قوله: (وَلَهَا الْفَسْخُ إِنْ عَجَزَ عَنْ نَفَقَةٍ حَاضِرَةٍ) أي: إن عجز عن الإنفاق عليها في الحال، فتخير حينئذ بين أن تقيم معه أو تفارقه؛ لقوة الضرر الذي يلحقها من عدم الإنفاق.
قوله: (لا مَاضِيَةٍ) أي: لا نفقة ماضية، فلا يثبت لها بها 1 فسخ كسائر الديون وهو متفق عليه، ولا فرق فيما ذكر بين أن يكون الزوجان حرين أو عبدين، أو أحدهما حر والآخر عبد، ولهذا قال: (وَإِنْ عَبْدَيْنِ).
قوله: (لا إِنْ عَلِمَتْ فَقْرَهُ أَوْ أَنَّهُ مِنَ السُّؤَّالِ) أي: فإن علمت أنه فقير أو أنه ممن يسأل الناس فلا فسخ لها بالعسر لدخولها على ذلك كمن علمت بعيب زوجها ودخلت عليه، وهو قول مالك في المبسوط، وله 2 في الموازية: أنه يطلق عليه، ولو علمت حال العقد أنه فقير 3.
قوله: (إِلَّا أَنْ يَتْرُكَهُ) أي: إلَّا أن 4 يترك السؤال، فإن لها أن تقوم بالفسخ، قاله القابسي 5 ونحوه للخمي، قال: وهكذا إذا 6 كان لا يسأل كان مقصودًا مشهورًا بالعطاء، ثم تعذر ذلك 7، فإن لها أن تقوم بالطلاق 8، وإليه أشار بقوله: (أَوْ يَشْتَهِرَ
الجزء: 3 - الصفحة: 421
بِالْعَطَاءِ وَينْقَطِعَ) وينبغي أن يكون معذورًا في هذا بخلاف ما إذا ترك السؤال.
قوله: (وَيَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ إِنْ لَمْ 9 يَثْبُتْ عُسْرُهُ بِالنَّفَقَةِ والْكِسْوَةِ أَوِ الطَّلَاقِ) أي 10: إذا رفعت المرأة أمرها إلى الحاكم تشكو إليه عدم النفقة أو الكسوة أمره الحاكم بذلك أو بالطلاق 11 إن لَمْ يثبت عسره عن ذلك، فأما إن ثبت إعساره فلا يؤمر بما هو عاجز عنه.
قوله: (وَإِلَّا تُلُوِّمَ بِالاجْتِهَادِ) أي: فإن أبى الزوج من ذلك، ومن الطلاق أو 12 تلوم له الحاكم وهو يرجى له ومن لا يرجى له 13، وهو المشهور، وقيل: تطلق 14 عليه من غير تلوم.
قال في المدونة: ويختلف التلوم فيمن يرجى له وفيمن 15 لا يرجى 16، وهو مراده بالاجتهاد، أي: اجتهاد الحاكم، ولمالك: التلوم يوم، ونحوه مما لا يضر بها الجوع، وفي الواضحة: الثلاثة الأيام ونحوها 17. محمد: والذي عليه أصحاب مالك الشهر، ولعبد الملك: الشهر والشهران، ولأصبغ: إن لَمْ يطمع له بمال فالشهر، إذ لَمْ تجد هي ما تنفق 18 ولا يبلغ بها الشهرين 19 إلَّا إذا كان لها ما تنفق منه 20.
قوله: (وزِيدَ إِنْ مَرِضَ أَوْ سُجِنَ): وزيد في أجل التلوم إن مرض الزوج أو سجن في خلال ذلك بقدر ما يرجى له أو 21 يرى شيئًا، وقاله عبد الملك 22.
الجزء: 3 - الصفحة: 422
قوله: (ثُمَّ طُلِّقَ) أي 23: ثم 24 طلق عليه الحاكم بعد انقضاء زمن التلوم، وعدم الوجدان لما ينفق أو يكسو، وهذا هو الصحيح، وقيل 25: يبيح الحاكم للمرأة إيقاع الطلاق لانقطاع العصمة 26.
قوله: (وَإِنْ غَائِبًا) أي: إذا لَمْ يكن له مال حاضر وهو المشهور، ولابن القاسم أنه لا يطلق على غائب؛ لأنه لَمْ يستوف حجته، وعلى الأول فلابد من إثبات الزوجية وأنه دخل أو دعي لذلك، والغيبة بحيث 27 أنه 28 لا يعلم موضعه أو يعلم، ولكن يتعذر الوصول و 29 الإعذار إليه فيه، وتشهد البينة أنه لَمْ يترك لها في علمهم نفقة ولا كسوة ولا شيئًا تغدى 30 فيه بشيء من مؤنتها، ولا أنه بعث بشيء 31 وصل إليها في علمهم إلى الحين، ثم يضرب لها الأجل بعد ذلك على ما تقدم، ثم يحلفها على ما شهدت به البينة لها، وحينئذ 32 إن دعت إلى الطلاق وطلقها أو أباح لها التطليق.
قوله: (أَوْ وَجَدَ مَا يُمْسِكُ الْحَيَاةَ) هو معطوف على قوله: (وإِن غائبًا)، والمعنى أن من قصرت 33 حاله عن القوت إلَّا أنه يقدر على شيء يسد به الرمق ويحفظ به الحياة خاصة لا أزيد من ذلك، فإنه يطلق عليه إن شاءت امرأته؛ لأن وجدان مثل هذا القدر وحده ضرر شديد لا سيما إذا لَمْ يرج تغير حاله؛ لما هو 34 أوسع من ذلك إلَّا بعد طول، وهذا هو المشهور، وعن يحيى بن سعيد في المدونة: أنه 35 إذا وجد الفقير قوامًا
الجزء: 3 - الصفحة: 423
من الخبز والزيت وغليظ الثياب لَمْ يفرق بينهما (1)، وعن مالك أنه (2) لا يفرق بينهما حتى لا يجد أقل ما يعيش به (3). قوله: (لا إِنْ قَدَرَ عَلَى الْقُوتِ ومَا يُوَارِي الْعَوْرَةَ وإِنْ غَنِيَّةً) أي: فإن كان قادرًا على القوت خاصة وعلى ما يواري العورة فلا قيام للمرأة؛ لأن المعتبر فيما يوجب الفراق العجز عن النفقة والكسوة جملة، وإن كانت ذات قدر وغنى، قاله مالك (4)، وعن الثمهب إذا عجز عما يشبهها فرق بينهما (5). قوله: (ولَهُ الرَّجْعَةُ إِنْ وَجَدَ فِي الْعِدَّةِ يَسَارًا يَقُومُ بِوَاجِبِ مِثْلِهَا) يريد أن الرجعة مثله (6) إنما كان له الرجعة؛ لأن المطلقة التي أوقعها عليه الحاكم رجعية فأوقعت (7) دفعًا لضرر الفقر؛ فإذا زال موجبها وهو الفقر مكن من الارتجاع، واحترز بقوله: (يقوم بواجب مثلها) مما إذا وجد يسارًا يكفي من هي دونها من الزوجات، فإنه لا يعتبر في حقها لعدم حصول مقصودها، فإن أيسر في العدة ولم يرتجعها وجبت نفقتها على مذهب المدونة (8)، وإليه أشار بقوله: (ولَهَا النَّفَقَةُ فِيهَا وإِنْ لَمْ يَرْتَجعْ) وتأول بعضهم على الواضحة (9) أن لا نفقة لها.
(المتن)
وَطَلَبُهُ عِنْدَ سَفَرِهِ بِنَفَقَةِ الْمُسْتَقْبلٍ لِيَدْفَعَهَا لَهَا، أَوْ يُقِيمَ لَهَا كَفِيلًا، وَفُرِضَ فِي: مَالِ الْغَائِبِ، وَوَدِيعَتِهِ، وَدَيْنِهِ، وَأقَامَتِ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُنْكِرِ بَعْدَ حَلِفِهَا بِاسْتِحْقَاقِهَا.
وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا بِهَا كَفِيلٌ، وَهُوَ عَلَى حُجَّتِهِ إِذَا فَدِمَ، وَبِيعَتْ دَارُهُ بَعْدَ ثُبُوتِ363738394041424344
الجزء: 3 - الصفحة: 424
مِلْكِهِ، وَأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْهُ فِي عِلْمِهِمْ، ثُمَّ بَيِّنَةٌ بِالْحِيَازَةِ قَائِلَةٌ هَذَا الَّذِي حُزْنَاهُ هِيَ الدار الَّتِي شُهِدَ بِمِلْكِهَا لِلْغَائِبِ، وَإِنْ تَنَازَعَا فِي عُسْرِهِ فِي غَيْبَتِهِ اعْتُبِرَ حَالُ قُدُومِهِ، وَفِي إِرْسَالِهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا إِنْ رَفَعَتْ مِنْ يَوْمِئِذٍ لِحَاكِمٍ لَا لِعُدُولٍ وَجِيرَانٍ، وَإِلَّا فَقَوْلُهُ كَالْحَاضِرِ، وَحَلَفَ لَقَدْ قَبَضَتْهَا لَا بعتها، وَفِيمَا فَرَضَهُ، فَقَوْلُهُ إِنْ أَشْبَهَ، وَإِلَّا فَقَوْلُهَا، إِنْ أَشْبَهَ وَإِلَّا ابْتَدَأَ الْفَرْضَ، وَفِي حَلِفِ مُدَّعِي الأَشْبَهِ تَأوِيلانِ.