قوله: (وعمل به في الخيط، ونقش الرحا، وآلة بناء 1) أي: وعمل بالعرف في جميع ذلك، فإن كان عرف الناس أن الخيط على الخياط، وآلة البناء على البناء، ونقش الرحا على المستأجر؛ قضى بذلك عند التنازع، وإن كان على أربابه قضى به، وإن لم يكن لهم عرف فذلك على ربه، وإليه أشار بقوله: (وإلا فعلى ربه) وهو ظاهر كلام ابن رشد وغيره في الخيط، وقال في المدونة: ومن وآجْرَتُه علي بناء، فالآلة والفئوس 2 والقفاف والدلاء على ما تعارف الناس أنه عليه، وكذلك حثيان التراب على حافر القبر، ونقش الرحى وشبهه 3، فإن لم تكن لهم سنة، فآلة البناء على رب الدار، ونقش الرحا على ربه 4.
قوله: (عكس إكاف وشبهه) أي: فإن كان فيه عرف اتبع، وإلا فهو على المكتري، وهو مفهوم كلام ابن الحاجب 5، ومفهوم كلامه في المدونة أنه عند عدم العرف يكون على رب الدابة، وشبه الإكاف البرذعة والمقود السرج واللجام والحزام، ونحو ذلك.
قوله: (وفي السير والمنازل والمعاليق) أي: وكذلك يعمل بالعرف في هذه الأمور وما بعدها، وقاله ابن شاس وغيره 6، ونحوه في المدونة.
قوله (والزاملة) 7 أي: الخرج ونحوه، فإن كان في حمله عرف صير إليه، وإلا لم يلزم المكري حمل 8 ذلك 9.
الجزء: 4 - الصفحة: 573
قوله: (ووطائه بمحمل، وبدل الطعام المحمول، وتوفيره) أي: وهكذا يرجع فيما يجعل تحت المكتري في المحمل إلى العرف، وكذلك إذا نقص الطعام المحمول بأكل أو بيع ونحوه، فأراد صاحبه أن يجعل بدله، أو وفره من الأكل والبيع، وأراد المكتري تخفيف ذلك؛ فإنه يرجع في جميع ذلك إلى العرف، وهو كقوله في المدونة: وإذا نقصت زاملة الحاج، أو نفدت، فأراد تمامها، وأبى الحمال، حملا على ما تعارفه الناس 10.
قوله: (كنزع الطيلسان قائلة) أي: لأن العادة جارية أن الشخص لا يلبس الطيلسان في ذلك الزمن، إلا من ضرورة.
قوله: (وهو أمين فلا ضمان) يريد: أن من استأجر شيئًا فادعى ضياعه أو تلفه، فإنه يصدق ولا يَضْمَنه؛ لأنه أمين على الأصح، كان مما يغاب عليه أم لا، وفي كتاب ابن سحنون: قول بضمانه.
قوله: (ولو شرط إثباته إن لم يأت بسمة الميت) يريد: أن الضمان ساقط عنه ولو اشترط عليه ذلك، وقاله في المدونة في الراعي إذا هلك من الغنم شيء أو ضاع، قال ابن القاسم بعد أن ذكر صدر المسألة: وكذلك إن شرطوا عليه إن لم يأت بسمة ما مات منها ضمن، فلا يضمن وإلم يأت 11 بها، وله أجر مثله ممن لا ضمان عليه 12.
قوله: (أو عثر بدهن أو طعام، أو بآنية فانكسرت، ولم يتعد أو انقطع الحبل) يريد: أن من استأجر شخصًا لحمل دهن أو طعام على ظهره أو دابته، فعثر هو أو الدابة، أو انقطع الحبل، فتلف متاعه فإن المكرى 13 لا يضمن من ذلك شيئًا، أي: إذا لم يتعد، أو يغر من ضعف الحبل، أو نحو ذلك، وهذا مثل ما قال في المدونة: إلا أن يغر من عثار دابة، أو ضعف الحبل 14 عن حمل ذلك 15، فيضمن حينئذ 16.
الجزء: 4 - الصفحة: 574
وأشار بقوله: (ولم يغر بفعل) إلى أن الغرور 17 بالقول لا أثر له، ولا ضمان فيه، وهو ظاهر المذهب.
قوله: (كحارس ولو حماميًا) أي: وهكذا لا ضمان على الحارس ولو كان حماميًا، قال في المدونة: لأنه أجير 18. أي: لأنه أمين.
ابن المواز: ولا يضمن جميع الحراس إلا أن يتعدوا، كان ما يحرسونه مما يغاب عليه، أو لا، طعامًا أو غيره 19. وقال اللخمي: اختلف في تضمين صاحب الحمام، فقال مالك في المدونة: لا ضمان عليه 20، وقال محمد: يضمن إلا أن يأتي بحارس، فإذا أتى به سقط عنه الضمان 21، وبقي الخلاف في الحارس، ففي المدونة وكتاب محمد: لا شيء عليه 22، وقال ابن حبيب: يضمن؛ لأنه أجير مشترك 23.
قوله: (وأجير لصانع) أي: وهكذا لا يضمن الأجير الذي تحت يد الصانع ما تلف منه؛ لأنه أمين، وظاهره سواء غاب عليه أم لا وعن أشهب: في الغسال 24 تكثر عنده الثياب فيؤاجر آخر، ثم يبعثه للبحر بشيء منها يغسله، فيدعي تلفه، إنه ضامن 25، وقال ابن ميسر: . هذا إذا آجره على عمل 26 أثواب مقاطعة كل ثوب بكذا، وأما إن كان آجره يومًا أو شهرًا أو سنة، فدفع إليه شيئًا يعمله في داره وغاب عليه، فلا ضمان عليه 27.
قوله: (وسمسار إن ظهر خيره، على الأظهر) اختلف في تضمين السمسار، فقال ابن
الجزء: 4 - الصفحة: 575
رشد: الذي أفتى به تضمينه، إلا أن يكون مشهورًا بالخير فلا ضمان عليه 28، وإليه أشار (على الأظهر).
وقال ابن راشد 29: رأيت بعض قضاة الإسكندرية ضمن السمسار، وكأنه ذهب إلى أن ذلك من مصالح العامة؛ لفساد الزمان 30.
قوله: (ونوتي غرقت سفينته بفعل سائغ) أي: وكذلك لا ضمان على النوتي إذا غرقت سفينته بسبب فعل سائغ فعله فيها من علاج أو موج أو ريح، قال في المدونة: أو من مد النواتية، فإن تعدى فأخرق في مد أو علاج؛ ضمن ما هلك فيها من الحمولة والناس، وقاله في المدونة 31.
قوله: (لا إن خالف مرعى شرط) أي: فإنه يضمن لتعديه، مثل أن يقول له: لا ترعى في الموضع الفلاني، فيرعى فيه فيهلك بعض الماشية لأجل ذلك.
قال في المدونة: فإنه يضمن قيمة ذلك يوم تعديه.
قوله: (أو أنزى بلا إذن) أي: وهكذا يضمن إذا أنزى على الماشية بغير إذن أهلها، فعطبت تحت الفحل، وقاله في المدونة 32، وقال غيره فيها: (لا يضمن).
والإنزاء: إطلاق الفحل على الأنثى للطرق.
قوله: (أو غر بفعل) قد سبق أن الغار بالفعل يضمن ما هلك بسبب غروره، بخلاف الغرور بالقول على ظاهر المذهب.
قوله: (فبقميته يوم التلف) هو معنى قوله في المدونة: يوم تعدية، فإنه يوم التلف.
قوله: (أو صانع في مصنوعه، لا غيره) يريد: أن الصانع لا يضمن إلا ما كان له فيه صنعة، فلا يضمن الكِتَّابَ 33 إذا دفعه المنسوخ 34 له لينسخ له منه؛ إذ لا صنعة له فيه، وكذا إذا دفع له سيفًا يصوغ له على نصله ودفع معه الجفن فضاع،
الجزء: 4 - الصفحة: 576
فإنه لا يضمن، وكذلك ظرف القمح إذا ضاع من عند الطحان، ونحو ذلك مما هو محتاج إليه؛ ولهذا قال: (ولو محتاجًا له عمل) وأما ما لا يحتاج إليه فأحرى في عدم الضمان 35، كأحد الخفين تحتاج إلى الإصلاح، فيدفع الفردتين إلى الصانع، فتضيع التي لا صنعة له فيها، وفي جميع ذلك ثلاثة أقوال: قول سحنون: أنه لا يضمن إلا ما له فيه عمل وإن احتاج إليه، وقول ابن حبيب: أنه يضمن فيهما، وقيل: لا يضمن ما ليس له فيه عمل وإن احتاج إليه الشيء المعمول، إلا أن يحتاج إليه في عمله، فالذي ذكره هنا هو قول سحنون 36.
قوله: (وإن ببيته أو بلا أجر) هذا مبالغة في ضمان الصانع، يعني: أنه يضمن ما تلف مما له فيه صنعة منفعة 37 وإن صنع ذلك في بيته أو حانوته، وسواء عمله بأجر أو لا، يريد: وسواء تلف بصنعته أو بغيره صِنْعَته 38، ما لم يكن في ذلك تغرير، كنقش الفصوص، وثقب اللؤلؤ، ووضع الثوب في قدر الصباغ، إلا أن يتعدى فيها.
وحكى بعض الأشياخ قولين فيما إذا لم ينصب نفسه للصنعة، أحدهما: أنه يضمن مطلقًا، والثاني: أنه لا يضمن إلا إذا تناول لذلك أجرًا، وحكى بعضهم الاتفاق على الثاني.
قوله: (إن نصب نفسه) أي: للصنعة، واحترز به عما إذا لم ينصب نفسه، وإنما كان أجيرًا لشخص بخصوصيته، أو صانعًا لرجل كذلك، فلا يضمن، وصوب ابن يونس ضمان من لم ينصب نفسه ولو عمل بلا أجر، قال: وهي رواية للمتقدمين.
قوله: (وغاب عليها) أي: على السلعة، احترازًا مما إذا لم يغب عليها، بأن يعملها بحضرة ربها، فإنه لا ضمان عليه في تلفها؛ لأنه مع ربها يشبه الأجير الخاص، وفي كتاب ابن حبيب أنه يضمن.
قوله: (فبقيمته يوم دفعه) أي: فإذا ضمنا الصانع، فإنا نضمنه ذلك الشيء الذي تلف عنده بقيمته يوم دفعه 39 ربه إليه، قال في الموازية والواضحة: وليس لربه أن يقول
الجزء: 4 - الصفحة: 577
أنا أدفع الأجرة وآخذ قيمته معمولًا.
ابن رشد: إلا أن يقر الصانع أنه تلف بعد العمل 40.
قوله: (ولو شرط نفيه) يريد: أن الضمان ثابت على الصانع ولو شرط نفيه عنه، وقاله ابن القاسم، قال في الجواهر: وروى أشهب أنه ينفعه 41، وحكاه قولًا عنه في النوادر 42.
قوله: (أو دعا 43 لأخذه) يشير به إلى قوله في المدونة: وإذا فرغ الصانع من عمل ما في يده، ثم دعا ربه فقال له خذ متاعك، فلم يأت حتى ضاع المتاع عند الصانع، فهو ضامن على حاله 44، وقيده اللخمي بما إذا لم يحضره 45، كما سيذكره.
قوله: (إلا أن تقوم بينة، فتسقط الأجرة) يعني: أن تعلق الضمان بالصانع مقيد بعدم قيام البينة على التلف 46، وأما مع قيامها على ذلك من غير تفريط من الصانع ولا تعدٍّ فلا ضمان عليه، وحينئذ تسقط أجرته عن رب المتاع، وهو قول ابن القاسم وروايته عن مالك، خلافًا لأشهب في ثبوت الضمان، ولمحمد في عدم إسقاط الأجرة.
وقيل: إن شهدت البينة بالتلف بعد العمل لم تسقط الأجرة، وإلا سقطت.
وقيل: لا تسقط مطلقًا.
قوله: (إلا أن يحضره لربه بشرطه) هكذا قيد اللخمي الضمان على الصانع بما إذا لم يحضر المصنوع، قال: وأما إن أحضره ورآه صاحبه 47 مصنوعا على صفة ما شارطه، وكان قد دفع الأجرة، ثم تركه عنده وادعى ضياعه، لصدق؛ لأنه خارج عن حكم الإجارة إلى حكم الإيداع 48، أبو الحسن الصغير: وهو وفاق للمذهب.
الجزء: 4 - الصفحة: 578
قوله: (بشرطه)، أي: على الصفة المشترطة بينهما.
(المتن)
وَصُدِّقَ إِنِ ادَّعَى خَوْفَ مَوْتٍ فَنَحَرَ أَوْ سَرِقَةَ مَنْحُورِهِ، أَوْ قَلْعَ ضِرْسٍ أَوْ صِبْغًا فَنُوزعَ فيه.
وَفُسِخَتْ بِتَلَفِ مَا يسْتَوْفَى مِنْهُ، لا بِهِ إِلَّا صَبِي تَعَلُّمٍ ورضيع، وَفَرَسِ نَزْوٍ، وَرَوْضٍ وَسِن لِقَلْعٍ فَسَكَنَتْ.
كَعَفْوِ الْقِصَاصِ، وَبغَصْبِ الدَّارِ، وَغَصْبِ مَنْفَعَتِهَا، وَأَمْرِ السُّلْطَانِ بِإِغْلاقِ الْحَوَانِيتِ، وَحَمْلِ ظِئْرٍ، أَوْ مَرَضٍ لا تَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى رَضَاع، وَمَرَضِ عَبْدٍ وَهَرَبِهِ لِكَعَدُوٍّ، إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ فِي بَقِيَّتِهِ، بِخِلافِ مَرَضِ دَابَّةٍ بِسَفَرٍ ثمَّ تَصِحُّ.
وَخُيّرَ، إِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ سَارِقٌ.