قوله: (يُرْجَمُ الْمُكَلَّفُ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ، إِنْ أَصَابَ بَعْدَهُنَّ بِنِكَاحٍ لَازِمٍ صَحِّ) اعلم أن أنواع الحد ثلاثة: رجم، وجلد مع تغريب، وجلد منفرد.
وقد بدأ بالكلام على الرجم، وشرط في مستحقه: التكليف، وليس خاصًا في هذا، بل هو شرط في الثلاثة الأنواع، فلا يحد المجنون والصبي، ولو كان مراهقًا على المشهور، وأما الحرية والإسلام فتعم 1، فلا رجم على عبدٍ ولا كافرٍ.
واختلف هل مجد الكافر حد البكر؟ وإليه ذهب المغيرة، أو لا يحد ويعاقب إذا زنى بمسلمة؟ وهو المشهور.
والضمير في: (بعدهن) عائد على التكليف، والحرية، والإسلام.
أي: لا يرجم إلَّا إذا حصل وطء 2 بعد حصولهن، واتصافه بهن، أما لو زنى قبلهن ثم أخذ بعدهن فلا عبرة بهن.
والباء في (بنكاح) تحتمل السببية، والمعنى: أنه يرجم إذا أصاب بعدهن بسبب حصول النِّكَاح اللازم الصحيح، أو مع النِّكَاح الصحيح اللازم؛ . واحترز بالنِّكَاح من وطء الملك؛ إذ لا يحصل به إحصان، وباللازم من نكاح العبد المتعدي ونكاح ذي العيب، واحترز بكونه 3 صحيحًا من النِّكَاح الفاسد إذا كان يفسخ قبل البناء، وإن كان مما يفسخ بعده فهو كالإحلال.
قوله: (بحِجَارَةٍ، مُعْتَدِلَةٍ) أي: يرجم بحجارة معتدلة 4 فلا يرجم بحجارة عظام، خشية التعذيب وهو المشهور، وقال ابن شعبان: يرجم بأكبر حجر يقدر الرامي على حمله، ويتقى الفرج والوجه 5.
قوله: (ولم يعرف بداية البينة ثم الإمام) هكذا قال في المدونة، أن مالك لا يعرف أن
الجزء: 5 - الصفحة: 341
البينة تبدأ بالرجم، ثم الإمام، ثم الناس، وفي الإقرار والحمل يبدأ الإمام بل يأمر 6 كسائر الحدود.
قوله: (كلائط مطلقًا وإن عبدين أو كافرين) يريد: أن اللائط حكمه الرجم مطلقًا، أي: أحصنا أو لَمْ يحصنا، وكذلك العبد والكافر، وقال أشهب: يجلد العبد أربعين 7، ويؤدب الكافر 8.
قوله: (وجلد البكر الحر مائةً) هكذا ورد في حديث العسيف، وعلى البكر جلد مائة أي لأنه بكر حر 9، واحترز بالبكر من الثيب؛ فإنه يرجم كما سبق.
وبالحر من العبد؛ فإنه يجلد خمسين.
قوله 10: (وتشطر للرق وإِن قل) وهو عام في الذكر والأنثى؛ لقوله تعالى: (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب)، والعبد مقيس على الأمة.
وقوله: (وإِن قل) أي: وإن قل جزء رقه، كمن لَمْ يبق منه رقيقا إلَّا ربعه أو ثمنه ونحو ذلك، وكذا من فيه شائبة كأم الولد، والكاتب، والمدبر، والمعتق إلى أجل.
قوله: (وتحصن كلّ دون صاحبه بالعتق والوطء، بعده) يعني: أنه إذا أعتق أحد الزوجين ونكاحهما صحيح ثم وطئ بعد العتق فإنه مِحصل له الإحصان دون الآخر الذي لَمْ يعتق.
11.
قوله: (وَغُرِّبَ الذَّكَرُ الْحُرُّ فَقَطْ) قد تقدم أن الحد يتنوع إلى ثلاثة أنواع، وإن هذا النوع الثالث، واحترز بالذكر من الأنثي، وبالحر من العبد؛ فإنهما لا يغريان؛ ولهذا قال: (فَقَطْ).
قوله: (عَامًا) هكذا في الحديث.
قوله: (وَأَجْرُهُ عَلَيْهِ وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ) يريد: أن أجر حمل الزاني في
الجزء: 5 - الصفحة: 342
تغريبه عليه من ماله، فإن لَمْ يكن له مال 12 فأجر حمله من بيت المال، وقاله أصبغ وابن المواز.
قوله: (كَفَدَكٍ، وخَيْبرَ مِنَ الْمَدِينَةِ) فدك: - بالدال المهملة - اسم قرية بخيبر، وقال عياض: مدينة بينها وبين المدينة يومان، وقيل: ثلاث مراحل 13. وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - نفى إلى خيبر، ونفى عليٌّ من الكوفة إلى البصرة، وعن مالك ينفي من مصر إلى الحجاز، وقال ابن القاسم ينفي 14 من مصر إلى أسوان 15 ودون 16 منها 17.
قوله: (فَيُسْجَنَ سَنَةً) أي: في البلد الذي نفي إليه.
قوله: (وَإِنْ عَادَ خَرَجَ ثَانِيةً) أي: فإن تمت 18 له سنة ورد إلى مكانه ثم عاد إلى الزنى ثانية فإنه يجلد 19، ويخرج أيضًا فيغرب سنة، ويحتمل أن يريد: فلو عاد إلى بلده قبل تمام السنة فإنه يخرج ثانية حتى يكمل السنة.
قوله: (وتؤَخَّرُ الْمُتَزَوِّجَةُ لِحَيْضَةٍ) أي: تؤخر للاستبراء حيضة؛ خشية أن يكون بها حمل، واحترز بالمزوجة من غيرها؛ فإنها لا تؤخر، وهذا كله في الرجم.
قوله: (وبِالجَلْدِ اعْتِدَالُ الْهَوَاءِ) أي: ينظر في الجلد اعتدال الهواء 20، فلا يجلد في الحر والبرد المفرطين خشية الهلاك، ونص مالك في البرد، وألحق به ابن القاسم في المدونة الحر إذا كان يعرف خوفه 21، وفي الموازية: لا يؤخر للحر نظرًا إلى أنه غير متلف 22.
قوله: (وَأَقَامَهُ الحْاكِمُ والسَّيِّدُ إِنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ بِغيْرِ مِلْكِهِ) يريد: أن الذي يقيم الحد على
الجزء: 5 - الصفحة: 343
الزاني هو الحاكم في الأحرار والعبيد (1)، وكذلك السيد في أمته وعبده، واحترز بقوله (2): (إِنْ لَمْ تَتَزَوَّجْ بِغَيْرِ مِلْكِهِ) مما إذا كان العبد أو الأمة كلّ واحد منهما متزوج بملك السيد، فإن السيد هو الذي يقيم عليهما الحد، وأشار بقوله: (بِغَيْرِ عِلْمِهِ) إلى أن السيد ليس له أن يقيم الحد على رقيقه بعلمه، وهو مذهب المدونة (3)، وقيل: له ذلك، وهما روايتان.
(المتن)
وَإِنْ أَنْكَرَتِ الْوَطْءَ بَعْدَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَخَالَفَهَا الزَّوْجُ فَالْحَدُّ، وَعَنْهُ فِي الرَّجُلِ يَسْقُطُ مَا لَمْ يُقِرَّ بهِ، أَوْ يُولَدْ لَهُ.
وَأُوِّلًا عَلَى الْخِلَافِ أَوْ لِخِلَافِ الزَّوْجِ فِي الأُولَى فَقَطْ، أَوْ لِأَنَّهُ يَسْكُتُ، أَوْ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ لَمْ تَبْلُغْ عِشْرِينَ تَأْوِيلَاتٌ.
فإِنْ قَالَتْ: زَنَيْتُ مَعَهُ، فَادَّعَى الْوَطْءَ وَالزَّوْجِيَّةَ، أَوْ وُجِدًا فِي بَيْتٍ وَأَقَرَّا بِهِ وَادَّعَيَا النِّكَاحَ أَوِ ادَّعَاهُ فَصَدَّقَتْهُ أو وَلِيُّهَا وَقَالَا: لَمْ نُشْهِدْ حُدَّا.