(يثْبُتُ رَمَضَانُ بِكَمالِ شَعْبَانَ، أَوْ بِرُؤيةِ عَدْلَيْنِ) أي: يتحقق 1 وجوب صوم 2 رمضان بإتمام شهر شعبان أو برؤية عدلين، يريد: أو برؤية 3 مستفيضة كما يقوله بعد 4. فأما ثبوته بإكمال شعبان 5؛ فلقوله عليه السلام: "الشهر تسعة وعشرون 6 أو ثلاثون 7 فلا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له" 8. الباجي: وتقديره 9 إتمام الشهر الذي أنت فيه ثلاثين يومًا 10، ونحوه في
الجزء: 1 - الصفحة: 623
الجواهر 11، وأما الرؤية فيشترط فيها أن تكون من ذكرين حرين مسلمين، وهو المراد بقوله: (أو برؤية 12 عدلين) وهو المشهور، وقال ابن مسلمة وأشهب 13: يثبت برجل وامرأتين 14، ولا فرق على الأول بين أن 15 تكون السماء مصحية والمصر كبير أم لا، وإليه أشار بقوله: (وَلَوْ بِصَحْوٍ بِمِصْرٍ).
وعن سحنون: لا يكفي الشاهدان في مثل 16 ذلك 17.
قوله: (فَإنْ لم يُرَ بَعْدَ ثَلاثِينَ صَحْوًا كُذبًا) يريد: أنا إذا فرعنا على قبول 18 شهادة الشاهدين في الصحو والمصر الكبير 19 فعد 20 ثلاثون يومًا، ثم لم 21 يُرَ ليلة الحادي والثلاثين والسماء مصحية فقد تبين كذبهما؛ لأن الهلال لا يخفى مع إكمال العدة 22، وسئل مالك رحمه الله عن ذلك فقال: هما شاهدا سوء.
سحنون: وأي ريبة أكبر 23 من ذلك؟ ! 24
قوله: (أوْ مُسْتَفِيضَةً) هذا هو السبب 25 الذي تقدمت الإشارة إليه 26، وهو
الجزء: 1 - الصفحة: 624
الرؤية المستفيضة؛ أي: الخبر المنتشر، قال في الجواهر: وهو الكمال فيها 27؛ أي: أقواها؛ لأن به 28 يحصل العلم أو الظن القريب منه.
قوله: (وَعَمَّ، إِنْ نُقِلَ بِهِما عَنْهُما) فاعل (عم) محذوف، والمراد به الخطاب، والضمير المثنى في الموضعين عائد 29 على الشهادة والاستفاضة والله أعلم، والمعنى: وعم الخطاب بالصوم سائر البلاد إن نقل بالشهادة أو الإشارة عن 30 الشهادة أو الانتشار 31، ولعبد الملك: إذا ثبت 32 شهادة الأصل عند حاكم مخصوص لا يلزم الصوم إلا أهل ذلك البلد الذي ثبتت 33 فيه الرؤية، ولا يلزم من خرج من ولايته من البلاد 34.
قوله: (لا بِمُنْفَرِدٍ) أي: أن 35 الواحد إذا نقل عن أحد الأمرين لا يلزم به 36 الصوم لمن بلغه ذلك، وقيل: يلزمه ذلك من باب قبول خبر الواحد لا من باب الشهادة، والأول هو المشهور.
قوله: (إِلا كَأَهْلِهِ) 37 أي: فإذا أخبر الواحد أهله أن الصوم قد ثبت فإن ذلك يلزمهم، وسواء كان ذلك عن شهادة أو استفاضة، وقيل: لا يكفي في ذلك إلا شاهدان، وفيه بعد.
قوله: (وَمَنْ لا اعْتِنَاءَ لهمْ بِأمْرِهِ) أي: وكذلك يكفي خبر الواحد إذا لم يكن بتلك
الجزء: 1 - الصفحة: 625
البلد 38 من يعتني بأمور الشريعة، إما بألا يكون فيه قاضٍ أوفيه إلا أنه يضيع أمر الهلال ولا يعتني به 39، وقال 40 عبد الملك: وظاهر كلام سحنون أنه لا بد في ذلك من شهادة شاهدين 41. قوله: (وَعَلى عَدْلٍ أَوْ مَرْجُوٍّ رَفْعُ رُؤْيَتهِ) يريد: أن المنفرد برؤية الهلال يجب عليه أن يرفع ذلك إلى الإِمام إن كان عدلا أو مرجو العدالة أو لقبول 42 رجاء أن يكون غيره قد رأى الهلال فرفع أيضًا فتتم الشهادة، واختلف إذا لم يكن عدلا ولا مرجوًّا هل يجب 43 عليه ذلك، وهو قول ابن عبد الحكم 44، أو لا، وهو قول ابن عبد الوهاب 45؟ وحكى اللخمي عن أشهب قولًا بالاستحباب إن كان 46 الأمر 47 منكشف الحال 48، ثم حكى قول عبد الوهاب 49، ثم قال: والأول أبين؛ لأنه قد يجتمع 50 عليه 51 منهم من يقع 52 بقولهم العلم، وأيضًا فإنه يؤدي إلى ظهور الشهادة؛ لأن كثيرًا من الناس يقف عن 53 الرؤية 54 خوفا أن يؤدي ولا يقبل 55
الجزء: 1 - الصفحة: 626
لانفراده 56، وإليه أشار بقوله: (وَالمخْتَارُ: وَغيرِهِمَا) أي: غير العدل والمرجو, لكن 57 كلامه يوهم أن اللخمي قائل بوجوب الرفع، وهو إنما اختار 58 قول أشهب القائل باستحباب الرفع.
قوله: (وإن أَفْطَرُوا فَالْقَضَاءُ وَالْكَفارَةُ، إِلا بِتَأوِيلٍ فتَأوِيلان) يريوإن العدل والمرجو وغيرهما إذا رأى الهلال وحده فأفطر فإنه يجب عليه القضاء والكفارة إذا أفطر منتهكًا حرمة الشهر 59، ولا خلاف فيه، واختلف إذا تأول كمن ظن أنه لا 60 يلزمه الصوم برؤيته منفردًا، فالمشهور وجوب الكفارة خلافًا لأشهب 61، وهو ظاهر كلام اللخمي؛ إذ 62 لم يحكِ غيره 63، وقال ابن يونس بعد قوله في المدونة: فإن أفطر فالقضاء والكفارة مطلقا 64. وقال أشهب: إلا أن يفطر متأولًا 65، وإنما أوجب عليه 66 مالك القضاء والكفارة 67؛ لأنه لما لزمه 68 الصوم بإخبار غيره عن رؤيته 69 وهي مظنونة كان برؤية نفسه أولى 70، فحمل المدونة على ظاهرها، وأن عليه القضاء والكفارة 71 مطلقًا، وحمل قول أشهب على الخلاف، وظاهر كلام اللخمي أنه تقييد، ونقله أبو
الجزء: 1 - الصفحة: 627
الحسن الصغير عن بعض الأشياخ.
قوله: (لا بِمُنَجِّمٍ) أي: فإنه لا يثبت به الشهر، ولا يصار 72 لقوله: الشهر ناقص أو كامل 73، ونحو ذلك 74؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "نحن أمة أميون لا نكتب 75 ولا 76 نحسب، الشهر هكذا أو 77 هكذا" 78، ولمالك أن قوله 79 عليه الصلاة والسلام 80: "من صدق كاهنًا 81 أو كتافًا أو منجمًا 82 فقد كفر بما أنزل 83 على محمد" 84، وفي المذهب 85 رواية شاذة بالركون إلى ذلك.
قوله: (وَلا يُفْطِرُ مُنْفَرِدٌ لِشَوالٍ 86 وَلَوْ أَمِنَ الظُّهُورَ) أي: أن من انفرد برؤية هلال شوال لا يباح له الفطر، ولا خلاف في ذلك إذا فعله ظاهرًا؛ إلا أنه 87 يعرض نفسه
الجزء: 1 - الصفحة: 628
للأذى 88 مع إمكان تحصيل غرض الشرع بأن يفطر بالنية، واختلف هل يباح له 89 الفطر سرًّا إذا أمن من 90 الظهور أم لا، فقيل: لا يباح له 91 خشية أن يفطن 92 به، وهو المنصوص لمالك في العتبية 93، وهو مراده بقوله: (وَلَوْ أَمِنَ 94 الطهُورَ) وفي الجلاب قول بالإباحة 95.
قوله: (إِلا بِمُبِيحٍ) أي: فإن كان ثَمّ مبيح 96 لفطره كالمرض والسفر والحيض والنفاس فإنه يسوغ له الفطر؛ لزوال التهمة مع العذر.
قوله: (وفي تَلْفِيقِ شَاهِدٍ أَوَّلَهُ لآخَرَ آخِرَهُ، وَلزومِهِ 97 بِحُكْمِ المخَالِفِ بِشَاهِدٍ ترَدُّدٌ) أشار إلى أن التردد بين أهل 98 المذهب وقع في نوعين 99:
الأول: إذا شهد شاهد أول 100 الشهر برؤية هلال رمضان ثم شهد آخر برؤية هلال شوال فهل 101 تضم 102 شهادة أحدهما إلى شهادة 103 الآخر ويفطر الناس أم لا؟ فقال يحيى بن عمر: لا يفطر بذلك 104، قال بعضهم: ومعناه إذا كان بين الرؤيتين تسعة
الجزء: 1 - الصفحة: 629
وعشرون يومًا، وقال غيره: يفطر (1)، واختلف في الأصح منهما.
والثاني: أن المخالف إذا حكم في الصوم بشهادة عدل واحد لكونه مذهبه، فهل يلزم مخالفه (2) ذلك كالمالكي مع الشافعي؛ لأن حكمه وافق (3) محل الاجتهاد، أو لا يلزم؛ لأن ذلك فتوى وليس بحكم؟ اختلف فيه القرافي وابن راشد (4)، فقال ابن راشد (5): لا (6) يسع أحدًا مخالفته؛ لأن حكمه وافق محل الاجتهاد (7).
وقال القرافي: لا يلزم المالكي الصوم بذلك؛ لأنه فتوى (8) وليس بحكم.
وتردد فيه ابن عطاء الله (9).
(المتن)
وَرُؤيتُهُ نَهَارًا لِلْقَابِلَةِ، وإنْ ثَبَتَ نَهَارًا أَمْسَكَ.
وَإِلَّا كَفَّرَ إِنِ انْتَهَكَ، وإنْ غَيَّمَتْ وَلَمْ يُرَ فَصَبِيحَتُهُ يَوْمُ الشَّكِّ، وَصِيمَ عَادَةً وَتَطَوُّعًا، وَقَضَاءً، وَلِنَذْرٍ صَادَفَ لا احْتِيَاطًا.
وَنُدِبَ إِمْسَاكُهُ لَيُتَحَقَّقَ، لا لِتَزْكِيَةِ شَاهِدَيْنِ أَوْ زَوَالِ عُذْرٍ مُبَاحٍ لَهُ الْفِطْرُ مَعَ الْعِلْمِ بِرَمَضَانَ، كَمُضْطَرٍّ فَلِقَادِمٍ وَطْءُ زَوْجَةٍ طَهُرَتْ، وَكَفُّ لِسَانٍ، وَتَعْجِيلُ فِطْرٍ وَتَأخِيرُ سُحُورٍ, وَصَوْمٌ بِسَفَرٍ، وَإِنْ عَلِمَ دُخُولَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَصَوْمُ عَرَفَةَ إِنْ لَم يَحُجَّ وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ وَعَاشُورَاءَ، وَتَاسُوعَاءَ، وَالْمُحَرَّمِ، وَرَجَبٍ، وَشَعْبَانَ، وَإِمْسَاكُ بَقِيةِ الْيَوْمِ لِمَنْ أَسْلَمَ وَقَضَاؤُهُ،