قوله: (فَلَوْ أَقرَّ بَعْدَهُ 1 أَوْ شَهِدَتْ بَيِّنةٌ لم يَعْلَمْهَا أَوْ أَشْهَدَ وَأَعْلَنَ أنّه يَقُومُ بِهَا أَوْ وَجَدَ وَثيقَةً بَعْدَهُ فَلَهُ نَقْضُهُ) ذكر رحمه الله أن المسائل التي ينقض 2 فيها الصلح أربع: الأولى أن يقر المدعى عليه بعد إنكاره، وقد كان صالحه 3 على الإنكار، وإنما كان له نقض ذلك لأنه كالمغلوب على الصلح، ولا خلاف في هذه المسألة، والثانية: أن يصالحه على الإنكار ثم تشهد له بينة بما قال إذا لم يكن علم بها، وهذا هو المشهور، وقاله في المدونة 4، والشاذ رواه مطرف عن مالك أنه ليس له نقضه 5، الثالث: أن يكون قد علم ببينة وتعذر حضورها 6 لكونها غائبة، وشرط أنه يقوم بها إن حضرت فإن 7 حضرت وشهدت له بما قال فله نقض الصلح، وحكى اللخمي وابن يونس والمازري 8 الاتفاق على ذلك، الرابعة: إذا ادعى عليه شيئا فأنكره ثم صالحه وادعى ضياع وثيقته ثم وجدها، وهذا أيضا مما لا خلاف فيه، فقوله: (فَلَهُ نَقْضُهُ) خبر عن المسائل الأربع، وفهم منه أيضا أن له إمضاءه، وقد نص سحنون عليه 9. قوله: (كَمَنْ لَمْ يُعْلِنْ أَوْ يُقِرُّ سِرًّا) يريد: أنه يلحق بالمسائل الأربع مسألتان: أحدهما: إذا كان المدعى عليه يقر سرا ويجحد في العلانية فيصالحه الطالب على أن يؤخره، وأشهد سرًّا 10 أنه إنما صالحه لغيبة بينة، فإذا قدمت فله نقض الصلح إذا علم أنه كان
الجزء: 4 - الصفحة: 184
يطلبه، وهو يجحد، وقد قيل: ليس له نقضه، وهو قول مطرف 11، وبالأول أفتى بعض أشياخنا المتأخرين للضرورة التي دعت إلى ذلك، وهو قول سحنون 12، وإليه أشار بقوله: (كَمَنْ لم يُعْلِنْ) أي: بالإقرار، وأما قوله: (أو يُقِرُّ سرًّا) يريد به ما حكى عن سحنون في المقر سرًّا يقول: أخرني سنة وأنا أقر لك ففعل 13 وصالحه على ذلك، ثم أقام بينة أنه كان أشهد سرًّا أني إنما أؤخره لأنه جحدني، ولا أجد بينة، فإن وجدتها قمت بها 14 فذلك له إن أشهد بذلك قبل الصلح.
قوله: (علَى الأَحْسَنِ) أي: في المسألتين، وهو قول سحنون، وصرح في التوضيح بتشهيره في الثانية 15.
قوله: (لا إِنْ عَلِمَ بِبَيِّنةٍ 16 وَلم يُشْهِدْ) أي: فلا نقض 17 له 18 وذلك إذا علم ببينة كما قال، ولم يشهد أنه يقوم بها، وهو مذهب المدونة، وحكى ابن يونس وغيره قولا آخر أن ذلك له.
قوله: (أَوِ ادَّعَى ضَيَاعَ الصَّكِّ فقيل له: حقك ثابت فأت به فصالح ثم وجده)، أي: وكذا لا نقض له فيما وقع عليه الصلح إذا ادعى ضياع الوثيقة، وهو مراده بالصك، فقيل له: حقك ثابت فصالح ثم وجده 19، والفرق بين هذه المسألة والتي تقدمت، وهي قوله: (أو وجد وثيقة) أنه في هذه إنما صالحه على إسقاط صك ومحوه 20، وقد علم أن حقه ثابت، واعترف به وإنما طلبه بالصك ليمحوما فيه 21 فقد رضي بإسقاط
الجزء: 4 - الصفحة: 185
حقه واستعجال ما صالح عليه، والأول منكر للحق، وقد أشهد أنه إنما صالحه لضياع صكه 22، فهو كإشهاده على أنه إنما صالحه لبعد غيبة بينة 23.
قوله: (وَعَنْ إِرْثِ زَوْجَةٍ 24 مِنْ عَرْضٍ وَوَرِقٍ وَذَهَبٍ بِذَهَبٍ مِنَ التَّرِكَةِ قَدْرَ مَوْرِثهَا مِنْهُ بأَقَلَّ 25 أَوْ أَكْثَرَ.
إنْ قَلَّتِ الدَّرَاهِمُ) أي: ويجوز الصلح أيضًا على إرث زوجة 26، يريد: أو أحد الورثة غيرها 27، وإنما قيده بالزوجة تبعًا للفظه في المدونة فإنه فرض ذلك في الزوجة إذا صالحت عن إرثها، قال فيها: ومن مات وترك زوجة وولدًا وخلف دنانير ودراهم حاضرة وعروضًا 28 حاضرة وغائبة 29 وعقارًا فصالح الولد الزوجة على دراهم من التركة، فإن كانت قدر موروثها من التركة من الدراهم جاز وإن كان أقل 30 جاز ذلك، وإن كان أكثر لم يجز لأنها باعت عروضًا حاضرة وغائبة، ودنانير بدراهم نقدًا وذلك حرام 31، لأن الدراهم إذا كثرت دخله بيع وصرف 32 مع سلعة تأخرت، وقال في المدونة أيضًا بعد هذا: فإن كان في التركة دنانير ودراهم وعروض وذلك كله حاضر لا دين فيه ولا شيء غائب فصالحها الولد على دنانير من التركة 33، فذلك جائز إن كانت الدراهم يسيرة، وفيها أيضًا: وإن صالحها الولد على دنانير أو دراهم 34 من
الجزء: 4 - الصفحة: 186
غير التركة فإن ذلك لا يجوز مطلقًا 35، أي: قلت الدراهم أو كثرت وإليه أشار بقوله: (لا من غيرها مطلقا) أي: من لا من غير التركة فإن ذلك لا يجوز مطلقا أي قلت الدراهم أو كثرت 36 إلا أنها مفروضة في المدونة فيما إذا دفع دنانير أو دراهم 37، وهنا فيما إذا دفع ذهبًا والأمر قريب، وإليه أشار بقوله: (لا مِنْ غَيْرِهَا مُطْلَقًا) 38 وإنما امتنع هذا مطلقًا لدخول التفاضل بين العينين والتأخير بينهما؛ لأن حكم العرض الذي مع العين حكم النقد في الغائب، ويدخله أيضا البيع، والصرف وإن كان حظها من الدراهم صرف دينار فأكثر 39، بعض القرويين: وأجاز أشهب أن يصالحها على دنانير قدر حظها من التركة.
ابن يونس: يريد لأنه يأخذ عوضه 40 من التركة، قال في المدونة: فأما على عروض من ماله نقدًا فذلك جائز بعد معرفتهما بجميع التركة، وحضور أصنافها وحضور من عليه العرض وإقراره 41، وإلى هذا أشار بقوله: (لا من غيرها مطلقًا 42 إِلا بِعَرْضٍ إِن عَرَفَا جَمِيعَهَا وَحَضَرَ، وَأَقَرَّ الْمدِينُ وحَضَر) أي: إلا بعرض من غير التركة إن عرفا جميع التركة وحضر جميع الموروث من أصناف العروض، يريد: لئلا يكون من باب 43 النقد في الغائب بشرط.
اللخمي: وهذا وإن كان قريب الغيبة أو بعيدها ونقد ما ينوب الحاضر، ووقف ما ينوب الغائب جائز 44.
الجزء: 4 - الصفحة: 187
وقوله: (وَأَقَرَّ المَدِينُ وَحَضَرَ) أي: وهو ممن تأخذه الأحكام ابن يونس (1): وأن يكون العرض (2) الذي دفعه الوارث بخلاف العرض الذي على الغريم.
(المتن)
وَعَنْ دَرَاهِمَ وَعَرْضٍ تُرِكَا بِذَهَبِ كَبَيْعٍ وَصَرفٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا دَيْنٌ فَكَبَيْعِهِ، وَعَنِ الْعَمْدِ بمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ، لا غَرَرٍ كَرَطْلٍ مِنْ شَاةٍ.
وَلِذِي دَيْنٍ مَنْعهُ مِنْه، وإنْ رُدَّ مُقَوَّمٌ بِعَيبِ أوِ اسْتُحِقَّ رُجِعَ بِقِيمَتِهِ كَنِكَاحٍ وَخُلْعٍ، وَإِنْ قَتَلَ جَمَاعَةٌ أَوْ قتلوا جَازَ صُلْحُ كلٍّ, وَالْعَفْوُ عَنْهُ، وَإِنْ صَالَحَ مَقْطُوعٌ ثُمَّ نُزِيَ فَمَاتَ فَلِلْوَلِيّ لا لَهُ رَدُّهُ، وَالْقَتْلُ بِقَسَامَةٍ كَأَخْذِهِمُ الدِّيَةَ فِي الْخَطَإِ، وإنْ وَجَبَ لِمَرِيضٍ عَلَى رَجُلٍ جُرحٌ عَمْدًا فَصَالَحَ فِي مَرَضِهِ بِأَرْشِهِ أَوْ غَيْرِهِ ثُمَّ مَاتَ مِنْ مَرَضِهِ جَازَ وَلَزِمَ، وَهَلْ مُطْلَقًا، أَوْ إِنْ صَالَحَ عَلَيْهِ، لا مَا يَؤولُ إِلَيْهِ؟ تَأْوِيلانِ.