قوله: (وَمِلْكُهُ أَوْ لِوَلَدِهِ 1) هذا أيضًا من موانع النكاح، وهو أن تكون المرأة ملكًا له 2 فلا يجوز له أن يعقد نكاحه عليها بإجماع؛ لتنافي 3 حقوقهما وتضادهما 4؛ إذ أحدهما يطلب الآخر فالزوج يطلبها 5 بحق الرق، ومنه النفقة عليه ويطلبه الآخر 6 بحق الزوجية، ومنه أيضًا النفقة 7، وينبغي أن يكون مراده بالملك ما هو أعم من الكامل 8 أو من 9 المبعض أو من فيه عقد حرية؛ ليشمل المدبرة والمكاتبة 10 وأم الولد والمعتقة لأجل، والمعتق بعضها 11 وإنما نزلت أمة ابنه منزلة أمته؛ لقوة الشبهة التي للأب في مال الابن، ولذلك لا يحد إن وطئها 12 ولا يقطع إن سرق من مال ولده إلى غير ذلك.
قوله: (وَفُسِخَ، وَإِنْ طَرَأَ بِلا طَلاقٍ) أي: فإن وقع ما ذكر أنه ممتنع، بأن تزوج أمته أو أمة ولده فإن نكاحه يفسخ، وإن طرأ الملك 13 بعد التزويج كما إذا اشترى زوجته أو
الجزء: 2 - الصفحة: 620
بعضها أو ملكها بميراث أو هبة ونحو ذلك.
قوله: (بِلا طَلاقٍ) هو مذهب الموطأ 14 خلافًا لسحنون، وعن ابن عبد الحكم 15: يكره له أن يتزوج أمة ولده ولا يفسخ نكاحه 16. المتيطي: وخالفه جميع أصحابه.
قوله: (كَمَرْأَةٍ في زَوْجِهَا) أي: فإن نكاحها يفسخ إذا ملكت زوجها بوجه من الوجوه المذكورة، وأشار بقوله 17: (وَلَوْ بِدَفْعٍ مَالٍ لِيَعْتِقَ عَنْهَا) 18 إلى أنها إذا دفعت لسيد زوجها مالًا ليعتقه عنها ففعل 19 فإن نكاحها أيضًا يفسخ بمنزلة ما إذا اشترته؛ لأنه لم يعتق إلا بعد دخوله في ملكها فبمجرد ملكها له يفسخ النكاح، وهو قول ابن القاسم، وقال أشهب: لا يفسخ 20؛ لأنه لم يستقر في ملكها وليس لها 21 فيه إلا الولاء.
قوله: (لا إِنْ رَدَّ سَيِّدٌ شِرَاءَ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا) يريد أن الأمة المتزوجة من عبد 22 إذا اشترت زوجها ولم يكن سيدها قد أذن لها في التجارة ولا في الشراء المذكور، ورد سيدها ذلك، لم يفسخ نكاحها؛ لأن فعلها لا رد صار عدمًا، وظاهر كلامه أن السيد لو أذن لها في ذلك أن النكاح يفسخ، وهو واضح.
قوله: (أَوْ قَصَدَا بِالْبَيْعِ الْفَسْخَ) أي: وكذلك لا ينفسخ 23 إذا قصدت هي وسيدها بالبيع انفساخ 24 النكاح، وهو قول سحنون وعلله 25 بأن الطلاق بيد العبد فلا تخرج من عصمته بالضرر 26، وقوله تفسير للمدونة 27.
الجزء: 2 - الصفحة: 621
قوله: (كَهِبَتِهَا لِعَبْدٍ ليَنْتَزِعَهَا) أي: وكذلك لا يفسخ النكاح 28 إذا وهب السيد الأمة لعبده لينتزعها السيد قاصدًا بذلك أن يحلها 29 لنفسه أو لغيره أو ليحرمها على الزوج، وقاله ابن نافع في المدونة وزاد: ولا يجوز ذلك له 30؛ يريد: لأنه قصد بذلك إضرار الزوج بإخراج زوجته عنه، وقال أصبغ: يكره فإن فعل ذلك 31 جاز، وقال عبد الملك: إن كان مثله يملك مثلها فذلك له وينفسخ النكاح، وقال ابن عبد الحكم 32: إن قصد الفرقة 33 بذلك 34 لم ينفسخ 35. ابن شاس عن ابن محرز: وهذه المسألة تدل على أن للسيد أن يُكره عبده على قبول الهبة، ولولا ذلك لم يكن لهبة السيد تأثير ولا 36 كان يعتبر 37 قصده فيها 38، ولكن لما كان له جبره اعتبر في الكتاب 39 قصده وحمل الأمر على إرادته، فإن صحت إرادته صحت هبته وفسخ 40 النكاح، وإن لم تسلم 41 إرادته بطلت هبته وثبت النكاح، وإلى هذا أشار بقوله: (فَأُخِذَ منه جَبْرُ الْعَبْدِ عَلَى الْهِبَةِ) أي: فأخذ من هذه المسألة أن للسيد أن يجبر عبده على قبول ما وهب له.
قوله: (وَمَلَكَ أَبٌ جَارِيَةَ ابْنِهِ بِتَلَذُّذِهِ) أي: بوطء أو غيره، وسواء كان ذلك بنكاح أو غيره؛ لأن له التصرف وشبهة الملك في مال ولده.
الجزء: 2 - الصفحة: 622
قوله: (بِالْقِيمَةِ) أي: فلا يملكها 42 مجانًا، قال في المدونة: وتُقَوَّم عليه يوم الوطء حملت أم لا، مليًّا كان 43 أم لا 44، يريد 45 فإذا أغرم 46 قيمتها فقد 47 تم ملكه لها 48 وحل له وطؤها بعد استبرائها من الماء الفاسد، وله بيعها إن لم تحمل، وللابن أخذها من الأب المعدم من القيمة، ورأى 49 ابن عبد الحكم أن له التمسك بها في عسر 50 الأب ويسره 51.
قوله: (وَحَرُمَتْ عَلَيُهِمَا إِنْ وَطِئَاهَا) أي: فإن وطئها الابن أيضًا حرمت عليهما معًا، وهو ظاهر مما تقدم.
قوله: (وَعَتَقَت عَلَى مُولِدِهَا) أي: 52 ناجزًا؛ لأن كل أم ولد يحرم على مولدها وطؤها تنجز عتقها، إذ ليس له 53 فيها غير الاستمتاع والخدمة اليسيرة؛ ولهذا إذا استولد محرمًا غير عالم، ثم تبين له ذلك تنجز عتقها، واعلم أن الأب إذا وطئها بعد أن أولدها ابنه غرم له قيمتها أم ولد، لأنه أتلفها عليه، وإن كان الولد وطئها أولًا، ثم أولدها الأب غرم له قيمتها أمة 54 وعتقت ناجزًا، كما تقدم.
قوله: (وَلِعَبْدٍ تَزَوُّجُ ابْنَةِ سَيَّدِهِ بِثِقَلٍ) يريد: أنه يجوز للعبد التزويج بابنة سيده، وقاله في المدونة وزاد فيها: برضا مولاه 55 ورضاها به، وأشار بقوله: (بثقل) إلى قوله في
الجزء: 2 - الصفحة: 623
المدونة: واستثقله مالك، وحمله الأشياخ على الكراهة.
ابن محرز: لأنه ليس من مكارم الأخلاق، وعلله ابن يونس باحتمال أن يموت أبوها فترث زوجها أو بعضه فيؤول ذلك إلى فسخ النكاح 56.
قوله: (وَمِلْكِ غيره) هو معطوف على قوله: (وَلِعَبْدٍ 57 تَزَوُّجُ ابْنَةِ سَيِّدِهِ) أي: وكذلك يجوز للعبد أن يتزوج ملك غيره 58. اللخمي: وهو جائز وإن لم يخش العنت 59.
قوله: (كَحُر لا يُولَدُ لَهُ) يريد: كالحصور والخصي والمجبوب والشيخ الفاني، فيجوز لهؤلاء نكاح الأمة للأمن من استرقاق الولد.
قوله: (وَكَأَمَةِ الَجْدِّ) يريد: أو كل أمة يكون ولدها من ذلك النكاح حرًّا كنكاح أمة الأب أو الأم أو الجد أو الجدات من الأب أو الأم 60. اللخمي 61: وأجاز ابن عبد الحكم أن يتزوج الأب أمة الابن، فعلى هذا يجوز نكاحها من غير شرط؛ لأن الولد يعتق على أخيه، ويجوز نكاح الجد 62 أمة ابن 63 الابن من غير شرط، قال: وكل هذا 64 إذا كان المالك لها حرًّا، فإن كان 65 أحد ممن ذكر عبدًا والمتزوج حرًّا لم يجز؛ لأن الولد يكون عبدًا للسيد الأعلى 66. قلت: وكان ينبغي هنا أن يقيد كلامه بمثل هذا؛ لئلا يوهم جوازه مطلقًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 624
قوله: (وَإِلا فَإِنْ خَافَ زِنًى وَعَدِمَ مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ حُرَّةً) أي 67: فإن لم يكن الزوج 68 متصفًا بأحد الأوصاف السابقة، بل كان حرًّا يتوقع منه الحمل والنكاح لا يقتضي تحرير الولد لم يجز له 69 أن ينكح الأمة إلا بشروط: الأول: أن يخاف على نفسه الزنى لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 25]، الثاني: ألا يجد ما يتزوج به حرة وهذا الشرط هو 70 الذي يعبر عنه بعدم الطول؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية [النساء: 25]، ومذهب المدونة أن الطول هو المال الذي يتزوج به الحرة 71، وروى محمد عن مالك: هو وجود الحرة تحته، وقال أشهب: هو ما يتوصل به إلى دفع العنت 72.
قوله: (غَيْرَ مُغَالِيَةٍ) أي: فإن كان معه قدر ما يتزوج به حرة أو أكثر إلا أنه لم يجد من الحرائر إلا من تطلب منه مالًا كثيرًا يخرج عن العادة؛ فإن له تزويج الأمة؛ لأن ذلك عذر وهو الأصح 73، وقيل: ليس له ذلك.
قوله: (وَلَوْ كِتَابِيَّةً) يريد أن قدرته على مهر الكتابية تكون طولًا فليس له تزويج الأمة حينئذٍ، واستقرأه عياض وغيره من المدونة 74، وجعلوا الكتابية في ذلك مساوية للمسلمة.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر إطلاقاتهم 75، بل نص 76 بعضهم على أن الإسلام متفق على عدم اشتراطه.
وقال ابن العربي: قدرته على مهر الكتابية الحرة 77 لا تكون طولًا بل يجوز
الجزء: 2 - الصفحة: 625
له 78 نكاح الأمة 79، وفيه إشارة إلى اشتراط الإسلام.
قوله: (أَوْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ) هو معطوف على قوله: (وَعَدِمَ مَا يَتَزَوَّجُ بِهِ حُرَّةً) والمعنى أن وجود الحرة تحته لا يكون طولًا، وهو مذهب المدونة 80 كما سبق.
قوله: (وَلِعَبْدٍ بِلا شِرْكٍ وَمُكَاتَبٍ وَغْدَيْنِ نَظَرُ شَعْرِ السَّيَّدَةِ) يريد: أن العبد والمكاتب يجوز لكل منهما أن يرى شعر سيدته بشرط أن يكونا كاملين لها وأن يكونا وغدين؛ أي: لا منظر 81 لهما، وقاله في المدونة، قال فيها: وإن كان لها فيه شرك فلا يرى شعرها وإن كان وغدًا 82، ومنع ذلك ابن عبد الحكم ولو كانا كاملين 83.
قوله: (كَخَصِيٍّ وَغْدٍ لِزَوْجٍ) أي: فإنه يجوز له أن ينظر شعرها إن كان وغدًا 84، وهو قول مالك 85 قال: وإن كان له منظر فلا أحبه، قال في العتبية: وأرجو أن يكون خصي زوجها خفيفًا وأكره خصيان غيره، وله أيضًا لا بأس له 86 أن يدخل على النساء ويرى شعورهن إن لم يكن له منظر 87. اللخمي: فأجازه 88 وإن كان لأجنبي 89، وإليه أشار بقوله: (وَرُوِيَ جَوَازُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا) أي: سواء كان لزوجها أو لأجنبي، وأما الحر الخصي فليس له أن ينظر إلى المرأة.
اللخمي: وأجاز مالك دخوله عليها 90.
الجزء: 2 - الصفحة: 626
(المتن)
وَخُيِّرَتِ الْحُرَّةُ مَعَ الْحُرِّ فِي نَفْسِهَا بِطَلْقَةٍ بَائِنَةٍ، كَتَزْوِيجِ أَمَةٍ عَلَيْهَا أَوْ ثَانِيَةٍ أَوْ عِلْمِهَا بِوَاحِدَةٍ فَأَلْفَتْ أَكْثَرَ، وَلا تُبَوَّأُ أَمَةٌ بِلا شَرْطٍ أَوْ عُرْفٍ.
وَلِلسَّيِدِ السَّفَرُ بِمَنْ لَمْ تُبَوَّأْ، وَأَنْ يَضَعَ مِنْ صَدَاقِهَا، إِنْ لَمْ يَمْنَعْهُ دَيْنُهَا، إِلَّا رُبُعَ دِينَارٍ، وَمَنْعُهَا حَتَّى يَقْبِضَهُ، وَأَخْذُهُ وَإِنْ قَتَلَهَا أَوْ بَاعَهَا بِمَكَانٍ بَعِيدٍ لا لِظَالِمٍ.
وَفِيهَا يَلْزَمُهُ تَجْهِيزُهَا بِهِ، وَهَلْ هو خِلافٌ؟ وَعَلَيْهِ الأَكْثَرُ، أَوِ الأَوَّلُ لَمْ تُبَوَّأْ مَعه؟ أوْ جَهَزَهَا مِنْ عِنْدِهِ؟ تَأْوِيلانِ.