قوله: (وَرُكْنُهُ: وَلِيٌّ، وَصَدَاقٌ، وَمَحَلٌّ، وَصِيغَةٌ) أي: ركنُ النكاح.
وذكر أن له أربعة أركان، ونحوه في الجواهر 3، وجعل ابن محرز الوليّ والشهود والصداق شروطًا.
الركن الأوّل: الوليّ: والدليل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232]، والعضل لغة 4: المنع من تزويج المرأة، فلو كان عقدها على نفسها جائزًا لم تكن معضولة بمنع الوليّ، وفي الحديث: "لا تُنكِح المرأةُ المرأةَ ولا المرأةُ نفسَها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها" 5، قال الدارقطني: وهذا حديثٌ 6 حسنٌ صحيحٌ.
وعنه12
الجزء: 2 - الصفحة: 543
عليه الصلاة والسلام: "لا نكاح إلا بولي" 7.
الركن الثاني: الصداق: لقوله - عليه السلام -: "لا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدي عدل" 8 فلا يجوز إسقاطه رأسًا، نعم لا يلزم التنصيص عليه في العمد بل يستوي كونه مذكورًا فيه أو مسكوتًا عنه غير منفي كما في نكاح التفويض، ولا خلاف في اعتباره في النكاح، وإنما الخلاف في قدره.
الركن الثالث: المحل: وهو المرأة الخلية من الموانع التي تقتضي 9 تحريمها بالزوج 10.
والركن الرابع: الصيغة: وهو اللفظ الذي ينعقد به النكاح من 11 الوليّ والزوج 12 أو وكيله، وقد أشار إلى بيان ذلك بقوله: (بِأَنْكَحْتُ وَزَوَّجْتُ) أي: والصيغة من الوليّ تكون بأنكحت وزوجت، ولا خلاف في ذلك.
الباجي: ولا ينعقد النكاح عند المغيرة وابن دينار بغير ذلك 13.
قوله: (وَبِصَدَاقٍ وَهَبْتُ) أي: وينعقد بوهبتُ مع تسمية صداق، وهكذا روى ابن حبيب 14 عن مالك، وحكاه القاضي أبو محمَّد ابن رشد، واضطرب فيه قول مالك 15،
الجزء: 2 - الصفحة: 544
واختلف هل ينعقد بكل لفظ 16 يقتضي التمليك المؤبد كالبيع ونحوه؟ فحكى عبد الوهاب انعقاده بذلك 17، وهو قول الأكثر خلافًا للمغيرة وابن دينار، ونحوه في المقدمات 18، وإلى هذا أشار بقوله: (وَهَلْ بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي الْبَقَاءَ مُدَّةَ الحَيَاةِ كَبِعْتُ؟ تَرَدُّدٌ) ولا 19 ينعقد بلفظ الإجارة والعارية والرهن والوصية لاقتضاء الأولَيْنِ التوقيت والثالث التوثق دون التمليك 20، وعدم لزوم الرابع.
قوله: (وَكَقَبِلْتُ) هذه الصيغة من جهة 21 الزوج وهي أن يقول: قبلت ونحوه بعد قول الوليّ: أنكحتك أو زوجتك، وإنما أدخل كاف التشبيه بها كلامه تنبيهًا على عدم اختصاص هذه اللفظة بذلك، بل وكذلك: رضيتُ واخترتُ، ونحوهما مما يدلّ على القبول.
قوله: (وَبِزَوِّجْنِي فَيَفْعَلُ) يريد أن الترتيب المتقدم وهو أن يكون كلام الوليّ متقدمًا على كلام الزوج ليس بشرط؛ بل لو بدأ 22 الزوج بذلك ثمَّ أجابه الوليّ بما يقتضي ذلك صحَّ 23.
قوله: (وَلَزِمَ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ) أي: فلو قال الخاطب: لا أرضى، فقد لزمه النكاح، وقاله في الجواهر 24.
قوله: (وَجَبَرَ المَالِكُ أَمَةً وَعَبْدًا بِلا إِضْرَارٍ) لما كان الوليُّ على ضربين -مجبِر وغير مجبِر- شرع في بيانه وذكر أنَّ المجبر الأب بها المجنونة والبكر الصغيرة ونحوهما مما 25 سيأتي، والسيد في أمته وعبده، وغير المجبر ما عداهما، فالسيد يجبر أمته
الجزء: 2 - الصفحة: 545
وعبده على النكاح إذا لم يقصد بذلك الإضرار كما إذا زوجهما لمن لا يليق بهما 26 في العادة.
قوله: (لا عَكْسُهُ) أي: فليس للعبد أو الأمة أن يجبر السيد على التزويج إذا طلباه وأبى من ذلك، وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا قصد السيد عدم الإضرار، وإلا فإنَّه يؤمر بالبيع أو التزويج، وفي كتاب محمَّد: أنَّه لا يقضى عليه 27 ولو قصد بذلك الإضرار 28.
قوله: (وَلا مَالِكُ بَعْضٍ) أي: وكذلك المالك للبعض ليس له الجبر على التزويج إذا امتنع منه، وسواء قل الجزء الرقيق أو كثر 29، كان الجزء الآخر لغيره أو حرًّا، نعم إذا اتفق المالكان على الجبر فلهما ذلك.
قوله: (وَلَهُ الْوِلايَةُ وَالرَّدُّ) يريد: أن مالك البعض وإن لم يكن له جبر فله الولاية والرد؛ إذ لا يلزم من نفي الأخص الذي هو الجبر نفي الأعم الذي هو الولاية 30 والرد، بل تبقى له الولاية في الأمة ورد تزويج من تزوج 31 بها 32 ورد نكاح العبد إذا تزوج بغير إذنه.
قوله: (وَالمُخْتَارُ وَلا أُنْثَى 33 بِشَائِبَةٍ وَمُكَاتَبٍ بِخِلافِ مُدَبَّرٍ وَمُعْتَقٍ لأَجَلٍ إِنْ لَمْ يَمْرَضِ السَّيِّدُ وَيَقْرُبِ الأَجَلُ) يريد أن اللخمي يختار في الأنثى التي فيها شائبة من حرية عدم الجبر، وكذلك المكاتب، وفي المدبر والمعتق لأجل الجبر إلا أن يمرض السيد أو يقرب الأجل الذي علق العتق عليه، وقد اختلف هل للسيد جبر من فيه عقد حرية؛ لأنه الآن على الرق، أو لا للشبهة التي لهم 34 من الحرية بالعقد الذي عقد لهم 35، أو له
الجزء: 2 - الصفحة: 546
ذلك فيمن له انتزاع ماله دون غيره كالمكاتب والمدبر إذا مرض السيد وأم الولد والمعتق إلى أجل إذا قرب الأجل، أو له 36 جبر الذكور دون الإناث؟ أربعة أقوال حكاها اللخمي 37.
قوله: (ثُمَّ أَبٌ) قد تقدَّم أن الوليَّ المجبِر هو الأب في ابنته البكر ونحوها والسيد في أمته، وتقدم الكلام على حكم إنكاح 38 السيد، والكلام الآن في حكم إنكاح 39 الأب.
قوله: (وَجَبَرَ المَجْنُونَةَ) يريد: ولو كانت ثَيبًا، وذلك هو النظر لها، وهذا إذا كانت لا تفيق، فإن كانت تفيق أحيانًاا نتظرت إفاقتها 40.
قوله: (وَالْبِكْرَ) لا خلاف في ذلك إذا كانت صغيرة، قاله الباجي، قال: وأما البالغ غير المعنسة فلا يختلف أصحابنا أنَّه يملك عليها الإجبار أيضًا؛ لأنها بكر 41 لا يفتقر عقد نكاحها إلى نطقها مع القدرة عليه فكان له إجبارها كالصغيرة 42.
ابن عبد السلام: وقفت في بعض الفتاوى المنسوبة للسيوري أن الأب لا يجبرها، ومال إليه اللخمي 43، وأشار بقوله: (وَلَوْ عَانِسًا) إلَّا أن الأب يجبر البكر 44 البالغة ولو كانت معنسة، وهي رواية محمَّد عن مالك، وروى ابن وهب عنه أنَّه لا يجبرها 45، وبرواية محمَّد القضاء، وعليها العمل، قاله المتيطي 46.
قوله: (إِلا لِكَخَصِيٍّ عَلَى الأَصَحِّ) يريد أن ما تقدم من أن الأب يجبر البكر مشروط
الجزء: 2 - الصفحة: 547
بعدم الضرر، فأما إذا كان في ذلك ضرر كتزويجها من مجبوب أو خصي أو عنين فلا 47، وقيل: يلزمها ذلك إذا كان على وجه النظر علمت به أم لا.
قوله: (وَالثَّيِّبَ إِنْ صَغُرَتْ) أي: وكذلك يجبر الصغيرة الثيب كما يجبر البكر، وهو قول أشهب في الموازية 48، وقال أبو التمام: لا يجبرها 49. ولسحنون 50: إن بلغت بعد الطلاق لم يجبر 51، وإلا فله الجبر 52.
قوله: (أَوْ بِعَارِضٍ) أي: وكذلك يجبر الأب من أزيلت بكارتها بعارض من عود 53 أو وثبة أو سقطة وما أشبه ذلك من غير جماعٍ.
ابن عبد السلام: ولا أعلم في ذلك خلافًا.
قوله: (أَوْ بِحَرَامٍ) أي: وكذلك يجبر الأب من أزيلت بكارتها بحرام كالزنى والاغتصاب، والقول بإجبارها في الزنى هو مذهب المدونة 54، ولابن الجلاب عدم الجبر 55، وقيل: إن تكرر منها لم تجبر وإلا أجبرت، وهو قول 56 عبد الوهاب 57 التزمه لمخالفه في مجلس المناظرة عند 58 ولي العقد 59، واختلف هل هو تفسير للمدونة أو خلاف؟ وإليه أشار بقوله: (وَهَلْ إِنْ لَمْ تُكَرِّرِ الزِّنَى؟ تَأْوِيلانِ).
الجزء: 2 - الصفحة: 548
(المتن)
لَا بِفَاسِدٍ وَإِنْ سَفِيهَةً وَبِكْرًا رَشَدَتْ أَوْ أَقَامَتْ بِبَيْتِهَا سَنَةً وَأَنْكَرَتْ.
وَجَبَرَ وَصِيٌّ أَمَرَهُ أَبٌ بِهِ، أَوْ عَيَّنَ لَهُ الزَّوْجَ، وَإِلَّا فَخِلافٌ.
وَهُوَ فِي الثَّيِّبِ وَلِيٌّ.
وَصَحَّ إِنْ مُتُّ فَقَدْ زَوَّجْتُ ابْنَتِي بِمَرَضٍ.
وَهَلْ إِنْ قَبِلَ بِقُرْبِ مَوْتِهِ؟ تَأْوِيلانِ.
ثُمَّ لَا جَبْرَ فَالْبَالِغُ، إِلَّا يَتِيمَةً خِيفَ فَسَادُهَا وَبَلَغَتْ عَشْرًا، وَشُووِرَ الْقَاضِي، وَإِلَّا صَحَّ إن دَخَلَ وَطَالَ.
وَقُدِّمَ ابْنٌ، فَابْنُهُ، فَأَبٌ، فَأَخٌ، فَابْنُهُ، فَجَدٌّ، فَعَمٌّ، فَابْنُهُ، وَقُدِّمَ الشَقيقُ عَلَى الأَصَحِّ وَعَلَى الْمُخْتَارِ، فَمَوْلًى، ثُمَّ هَلِ الأَسْفَلُ وَبِهِ فُسِّرَتْ؟ أَؤ لَا؟ وَصُحِّحَ.
فَكَافِلٌ، وَهَلْ إِنْ كَفَلَ عَشْرًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ مَا يُشْفِقُ؟ تَرَدُّدٌ.
وَظاهِرها شَرْطُ الدَّنَاءَةِ،