قوله: (ثُمَّ قَضَى إِنْ أَثْبَتَ عُهْدَةً مُؤَرَّخَةً، وصِحَّةَ الشِّرَاءِ إِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِمَا) أي: ثم قضى الحاكم على البائع الغائب في الوجوه المذكورة إن أثبت البتاع عنده صحة الشراء وصحة ملك البائع 1 إلى حين الشراء وأثبت العهدة.
والمراد بها أنه اشترى على بيع الإسلام وعهدته، أي أنه على حقه في العيب والاستحقاق 2، وليس المراد العهدة المبوب عليها وهكذا وقع في المدونة، وقيده 3 بما إذا لم يرد البتاع أن يحلف على ذلك 4 ولهذا قال: (إِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِمَا) أي على العهدة، وصحة الشراء.
قال في المدونة: وأثبت المبتاع أيضًا أنه قد نقد الثمن وأنه كذا وكذا إن أراد أخذه 5.
ابن رشد: ويثبت أيضًا وجود العيب الذي يوجب الرد وأنه أقدم من أمد التبايع 6.
وإليه أشار بقوله: (مُؤَرَّخَةً) قالوا: ويحلف أيضًا أن البيع صحيح 7 وأن البائع لم يتبرأ من العيب ولم يطلع عليه بعد البيع ورضيه ولا استخدم العبد 8 بعد اطلاعه على العيب.
الجزء: 3 - الصفحة: 617
قوله: (وفَوْتُهُ حِسًّا ككِتَابةٍ وتَدْبِيرٍ) أي ومما يمنع تخيير المبتاع فوت المبيع قبل اطلاعه على العيب حسًّا، كهلاكه، أو حكمًا ككتابة العبد أو تدبيره ومثل ذلك العتق والاستيلاد.
قوله: (فيُقَوَّمُ سَالِمًا ومَعِيبًا، ويُؤْخَذُ مِنَ الثَّمَنِ النَّسْبَةُ) يريد أنا وإن قلنا أن المبتاع ليس له تخيير مع الفوات فإنه لا يبطل حقه رأسًا بل يبقى له أرش العيب القديم فيطالب البائع به وحينئذ فيقوم المبيع سالمًا ثم معيبًا كما قال فيأخذ نسبة العيب من ذلك.
مثاله: أن يقال قيمته سالمًا مائة، وقيمته معيبًا ثمانون فنسبة ما بين القيمتين وهو العشرون الخمس 9. فيرجع المبتاع على البائع بخمس الثمن كيف كان.
قوله: (ووُقِفَ فِي رَهْنِهِ وإِجَارَتهِ لِخلاصِهِ) أي فإن رهن المبيع أو آجره، ثم اطلع على عيبه فإنه لا يرجع بشيء، لكنه إذا انقضت مدة الإجارة والرهن فله رده بالعيب، وقاله في المدونة، وقال أشهب: إن افتكه حين علم بالعيب، فله رده وإلا رجع بما بين الصحة والداء 10.
وقال ابن حبيب: إن كان الأجل قريبًا كالشهر ونحوه أخر إلى انقضائه وهو على أمره، وإن كان بعيدًا كالأشهر والسنة، فهو كالفوت يرجع بقيمة العيب إلا أن يفتكه معجلًا فيرده 11.
قوله: (ورُدَّ إِنْ لَمْ يَتَغَيَّر) أي فإن عاد ذلك من الإجارة والرهن وهو بحاله رده وأخذ الثمن وقاله في المدونة.
قوله: (كعَوْدِهِ لَهُ بِعَيْبٍ بملك مستأنف من بيع أو هبة أو إرث 12 أي: وهكذا له رده إذا خرج من يده ببيع ونحوه، ثم عاد إليه فإن رد عليه بعيب؛ فإنه أيضًا يرده على بائعه، وكذلك أيضًا له رده عليه إذا عاد إليه بملك مستأنف من بيع أو هبة أو إرث كما قال، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة 13، وقال أشهب: إن عاد ببيع خُير بين رده على بائعه
الجزء: 3 - الصفحة: 618
الأول أو على بائعه الثاني، فإن رده على الأول أخذ منه الثمن الأول، وإن رده على بائعه الثاني 14 أخذ منه الثمن الثاني 15 ثم يخير البائع الثاني بين التماسك 16 به أو رده على المشتري الأول، فإن رده عليه فله أن يرده على البائع الأول 17.
قوله: (فَإنْ بَاعَهُ لأَجْنَبِي مُطْلَقًا، أَوْ لَهُ بِمِثْلِ ثَمَنِهِ، أَوْ أَكثَرَ إِنْ دَلَّسَ، فَلا رُجُوعَ) أي فإن باعه المشتري قبل الاطلاع على العيب من الأجنبي؛ أي من غير بائعه الأول فلا رجوع له بشيء من أرش العيب على الأول، وسواء باعه بمثل الثمن الأول 18 أو أقل أو أكثر، وهذا قول ابن القاسم في المدونة 19.
قال: إلا أن ترجع إليه السلعة واختاره محمد، وقال: إلا أن يكون نقص من أجل 20 العيب، مثل أن يبيعه بالعيب، وهو يظن أنه حدث عنده ولم يعلم أنه من عند بائعه، أو ببيعه وكيله وهو يظن ذلك فيرجع عليه بالأقل، واختلف هل هو وفاق أو خلاف؟ وعن مالك إن باعه بأقل من الثمن الأول رجع بقيمة العيب، واختاره ابن عبد الحكم 21. وعبد الوهاب: وهو الصحيح 22 وروى أشهب عنه وبه قال أنه يرجع بأقل الأمرين من نقص الثمن أو قيمة العيب.
واختاره ابن حبيب والضمير المجرور بـ "اللام" راجع إلى بائعه الأول، وإن باعه المشتري 23 لبائعه الأول وذكر أن ذلك على أقسام.
تارة يبيعه بمثل الثمن ولا كلام له فيه؛ لأن الثمن الذي قد خرج من يده قد رجع إليه، وتارة يبيعه بأكثر، فإن كان البائع الأول مدلسًا فلا كلام له ولا رجوع له على المشتري بشيء لأنه رضي به.
الجزء: 3 - الصفحة: 619
قوله: (وَإِلا رُدَّ ثم رد (1) عَلَيْهِ) أي فإن لم يكن البائع الأول مدلسًا رده (2) على بائعه الثاني وهو المشتري الأول، ثم للمشتري أن يتماسك به أو يرده عليه ويأخذ كل منهما الثمن الذي خرج من يده.
قوله: (ولَهُ بِأَقَلّ كمَّلَ) أي فإن باعه لبائعه بأقل من الثمن الذي اشتراه به منه أولًا رجع عليه ببقية الثمن الذي أخذه منه وكمال (3) الثمن الأول، ولهذا قال: كمل أي كمل له الثمن الذي أخذه منه.
(المتن)
ويتَغَيّرِ الْمَبِيعِ إِنْ تَوَسَّطَ؛ فَلَهُ أَخْذُ الْقَدِيمِ وَرَدُّهُ، وَدَفْعُ الْحَادِثِ وَقُوِّمَا بِتَقْوِيمِ الْمَبِيعِ يَوْمَ ضَمِنَهُ الْمُشْتَرِي، وَلَهُ إِنْ زَادَ بِكَصِبغٍ أَنْ يَرُدَّ ويشْتَرِكَ بِمَا زَادَ يَوْمَ الْبَيْعِ على الأَظْهَرِ، وَجُبِرَ بِهِ الْحَادِثُ، وَفُرِقَ بَيْنَ مُدَلسٍ وَغَيْرِهِ.
إِنْ نَقَصَ كَهَلاكِهِ مِنَ التَّدْلِيسِ، وَأَخْذِهِ مِنْهُ بِأَكْثَرَ، وتَبَرُّؤٍ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْ وَرَدّ سِمْسَارٍ جُعلًا، وَبِمَبِيعٍ لِمَحِلّهِ إِنْ رُدَّ بِعَيب، وَإِلَّا رُدَّ إِنْ قَرُبَ، وَإِلَّا فَاتَ كَعَجْفِ دَابَّةٍ أَوْ سِمَنِهَا، وَعَمًى، وَشَلَلٍ، وَتَزْوِيجِ أَمَةٍ، وَجبِرَ بِالْوَلَدِ.
إِلَّا أَنْ يَقْبَلَهُ بِالْحَادِثِ، أَوْ يَقِلَّ، فَكَالْعَدَمِ: كَوَعَكٍ، وَرَمَدٍ، وَصُدَاعٍ، وَذَهَابِ ظُفْرٍ، وَخَفِيفِ حُمَّى، وَوَطْءِ ثَيِبٍ،