وَالْقَوْلُ لَهُ في تَلَفِهِ وَنَعْتِهِ وَقَدْرِهِ) يريد: أن الغاصب إذا ادعي تلف المغصوب وأنكر ذلك ربه فإن الغاصب يصدق، وكذلك إذا اختلفا في قدره أو نعته، أي: في صفته فإنه يصدق لأنه غارم، يريد: مع يمينه وهو مقيد بما إذا أتى بما يشبه، فإن أتى بما لا يشبه صدق المغصوب منه مع يمينه، قاله في المدونة 24 والعتبية، وقال أشهب: القول قول الغاصب مع يمينه وإن أتى بما لا يشبه مثل أن يقول: هي بكماء صماء 25.
قوله: (وَحَلَفَ) أي: الغاصب في دعوى التلف والقدر والصفة، وقاله في المدونة 26، وقد تقدم 27.
قوله 28: (كَمُشْتَرٍ مِنْهُ) أي: كما يحلف من اشترى المتاع المغصوب من الغاصب إذا قام عليه ربه فادعى 29 أنه تلف أو نحو ذلك وقاله في العتبية.
الجزء: 4 - الصفحة: 403
قوله: (ثُم غَرِمَ لآخِرِ رُؤْيَةٍ 30) هكذا حكي ابن يونس عن غيره، فقال: الأشبه إذا رؤي الثوب عنده بعد شهر من يوم اشترائه 31 وادعى ضياعه أنه إنما يضمن قيمته يوم رؤي.
قوله: (وَلرَبِّهِ إمْضَاءُ بَيْعِهِ) يريد: أن لرب المغصوب إمضاء بيع غاصبه لأن حاصله أنه بيع فضولي، وقد نص على جواز إمضاء بيعه في المدونة 32.
قوله: (وَنَقْضُ عِتْقِ الْمُشْتَرِي وَإِجَازَتُهُ) أي: ولرب الجارية أو العبد نقض عتق المشتري وإجازته 33، قال في المدونة: ومن غصب أمة فباعها ثم علم 34 ربها، وقد أعتقها المبتاع فلربها أخذها ونقض عتق المشتري وله أن يجيز البيع، ويتم العتق بالعقد الأول 35.
قوله 36 (وَضَمِنَ مُشْتَرٍ لَم يَعْلَمْ فِي عَمْدٍ) يريد: أن المشتري من الغاصب إذا لم يعلم بالغصب يضمن المغصوب إذا تعمد تلفه كالطعام يأكله والثوب يلبسه والدار يهدمها ونحو ذلك فيغرم قيمة المقوم، ومثل المثلي يوم وضع يده عبي ذلك، لأنه لا علم عنده بالغصب أما لو علم، فإن حكمه في ذلك حكم الغاصب.
قوله: (لا سَمَاوِيٍّ 37) أي: فإن هلك المغصوب بأمر من الله تعالى وهو المراد بالسماوي فلا ضمان على المشتري فيه، قال في البيان باتفاق.
قوله: (وَغَلَّةٍ) أي: وكذلك لا شيء على المشتري غير العالم بالغصب في شيء من الغلة.
قوله: (وَهَلِ الخطَأُ كَالْعَمْدِ؟ تَأْوِيلانِ) يريد: أنه اختلف فيما إذا جنى المشتري
الجزء: 4 - الصفحة: 404
على ذلك خطأ هل يلحق بالعمد، وإليه ذهب أشهب في المجموعة 38 أو بالسماوي، وإليه ذهب ابن القاسم في العتبية، وجعله في البيان تفسيرًا لما في المدونة 39، وقال أبو الحسن الصغير: ظاهرها مساواة العمد والخطأ.
ابن عبد السلام: وربما تأول على المدونة، وإليهما 40 أشار بالتأويلين، وقول 41 أشهب هو القياس، لأن الخطأ كالعمد في أموال الناس.
قوله: (وَوارِثُهُ وَمَوْهُوبُهُ إِنْ عَلِما كَهُوَ) أي: قوله كهو أي الغاصب في لزوم الغلات والضمان وغير ذلك 42 يريد: أن وارث الغاصب ومن وهب 43 ذلك الشيء المغصوب يتنزلان منزلة الغاصب 44 إن علما بالغصب فيتبع المغصوب منه الغاصب أو الواهب إن شاء، وإن شاء اتبع الموهوب له 45، ويرجع على الوارث والموهوب له بالغلة لأنهما لما 46 علما خوطبا بالرد، فلما 47 لم يفعلا ترتب عليهما بسبب ذلك حكم التعدي.
قوله: (وَإِلا بُدِئَ بِالْغَاصِب) أي: وإن لم يعلم الموهوب له بالغصب بدئ بالغاصب، لأنه المسلط له على المَال فيرجع عليه بقيمة الموهوب وغلته، وهذا هو المشهور، وقاله ابن القاسم في المدونة 48، وفي كتاب الاستحقاق منها أنه يرجع أولًا على الموهوب له لأنه الذي باشر الإتلاف 49. ابن رشد: فإن وجده عديمًا رجع على الغاصب 50، ولأشهب ثالث أنه 51 يرجع على أيهما شاء.
الجزء: 4 - الصفحة: 405
(المتن)
وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِغَلَّةِ مَوْهُوبِهِ، فَإِنْ أَعْسَرَ فَعَلَى الْمَوْهُوبِ، وَلُفِّقَ شَاهِدٌ بِالْغَصْب لآخَرَ عَلَى إِقْرَارِهِ بِالْغَصْبِ، كَشَاهِدٍ بِمِلْكِ لِثَانٍ بِغَصْبِكَ، وَجُعِلْتَ حَائِزًا، لَا مَالِكًا، إِلَّا أَنْ تَحْلِفَ مَعَ شَاهِدِ الْمِلْكِ، وَيَمِينَ الْقَضَاءِ.
وَإِنِ ادَّعَتِ اسْتِكْرَاهًا عَلَى غَيْرِ لائِقٍ بِلا تَعَلُّقٍ حُدَّتْ لَهُ، وَالْمُتَعَدِّي جَانٍ عَلَى بَعْضٍ غَالِبًا، فَإنْ أَفَاتَ الْمَقْصُودَ: كَقَطْعِ ذَنَبِ دَابَّةِ ذِي هَيْئَةٍ، أَوْ أُذُنِهَا، أَوْ طَيْلَسَانِهِ، أَوْ لَبَنِ شَاةٍ هُوَ الْمَقْصُودُ، أَوْ قَلْعِ عَيْنَي عَندٍ أَوْ يَدَيْهِ فَلَهُ أَخْذُهُ وَنَقْصُهُ، أَوْ قِيمَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُفِتْهُ فَنَقْصُهُ كَلَبَنِ بَقَرَةٍ، أَوْ يَدِ عَبْدٍ أَوْ عَيْنِهِ.
وَعَتَقَ عَلَيْهِ إِنْ قُوِّمَ، وَلا مَنْعَ لِصَاحِبهِ فِي الْفَاحِشِ عَلَى الأَرْجَحِ.
وَرَفَا الثَّوْبَ مُطْلَقًا، وَفِي أُجْرَةِ الطَّبِيبِ قَوْلانِ.